عالم ما بعد «الباكس» بحاجة إلى عقل ما بعد «ديكارتي»
السبت / 28 / ذو القعدة / 1447 هـ - 21:23 - السبت 16 مايو 2026 21:23
ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني
يطرح الكاتب والمحلل السياسي «رافي كانت» في مقاله الأخير في «آسيا تايمز» –والذي نشرت جريدة (عمان) ترجمته في 12 مايو الجاري- فكرة أساسية مفادها أن النظام العالمي في المرحلة القادمة لن يسير وفق نماذج الأنظمة القديمة.
ومن تلك الأنظمة القديمة، كما أشار «كانت»، النفوذ البريطاني الذي استند إلى السيطرة على الممرات المائية والتمويل المالي، وكذلك النفوذ الأمريكي الذي ارتكز على الأسواق العالمية والنفوذ الإعلامي والانتشار العسكري الواسع.
ويشير «كانت» إلى أن النظام العالمي المستقبلي سيكون صاحب النفوذ فيه هو صاحب القوة المسيطرة على تنظيم ما يسميه بـ«الشبكات»، ومنها شبكات البيانات، وشبكات الابتكار، والشبكات الرأسمالية، وسلاسل التوريد، وأنظمة الاستخبارات، والقدرات السيبرانية، ومنصات الاعتماد والتأثير.
الطريقة التي أشار فيها «كانت» إلى هوية الدول التي سوف تكون صاحبة النفوذ تعد طريقة مفيدة لوصف المشهد الاستراتيجي الناشئ، إلا أن طرحه يشير إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير، فهذا الانتقال لا يمثل تحولًا من نظام جيوسياسي إلى نظام آخر فحسب، وإنما هو انتقال من رؤية عالمية إلى رؤية أخرى مختلفة.
كان النظام العالمي القديم قائمًا على تصور «ديكارتي نيوتني» –نسبة إلى الفيلسوف رينيه ديكارت وعالم الفيزياء إسحاق نيوتن–، في حين يتميز النظام العالمي الناشئ بمنطق أقرب إلى المنطق الكمي في آلياته، ولا يعني ذلك أن الجغرافيا السياسية أصبحت تشبه «الفيزياء الكمية» بصورة حرفية، وإنما يعني أن الافتراضات التي كانت تجعل العالم مفهومًا وقابلًا للقراءة بدأت تتغير.
في السابق كانت النظرة القديمة للعالم ترى أن القوة شيء تمتلكه وحدات منفصلة عن بعضها؛ فالدولة كانت تمتلك الأرض والسكان والموارد والمصانع والجيوش والقواعد والحدود وهياكل القيادة، وكان العالم يُنظر إليه باعتباره مجموعة كيانات منفصلة تتفاعل عبر المساحات الجغرافية المختلفة. وكانت الاستراتيجية تعتمد على تحديد مواقع تلك الكيانات وقياس قوتها والتخطيط لحركتها وتنفيذ سياساتها.
كانت هذه الطريقة في النظر إلى العالم فعالة إلى حد كبير، وأسهمت بالفعل في بناء الدول الحديثة والاقتصادات الصناعية والأنظمة الهندسية والمؤسسات العسكرية والإدارية.
كما منحت القادة تصورًا للواقع يقوم على الخطية وإمكانية القياس والتحكم، وافترضت أن العالم يمكن تقسيمه إلى أجزاء، وأن كل جزء يمكن تحليله بصورة مستقلة، وأن المزيد من المعرفة يعني مزيدًا من القدرة على التحكم.
وكان ذلك هو التفكير الجيوسياسي السائد في عصر الصناعة، إلا أن عصر الشبكات يعمل بطريقة مختلفة تمامًا.
تتحرك القوة اليوم عبر الكابلات والمعايير التقنية والرقائق الإلكترونية وطرق الشحن والعملات والخوارزميات والموانئ والمنصات الرقمية وممرات الطاقة ومنظومات المعلومات، وأصبح النفوذ أقرب إلى شبكة واسعة من التأثيرات المتداخلة أكثر من كونه قوة محصورة داخل حدود دولة أو مؤسسة.
كما لم تعد أهمية الدول تقاس بما تملكه فقط، وإنما بما يمر عبرها وما يعتمد عليها وما تستطيع التأثير فيه أو تنظيمه واتخاذ قراراته. ولهذا باتت بعض الدول الصغيرة قادرة على ممارسة نفوذ يتجاوز حجمها الجغرافي بفارق كبير إذا أصبحت جزءًا محوريًا في مجالات مثل الأمن السيبراني أو أشباه الموصلات أو الذكاء الاصطناعي أو ممرات الطاقة وشبكات البيانات.
ويعكس ذلك تحولًا في النظرة الاستراتيجية بصورة واضحة للغاية، ففي التصور «الديكارتي النيوتني» كانت الاستقلالية والاكتفاء الذاتي والسيطرة الكاملة أهدافًا رئيسية للدولة القوية صاحبة النفوذ، بينما تتجه الأنظمة الحديثة بصورة متزايدة نحو الترابط والاعتماد المتبادل.
فالاقتصادات المعاصرة أصبحت أنظمة متشابكة، ويمكن لأزمة تقنية أو هجوم إلكتروني أو تعطيل ممر بحري أو عقوبات اقتصادية أن تترك آثارًا واسعة تتجاوز حدود دولة واحدة إلى عدة دول، ومثال أزمة مضيق هرمز خير ما يذكر هنا.
كان النموذج القديم يسأل عن الجهة التي تسيطر على الشيء، أما النموذج الجديد فيبحث عمن يملك القدرة على تشكيل المجال المحيط به، وهذا ما يجعل بعض الدول والمؤسسات لا تزال تنظر إلى عناصر القوة وفق مفاهيم تقليدية تعتمد على حجم الأراضي أو الجيوش أو المصانع والتحالفات، رغم أن هذه العناصر لم تعد وحدها كافية لتفسير موازين القوة الجديدة.
فقد تنجح دولة في فرض سيطرتها على الأرض، لكنها قد تخسر الوصول إلى التكنولوجيا أو رؤوس الأموال أو الكفاءات البشرية أو شبكات التأثير العالمية.
كما أن التخطيط الاستراتيجي نفسه أصبح أمام واقع مختلف؛ فالأنظمة الشبكية تعمل بصورة متغيرة ومتسارعة وتكافئ القدرة على التكيف السريع أكثر من التمسك بخطط صماء.
وظهر ذلك في الحروب الحديثة والاقتصاد معًا؛ حيث أصبحت الأفضلية تميل إلى الطرف الأكثر قدرة على التعلم والتطوير والاستجابة السريعة للمتغيرات.
إن النظام العالمي القادم لن يكون قائمًا على الحجم أو الثروة أو القوة العسكرية فقط، وإنما على القدرة على الجمع بين أدوات القوة التقليدية وفهم طبيعة الشبكات والعلاقات الجديدة؛ إذ لن يكون التفوق من نصيب من يحاول السيطرة على كل شيء، وإنما لمن يدرك طبيعة الترابط بين الأشياء وكيفية الاستفادة منها.
أدوين كلامب كاتب في آسيا تايمز متخصص في الشأن الاقتصادي
الترجمة عن آسيا تايمز