صدمة الطاقة تدفع آسيا نحو «مزيج الوقود الحيوي»
تحقيق..
السبت / 28 / ذو القعدة / 1447 هـ - 21:41 - السبت 16 مايو 2026 21:41
حرب إيران تهدد بأزمة غذاء وارتفاع التكاليف
بنجالور (الهند)'أ ب': يقول سائق التاكسي رافي رانجان، الذي يعيش مع زوجته وطفلهما في العاصمة الهندية نيودلهي، إن اضطرابات الشحن الناجمة عن حرب إيران تجبره على دفع المزيد من المال للحصول على وقود الطهي، في وقت يحث فيه رئيس الوزراء الهندي السكان على ترشيد القيادة والتنقل. وبالنسبة لرانجان، ينعكس كل ذلك سلبا على دخله، إذ بات يدفع ثلاثة أضعاف سعر غاز البترول المسال بعد تأخر وصول وقود الطهي، حيث كان يشتري أسطوانة غاز البترول المسال مقابل ألف روبية (11 دولارا)، أما الآن، فيدفع 3 آلاف روبية (31 دولارا) في السوق السوداء. وعلى الجانب الآخر من البلاد، في مدينة تشيناي الساحلية، تقول سوشميتا سانكار، وهي مديرة تنفيذية في مجال الإعلانات، إن النفقات على البنزين ووقود الطهي ترتفع بشكل هائل بسبب الحرب، مضيفة أن البنزين الممزوج بالإيثانول- الخليط الاحتياطي المتوفر حاليا في محطات الوقود- يؤدي إلى تراجع كفاءة استهلاك الوقود في سيارتها. وفي ظل نقص غاز الطهي وارتفاع أسعار النفط الخام، اقترحت الهند السماح للمركبات بالعمل باستخدام 85% أو حتى 100% من الإيثانول. كما حظرت جميع صادرات السكر، على الأقل حتى شهر سبتمبر، لضمان توافر الإمدادات المحلية من السكر، وكذلك توفر ما يكفي من المواد الخام حال جرى رفع مستويات خلط الإيثانول.
وتقول الحكومة إن زيادة استخدام الإيثانول تقلل التلوث الذي تسببه المركبات، ولكن ثمة مخاوف بين السائقين بشأن كفاءة الوقود. كما يقول خبراء البيئة إن إنتاج الذرة والأرز والحبوب الأخرى لاستخدامها في تصنيع الإيثانول قد يؤثر على إمدادات الغذاء واحتياجات الثروة الحيوانية.
يشار إلى أن آسيا كانت أول، وأكثر، المناطق تضررا من الخلل في إمدادات الوقود الأحفوري بسبب إغلاق مضيق هرمز. ومع تأهب الدول لموجة ثانية من التداعيات، تسعى الحكومات إلى زيادة استخدام الوقود الحيوي لتقليص واردات الوقود. كما تدفع إندونيسيا وماليزيا باتجاه تبني سياسات لزيادة خلط الوقود ببدائل قائمة على زيت النخيل، رغم تحذيرات الخبراء من أن ذلك قد يدفع نحو توسيع الرقعة الزراعية، وإزالة الغابات. ورغم هذا الاهتمام بسبب الحرب، قد يستغرق الأمر سنوات قبل أن تنتشر خلطات الوقود الأعلى في آسيا، بسبب الوقت اللازم لتطوير سلاسل الإمداد، والبحث عن خلطات جديدة، واختبار توافق المركبات معها. الهند تمزج الوقود الحيوي لخفض التكاليف ودعا رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المواطنين مؤخرا إلى تبني 'خيارات وطنية مسؤولة' لتوفير الوقود، عبر زيادة استخدام وسائل النقل العام، ومشاركة السيارات، وتجنب السفر الدولي. وتستورد الهند نحو 90% من احتياجاتها من النفط الخام، ولذلك أثرت الحرب الإيرانية على المركبات التي تحتاج إلى البنزين، وأيضا على ملايين المنازل والمطاعم التي تعتمد على غاز البترول المسال.
كما تضررت الصناعات التي تحتاج إلى الغاز الطبيعي. وفي الوقت نفسه، حافظت شبكة الكهرباء الوطنية، التي يعمل معظمها بالفحم وبعض مصادر الطاقة المتجددة، على استمرار التيار الكهربائي. وإثر اندلاع حرب إيران، سعت الحكومة الهندية إلى تنويع مصادر النفط واقترحت زيادة نسب الوقود الحيوي، لكن ذلك لم يخفف الصدمة، سوى بشكل محدود، بحسب خبراء الطاقة. وتبيع معظم محطات الوقود في الهند الآن مزيجا يحتوي على 20% من الإيثانول- بعد أن حققت البلاد هدفها بتطبيق المزيج على المستوى الوطني في عام 2025، قبل خمس سنوات من الموعد الحكومي المستهدف. ويدرس صناع السياسات زيادة نسبة المزج في جميع أنواع البنزين إلى 27% بحلول عام .2030 كما أن الإعلان الأخير لوزارة النقل الهندية، الذي يقترح السماح للمركبات التي تعمل بنسبة 85% من الإيثانول، أو حتى بشكل كامل، يعد أقوى إشارة حتى الآن لمصنعي السيارات للبدء في إنتاج مركبات متوافقة مع هذه النسب المرتفعة. ومع ذلك، لا يزال الجدول الزمني لمثل هذه الخلطات غير واضح. وقال شاندرا كومار جاين، رئيس جمعية مصنعي إيثانول الحبوب: 'التحرك نحو خلطات أعلى من الإيثانول يعكس رؤية الحكومة طويلة الأمد لأمن الطاقة، وخفض الانبعاثات، وتقليل الاعتماد على النفط الخام المستورد.' ووفقا لمعهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي، أدى مزيج الإيثانول بنسبة 20% في الهند إلى خفض واردات النفط الخام بنسبة 5ر2% في .2025 وقال شاريث كوندا، من المعهد، إن أي خفض في واردات النفط يعد أمرا جيدا، مشيرا إلى أن أي تباطوء في المعدل السريع لخلط الوقود يمثل عدم يقين في السياسة وارتباكا بين شركات تصنيع السيارات . جنوب شرق آسيا يرفع سقف طموحات الوقود الحيوي وبالنسبة لمنطقة جنوب شرق آسيا، فإن الطاقة الحيوية تعد وسيلة للحماية من الأزمة الحالية، وأيضا من الصدمات المستقبلية، بحسب ريزا يوسري، خبيرة الطاقة لدى شركة 'رامبول' للاستشارات. وتسعى إندونيسيا إلى زيادة نسبة خلط الوقود الحيوي إلى 50% من الديزل الحيوي، مقابل 40% حاليا، في إطار برنامج أطلقه الرئيس برابوو سوبيانتو في شهر مارس، عندما قال: 'نمضي بقوة نحو الوقود الحيوي'. وتعد مبادرة الوقود الحيوي جزءا من مساعي إندونيسيا لتحقيق 'السيادة في مجال الطاقة' استجابة لاضطرابات الوقود الأخيرة، بحسب بوترا أديجونا، من معهد 'إنرجي شيفت'، في العاصمة جاكرتا. وأضاف بوترا أن خلط الوقود سيساعد إندونيسيا أيضا على تطوير سوق محلية لزيت النخيل الذي تبيعه عالميا، لكنه حذر من ضرورة مراقبة إزالة الأراضي والغابات.
وفي أبريل الماضي، وافقت ماليزيا على مقترح لزيادة خلط الوقود تدريجيا إلى 15% من الديزل الحيوي و85% من الديزل الأحفوري، مع دراسة رفع النسبة مستقبلا إلى 20%. وقال أحمد رفدي إندوت، محلل الطاقة المقيم في كوالالمبور، إن الارتفاع الهائل في تكاليف الوقود 'أعاد إحياء الفكرة'، لكنه حذر من أن التركيزات الأعلى ستحتاج إلى مزيد من الاختبارات، مشيرا إلى مخاوف المستهلكين من انخفاض كفاءة الوقود. جدل حول فوائد الوقود الحيوي ورغم أنه غالبا ما يتم طرح خلط الإيثانول كبديل للبنزين، يحذر الخبراء من أن الأمر أكثر تعقيدا.
وقال شياماسيس داس- من مركز التقدم الاجتماعي والاقتصادي في نيودلهي- إنه ليس من الواضح كيف سيؤثر المزيد الأعلى على المحركات الحالية، وإن توسيع نطاق تصنيع المحركات القادرة على العمل بهذه التركيزات المرتفعة سوف يستغرق وقتا. يشار إلى أن الإيثانول أقل كثافة في الطاقة من البنزين، ما يعني أن المركبات تستهلك وقودا أكثر لقطع نفس المسافة، بحسب داس. ولا تزال هناك مخاوف من أن المحاصيل اللازمة لإنتاج الإيثانول قد تؤثر على حجم الإمدادات الغذائية، وهو ما سوف يرفع الأسعار ويزيد الضغط على المياه، بحسب داس. وفي الهند، يأتي نحو 70% من الإيثانول من محاصيل مثل قصب السكر والذرة والأرز. وقد يتطلب إنتاج لتر واحد من الإيثانول ما يتراوح بين 3 آلاف لتر و10 آلاف لتر من المياه، وهي مورد يعاني بالفعل من ضغوط في بلد يواجه استنزافا للمياه الجوفية. ورغم أن الوقود الحيوي يمكن أن يقلل انبعاثات عوادم السيارات، فإن تأثيره الإجمالي على المناخ يعتمد على طريقة إنتاجه. وقال كوندا، المحلل لدى معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي، إن المركبات الكهربائية ربما تقدم حلا أكثر كفاءة على المدى الطويل، إضافة إلى تحويل الصناعات إلى الطاقة المتجددة بدلا من الوقود الأحفوري أو الحيوي. ويرى محللون إن الفوائد المناخية للإيثانول القائم على المحاصيل قد تكون محدودة بسبب عوامل، من بينها استخدام الأراضي واستهلاك المياه. وقال داس، من مركز التقدم الاجتماعي والاقتصادي، إن إنتاج الإيثانول من مواد لا تتطلب أراضي أو مياه إضافية- مثل المخلفات الزراعية والنفايات البلدية والزيوت المستخدمة- يعد أمرا جوهريا/أساسيا. وأضاف: 'ولا يعد الوقود الحيوي متجددا إذا لم يستخرج من المخلفات أو النفايات.'