هل يخرج الخليج من المضيق؟
السبت / 28 / ذو القعدة / 1447 هـ - 21:25 - السبت 16 مايو 2026 21:25
أسبوع آخر وما زالت أزمة الحرب والحصار مستمرة، ولا اتفاق على هدنة بين الطرفين الأمريكي والإيراني، والحرب الكلامية مستمرة؛ بينما عمل رئيس الإدارة الأمريكية في بكين على عقد صفقات جديدة، من بينها تسويق النفط الأمريكي بوصفه نفطًا آمنًا، مستمر التدفق، مقابل النفط العربي المتقطع بسبب الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل في الخليج العربي!
لعل كل الدرس الجغرافي والتاريخي لنا كعمانيين وخليجيين وعرب في هذه المنطقة هو تحول الجغرافيا إلى فاعل حي، فليس الأمر مجرد منطقة جغرافية، بل أن هذه المنطقة الجغرافية داخلة في التكوين الثقافي والنفسي للإنسان، وإذا كنت قد أشرت من قبل لبعض الأمثال الشعبية المرتبطة بمضيق هرمز وجزره، فإن أحد أشهر شعرائنا الشعبيين في القرن الماضي، وهو المطوع عامر الشعيبي نجده يدعو على أعدائه، بالغرق إما في غبة سلامة أو بو شهر:
من كان راكب في بحر لا تعبّره شتّر شراعه وغرق البتيلي/ وتغرّقه فغبة سلامه بالاسم بين النصارى يمتحن بالميلي/ ولا فغبة بوشهر عند العجم تغدي لحومه لحوتها مواكيلي.
وكل ذلك يفصح عن عمق التداخل بين الجغرافي والثقافي؛ فثقافتنا في المحصلة هي نتيجة بيئية، تخضع لكل المؤثرات البيئية على اختلاف أشكالها.
هكذا يمكن إعادة نصب السؤال المطروح في عالم اليوم، بعد مؤتمر بريكس في نيودلهي، وتصريحات وزير خارجية إيران، والذي جاء كعنوان عريض طالعتنا به جريدة الجارديان، وهو هل وقعت عمان ضحية بين الطرفين؟
أوراق الحرب مكشوفة بشكل عام، فقد هاجمت أمريكا وإسرائيل إيران، في حرب غير مبررة ولا قانونية ولا أخلاقية، وإيران مضطرة لاستخدام كل الأوراق المتاحة لها، والتي تبين أن أقواها هو إغلاق مضيق هرمز، والآن يضغط الطرفان على الخليج وعمان تحديدًا لزحزحتها عن موقفها المحايد، وهو أمر له عواقبه بلا شك، بينما تتمسك عمان بشخصيتها ومبادئها ومواقفها المعلنة، وعلاقاتها المتكافئة.
لقد اتسعت عمان طوال تاريخها لاختلاف التوجهات والأطراف، وهذه الرحابة العمانية الداخلية ظلت صامدة رغم تبدل الدول واختلاف والأنظمة، وهي ليست شيئًا يستدعي الإثبات اليوم، فهذا الأمر مثبت منذ ما قبل التاريخ، وتفرضه الجغرافيا نفسها عبر هذا الصدر البحري المشرع على المحيط باتجاه الشرق، وما ارتباط عمان بالبحر تاريخيًا سوى ارتباط جغرافي، حتى بدايات الفتح الإسلامي، فعبر عمان انطلق الانتشار الإسلامي إلى إيران وما جاوزها، فإذا كانت عمان طوال تاريخها عملت كجسر تجاري واقتصادي وعقائدي وديني وثقافي بين أطراف الأرض، فإن النكوص اليوم على هذا الدور يعد تنكرًا للمشروع الجغرافي نفسه.
تتفق اليوم أغلب الآراء في الصحافة العالمية على أن هذه الأزمة تلد عالمًا جديدًا، وأننا في مخاض المستقبل بكل تجلياته وآفاقه، وهذا ما يفرض إعادة حسابات كثيرة وخططًا جديدة، ويضع بدوره تحديات جديدة علينا الالتفات إليها وتجاوزها بحكمة.
قمة بكين، عاصمة العالم حسب اللغة الصينية، من معبد الجنة إلى القاعة العظمى للناس، كلها تعطينا الإشارات المؤكدة لتراجع هيمنة الخطاب الغربي المتسيد، ولعل كل هذا التوجه العالمي نحو الصين إيذان بولادة عالم جديد، عالم يحاول التحرر من نزعاته الغربية، من أجل انفراجة شرقية واعدة.
إن التغير هو القانون الرئيسي للأرض، وهي مستمرة في دورانها، وبينما يبدو أن هذه الأحداث تلد ملامح الغد، وهي الملامح التي ستصبغ هذا القرن برمته، فإن المرء يأسف لكل الأثمان والأرواح والدمار الذي يحدث به هذا التحول خاصة في المنطقة العربية.
ولا شك أن التحول لن يستثني أحدًا؛ لكن بدل مواجهة التيار ومحاولة مغالبته كما تفعل الدول المتغطرسة بأسلحتها، فإن الحكمة تقول إن من الأفضل والأضمن مجاراته، وهذا أمر يعرفه البحارة أكثر من يعرفه.
لا شك لدينا أن هذه الحرب الدائرة أصبحت تكشف عن وجهها كوسيلة ابتزاز أمريكية جديدة للخليج، وإدارة ترامب سواء الأولى أو هذه النسخة المحدثة منها، ظلت تعمل بشكل علني على استغلال علاقتها الخليجية لخدمة مصالحها، سواء بالخطاب أو بالفعل، والآن تجلب هذه الإدارة على المنطقة حربًا خانقة، وأزمة وحصارًا مستمرًا وأضرارًا مباشرة وغير مباشرة على الخليج وبلدانه وسكانه، ثم تستغل كل ذلك لترويج صادراتها النفطية للصين، وكل همها وما يعنيها هو المزيد من الكسب، مع التبجح بالأنانية بوصفها مبدءًا ساميًا، دون احترام لاستقلال الدول وتطلعاتها المستقبلية وأمنها، بل يجري استغلال كل العلاقات الدولية بشكل سافر، معتبرة أن ذلك حق واجب على هذه الدول تقديمه لها، وفي ذلك ما فيه من ضحالة فكر وضيق نظر وعنصرية بائسة.
هكذا فإن من الواضح اليوم بالنسبة لعمان ولدول الخليج أن عليها الخروج بنفسها من المضيق الذي وضعتها فيه علاقتها بالولايات الأمريكية، ومن هذه المعادلة المجحفة والخاطئة رياضيًا ومنطقيًا؛ فلا يمكن أن تستمر علاقة غير متكافئة ولا متبادلة، قائمة على استغلال أحادي الجانب، وهو استغلال يبلغ مع هذه الإدارة الأمريكية أحط مستوياته، لأن الثمن الباهظ لهذه العلاقة الأمريكية أصبح يهدد كل بنى الاستقرار الداخلي، ويقامر بكل الرؤى المستقبلية، مهما بلغ حجم وعود التكنولوجيا الأمريكية البراقة، وعلى دول الخليج وقياداتها أن تتحمل المسؤولية التاريخية للخروج بنفسها من تحت وطأة ثقل الأزمة الحالية والزاوية الحرجة التي وضعتها فيها علاقاتها وحلفها الأمريكي، وهو الأمر نفسه الذي تحاول أوروبا اليوم فعله.
إن خروج الخليج من هذا المضيق يعني إعادة تأسيس رؤيته لذاته وهويته لا كخليج محصور ومحاصر، بل كأفق جغرافي مفتوح، قادر على المضي خارج الحماية الأمريكية المزعومة والتي أثبتت هذه الحرب عكسها وأنها تهديد أكثر من كونها مصدر أمن، ولو تتبعنا ما حدث في هذا القرن فسنجد هذا الإصرار الأمريكي على إشعال الحروب والفوضى في المنطقة يتكرر ولا يتوقف، والدليل هذه الحرب الأخيرة وهذه الأزمة التي لم تنته.
على الخليج اليوم أن يعمل على صناعة مستقبله الطبيعي المستقل، والمتسق مع ذاته وعصره، والملبي لطبيعته ونفسيته وضرورات أمنه واستقراره واحتياجاته، وعلى هذه المنطقة ككل أن تتحرر من هذه العلاقة الإشكالية الثقيلة الباهظة وتمضي باتجاه أفقها وبحرها ومستقبلها المفتوح.
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني