أفكار وآراء

عُمان ترقى بسواعد أبنائها

أتناول في هذا المقال قضية مهمة تتعلق بقطاع العمل العُماني، والخبرات الوطنية التي تستحق أن تجد مساحة أوسع للحضور والتأثير، وأن تُحتضن بصورة أكبر مع توفير الإمكانات والسبل الكفيلة بتمكينها وتشجيعها. 

قبل البدء، لابد من الإشارة إلى أن الحديث عن هذا الموضوع لا يمكن أن يأتي بمعزل عن مجموعة من الأحداث والمؤثرات التي دفعتني إلى الكتابة عنه، والتي أرى أنها تحمل دلالات عميقة تستحق التأمل. 

أهم هذه المؤثرات الزيارات التي يقوم بها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى عدد من المؤسسات والجهات الحيوية في ربوع الوطن، وكان آخرها زيارته إلى شركة تنمية نفط عمان، وافتتاحه «بيت الهيثم»، ذلك الصرح الذي يمثل انعكاسًا متقدما للتقنيات الحديثة وأنظمة التحكم والمراقبة الشاملة في قطاعات النفط والغاز. 

أظهرت هذه الزيارة السامية أيضا الحضور اللافت للكفاءات العُمانية، والذين كانوا في واجهة المشهد القيادي والتقني والمهني بعمومه، وقد بدا واضحا أن التركيز كان موجها نحو الفرد العُماني باعتباره محورَ التنمية وأساسها، وهذا ما تجسّد في الرسالة التي دوّنها جلالة السلطان في هذه الزيارة؛ فأكد فيها أهمية المواطن العُماني، وفخره بقدراته، وكفاءاته الوطنية، ودورها المحوري في بناء الاقتصاد الوطني الذي يحق أن نفخر بأحد سطورها «هذا الصرح العلمي العملي الذي يقف شاهدا على إنجاز عقول وسواعد أبناء عُمان». 

كذلك أستحضرُ حديثا للدكتور المعتصم البهلاني في إحدى المقابلات «البودكاستية»، حين قال عبارة لافتة ومهمة مفادها إنه «لا يمكن أن تجد من يخاف على الوطن أكثر من أبنائه»، في إشارة إلى أن الكفاءات الوطنية هي الأقدر على فهم هذا الوطن ومتطلباته، والأحرص على مصالحه، والأكثر استعدادا لتحمل مسؤولية قطاعاته المختلفة؛ حينها نؤكد أن الاستثمار الحقيقي الذي ينبغي أن تراهن عليه المؤسسات اليوم هو الاستثمار في الكفاءات العُمانية. ينقلنا هذا إلى مشهد آخر مشابه يتمثّل في الكلمة التي ألقاها الدكتور أفلح الحضرمي -مدير عام شركة تنمية نفط عمان- أمام المقام السامي أثناء الزيارة؛ فحملت هي الأخرى دلالات عميقة تتجاوز الإطار المؤسسي إلى رؤية وطنية متكاملة في بناء الكفاءات العُمانية وتأهيلها؛ فأشار في كلمته إلى أن الشركة عملت على تطوير الكفاءات العُمانية، وضاعفت جهودها في إبراز نخبة من القادة العُمانيين وإخراجها عبر برامج متعددة من بينها برامج متخصصة في إعداد القيادات، وأخرى ارتبطت بالانضباط العسكري والتعاون مع المؤسسات العسكرية. 

تتجلى هنا قضية في غاية الأهمية تتمثّل في أن مسؤولية القادة الحاليين ينبغي أن تتجاوز المهام الإدارية وتحقيق الإنجازات الآنية؛ لتمتد إلى صناعة جيل جديد من القادة، جيل قد يكون أفضل وأكثر قدرة منهم على مواصلة البناء والتطوير، وهذا المعنى أكده الدكتور أفلح الحضرمي في حديثه حين أشار إلى أن الجهود المبذولة داخل الشركة تمتد إلى إعداد قيادات مستقبلية تمتلك الكفاءة والرؤية والانتماء. هذا في الحقيقة ما ينبغي أن يتحول إلى ثقافة وطنية عامة في مختلف القطاعات؛ سواء في قطاع الطاقة، أو قطاع الصناعة، أو قطاع الصحة، أو غيرها من الحقول المهنية المختلفة. 

لا يمكن لنا أن نخفي حقيقة نعاينها بأنفسنا في مختلف البيئات المهنية والأكاديمية في أن سلطنة عُمان تمتلك كفاءات وطنية شابة أثبتت قدرتها العالية على التعلّم السريع، واكتساب المهارات، والاندماج بكفاءة في مختلف القطاعات، وشهدت ذلك بنفسي، سواء في البيئة الأكاديمية أو عبر التفاعل مع المؤسسات الصناعية المختلفة، وكذلك عبر الحوارات والنقاشات المتعددة؛ فبدا واضحا أن الكفاءة العُمانية تمتلك قابلية كبيرة للتطور والتكيّف وتحمّل المسؤولية. 

أركزُ هنا بصورة خاصة على القطاعات الصناعية والتقنية، كونها القطاعات التي أجد لها مبررات كثيرة تدفعنا للقول بأنها ينبغي أن تكون بأيدٍ عُمانية، وأن تُدار بعقولهم وسواعدهم نظرا لما تملكه من حس مهني وانتماء وطني، ونظرا لحساسية هذه القطاعات، وأهميتها الإستراتيجية، وما تمثله من ركيزة لمستقبل الاقتصاد العُماني وتحولاته القادمة، وهذا ما أكدتُه في غير مناسبة ومقال عن ضرورة تعمين قطاعات التقنية. 

حينها من المهم في هذا المقام أن نشخّص عددا من التحديات التي تواجه سوق العمل العُماني ورواد أعماله من المستثمرين العُمانيين خصوصا المبتدئين منهم من أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ورغم ما يمكن رصده من تحديات؛ فإننا لا ننكر أن كثيرا من هذه التحديات بدأ يسير نحو الحل والتطوير والتحسين، نتيجة للجهود المبذولة. 

لعل من أبرز هذه التحديات الإجراءات التي قد تُطيل عملية البناء المؤسسي لمثل هذه المشروعات التجارية -الصغيرة والمتوسطة-، ويصل الأمر إلى أن تكون سببا من أسباب فشلها، وما يترتب عليها من تكاليف مالية وإدارية تثقل كاهل أصحاب الأعمال في بداياتهم، وبجانب بعض القيود والاشتراطات التي تُفرض على هذه المشروعات منذ مراحلها الأولى، والتي نرى من الأفضل التدرج في تطبيقها خصوصا فيما يتعلق ببعض الرسوم أو اشتراطات التوظيف التي قد لا يمتلك أصحاب الأعمال الناشئون القدرة الكاملة على تحقيقها في بداية رحلتهم في عالم الاستثمار والأعمال؛ فتلح الحاجة -إلى جانب الدعم القائم بالفعل- إلى مزيد من التسهيل وفتح المجال أمام هذه المنطلقات الوطنية الشابة عبر تخفيف بعض الاشتراطات في السنوات الأولى من عمر المشروع، والتي أرى أنه ينبغي ألا تقل عن ثلاث إلى خمس سنوات، ومع منح إعفاءات مغرية من الضرائب والرسوم، وتقديم الدعم الممكن الذي يساعد هذه المؤسسات على النمو والاستقرار؛ لنرى ثماره إيجابا على الاقتصاد الوطني وسوق العمل وأصحابه. 

في ظل حديثنا عن جهود حكومية مبذولة في سبيل التصحيح والتيسير فإن ثمة مؤشرات تدعو إلى التفاؤل الكبير بما هو قادم، وأهمها في القطاعات التقنية وما يرتبط بها من مشروعات وطنية عملاقة، مثل منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة التي أرى فيها مساحة أمل واسعة يمكن أن تفتح آفاق المستقبل أمام الاستثمارات الوطنية الطموحة خصوصا في المجالات المرتبطة بالتقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي؛ إذ شهدتُ بنفسي -في غضون سنوات قليلة- ولادة عقول عُمانية شابة طموحة باتت تدرك مفاهيم التقنيات الحديثة وتمارسها بجرأة ومهارة عالية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، في حين أن هذه القدرات -بكمها- لم تكن ظاهرة بهذا الشكل قبل عدة سنوات. 

واليوم، نعاين هذا النمو المتسارع في الوعي والمهارة؛ ليدل بوضوح على حجم الاهتمام الذي توليه الحكومة المتمثّل في دعم التعليم التقني والتدريب والتشجيع بأنواعه، وعلى أثر الرؤية السامية للنهضة المتجددة التي تدفع بقطاع التعليم وتنمية القدرات والمهارات التقنية إلى الأمام بوتيرة متسارعة. 

بعودتنا إلى تشخيص التحديات، فإننا ما نزال بحاجة إلى مزيد من الجهود في موضوع الإحلال ورفع نسب التعمين، والأخذ بيد الكوادر العُمانية نحو سوق العمل في قطاعاته العامة والخاصة لما يثمر من ذلك نتائج إيجابية كثيرة منها رفع الحركة الاقتصادية والاجتماعية -أهمها مضاعفة الاستقرار الأسري والمجتمعي بعمومه- نتيجة النشاط التجاري والشرائي والعمراني وارتفاع حجم السيولة النقدية في الداخل والحد من خروج الأموال -عبر التحويلات المالية الكبيرة- غير المفيدة لحركة الاقتصاد الداخلية. 

ندرك أن عملية الإحلال -رغم ضرورتها- بحاجة إلى دراسة تخصصية مهنية دورية متجددة تدرس متطلبات سوق العمل وتخصصاته ونسبة المخرجات الوطنية -من حيث ندرة بعض التخصصات وقلة عدد الكفاءات الوطنية فيها-، وإلى ضوابط أخلاقية ضامنة للحقوق الخاصة والعامة للمتعاقَد معه، دون أن لا يلغي ذلك الحاجة إلى أهمية المسارعة إلى تفعيل عملية الإحلال وتنظيمها بصورة أكثر شمولا وفاعلية، بما يزيد من اتساع دائرة انخراط الشباب العُماني في سوق العمل، ومنحهم الفرصة الجادة لإثبات قدراتهم والمشاركة في صناعة التنمية الوطنية بنسب أعلى عما عليه الآن. 

في ظل هذا السعي الوطني، من المهم أن نتذكر دائما أنه لا يوجد من سيعتني بعُمان مثل أهلها، ولا من سيحمل همّها ويحرص على مستقبلها مثل أبنائها، وأن الجيل الذي نصنعه اليوم، ونمكنه في قطاعات العمل المختلفة، سيكون هو نفسه الجيل الذي سيبذل جهده مستقبلا في إعداد جيل جديد، وتدريبه، وتمكينه؛ ليأخذ مكانه في سوق العمل، ولعله يكون أفضل وأكثر قدرة من الجيل الذي سبقه. 

. د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني