أفكار وآراء

احتفاء باليوم العالمي للتنوع الثقافي

يزداد الاحتفاء باليوم العالمي للتنوُّع الثقافي من أجل التنمية والحوار، قيمة وأهمية عاما بعد آخر، في ظل ما يمر به العالم من تحديات جيوسياسية أدت إلى صراعات وحروب كرَّست مفاهيم القوة والعنف والدمار؛ لذلك فإن هذا الاحتفاء يذكِّر العالم بأهمية التنوُّع باعتباره أصلا وأساسا لتنمية المجتمعات اقتصاديا وفكريا وعاطفيا، يقود نحو التفاهم والسلام والتعايش بين شعوب العالم. 

ولأن الثقافة مفتاح التماسك الاجتماعي وقيمة أخلاقية للتواصل والحوار بين الشعوب، فإنها لا تنهض سوى بمبدأ احترام الآخر، وتقدير فكره وخصوصيته وحقوقه، ولا تستقيم سوى بفكر التنوُّع الذي يُنشئه الاختلاف بين الأمم ليكون مبدأً للحوار والتنمية. 

لذا فإن هذا اليوم يذكِّر العالم بدور الثقافة والحوار في تحقيق التنمية المستدامة والسلام والتعايش في العالم، وأن التواصل الحضاري بين الشعوب تقوده الثقافة واحترام الاختلاف والتقدير المتبادل، ليكون شاهدا في مقابل الأزمات والنزاعات التي يعيشها العالم اليوم؛ فالتعددية والتنوُع تؤسسان حقيقة الاختلاف أمام الانتشار الكبير لمفاهيم العولمة التي تحاول جاهدة التغلغل السريع في ثقافة المجتمعات وفق نماذج وقوالب جاهزة، مهمتها صياغة أنماط ثقافية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية متغيرة. 

إن التنوُّع الثقافي يمثِّل فكرة التعايش بين المختلف، ويواكب ديناميكية المجتمع وقدرته على الاحتواء والتكيُّف مع معطيات المجتمع وخصوصيته التي تصنع هُوياته المجتمعية في تعاضدها وتنظيمها الحضاري والثقافي المؤسِّس لثوابت الهُوية الوطنية. 

فالتنوع والاختلاف يؤسسان المنظومة المجتمعية من ناحية، ويوجهان آفاق الاحترام والتفاهم بين الآخر، لاحترام حقوقه وفكره وثقافته، وبالتالي فإنهما يمثلان توجيها مباشرا لفهم الآخر وتقدير خصوصيته الدينية والعرقية والحضارية. 

أصدرت اليونسكو بمناسبة اليوم العالمي للتنوع الثقافي، الذي يصادف 21 مايو من كل عام، تقريرا بعنوان (إعادة تشكيل سياسات الإبداع)، تعبِّر فيه عن التحديات التي ما زالت الثقافة تعانيها، خاصة على مستوى الدعم والتمويل؛ فعلى الرغم من وجود هيئات ومؤسسات معنية بالثقافة في كافة دول العالم، وارتفاع معدلات الاستثمار في المجالات الثقافة، إلاَّ أنها ما زالت تعاني هذه التحديات المالية؛ فـ (التمويل العام للثقافة يمثِّل أقل من 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين بلغت التجارة العالمية في السلع الثقافية 254 مليار دولار أمريكي في العام 2023). 

في مقابل ذلك فإن التحوُّل الرقمي أعاد تشكيل المشهد الإبداعي الثقافي، من حيث توفُّر المحتوى الإبداعي، الذي يشكِّل تحديا للمجتمعات على مستوى مجالات التنوُّع الثقافي واحترام خصوصيته وقيمته بين الشعوب؛ ذلك لأن هذا المحتوى بأنواعه وأشكاله وتطوره المتسارع، أدى إلى توسيع الفجوات الرقمية بين مجتمعات العالم. 

فهناك محتويات رقمية تم إنشاؤها من أجل التحرش أو التنمر أو الإساءة لثقافة الآخر وخصوصيته وسيادته، كما أن بيئة الشبكات التقنية وبرامج التواصل الاجتماعي وغيرها (بيئة معادية بشكل متزايد للمبدعين، وخاصة النساء والشعوب الأصيلة والمجتمعات الضعيفة) – حسب تقرير اليونسكو –. 

إن هذه التحديات تتطلَّب التوعية المستمرة، والعمل الإبداعي المتواصل، إضافة إلى صياغة سياسات لحماية الإبداع باختلافه وتنوُّعه، صونا لتنوُع التعبير الثقافي، وتعزيزا لدوره المهم في حماية كرامة الإنسان وحقوقه الإنسانية؛ ذلك لأن أنماط التعبير ومجالات تنوعها تكشف حرية أفراد المجتمع في التعبير عن ثقافتهم المجتمعية، والدفاع عنها بالإبداع الفكري والأدبي والفني والحرفي وغير ذلك من أنماط التعبير؛ فكل ثقافة لها خصوصيتها التي تمايزها عن الآخر وتتكامل معه وفق مقتضيات الثقافة الإنسانية المشتركة. 

من هنا تأتي أهمية السياسات الثقافية بوصفها منظِّمة للقطاع الثقافي، إذ تشكل قاعدة لإنشاء (النظم المستدامة للحوكمة من أجل الثقافة)، تهدف إلى إحداث التوازن بين حرية الثقافات في التعبير عن إبداعها، ودعم التدفق للسلع والخدمات الثقافية وحماية العمل الثقافي والفني، وإدماجها في التخطيط التنموي المستدام، لتعزيز حقوق الإنسان والحريات الإبداعية في كافة المجالات الثقافية والفنية؛ فالسياسات تعمل وفق رؤية التنوُّع الثقافي وإمكاناته التنموية، التي تؤسِّس فكر الإبداع. 

يؤكد تقرير اليونسكو أن الثقافة أساسية (للإنصاف الاجتماعي والإدماج والتماسك)، لأنها داعمة لحقوق الإنسان والحريات وبناء المجتمعات الواعية، التي تقدِّر العدالة والمساواة وفق منظومة التعايش؛ ولهذا فإن التنوُّع الثقافي الرقمي اليوم يشكِّل تحولا في مفاهيم هذا التنوُّع من حيث تشكيل الإبداع الثقافي وإنتاجه وتوزيعه والوصول إلى الآخر (الجمهور)، خاصة في ظل التطورات المتسارعة لبرامج الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي يُنظر إليها بوصفها مهددا للإبداع الثقافي وقيم الابتكار الإنساني. 

إن التنوُع الثقافي الرقمي، يفتح مجالات واسعة لحرية التعبير، وحرية الوصول إلى التجارب الثقافية ومجالات التراث الثقافي، وتعزيز الصناعات الإبداعية، إلاَّ أنه يواجه العديد من التحديات سواء على مستوى نفاذ التقنيات نفسها إلى كافة دول العالم التي تحد من قدرة المثقفين والفنانين في ولوجها والاستفادة منها، أو على مستوى نزاهة التعامل معها؛ وبالتالي فإن المحتوى الثقافي يواجه تحدي (حماية التنوع الثقافي من تجانس المحتوى)، الأمر الذي أصبح يتدخَّل في تحريف ثقافة المجتمعات أو حتى تشويهها لأهداف سياسية أو تنافسية، قادت بعض الدول إلى العداوات والعنف أو حتى الحروب. 

ولهذا، فإن الدول تبذل جهودا متعددة في سبيل حماية تنوُّعها الثقافي الرقمي، من خلال مجموعة من الإجراءات التي تعزِّز الحوكمة الثقافية في أطر مؤسسية داعمة للقطاع الثقافي الإبداعي، واتجاهاتها المختلفة، وتلتزم بحق أفراد المجتمع للتعبير عن ثقافتهم وفق معطيات مجتمعية قادرة على الاحتواء، إضافة إلى أهمية مواءمة الإمكانات الإبداعية مع تلك الأطر بناء على أولويات الابتكار التقني الآمن، الذي يُسهم في تمكين الإبداع الثقافي الرقمي وتحفيزه، وفق موثوقية السياسات الثقافية الداعمة. 

إن حماية التنوع الثقافي الرقمي ضرورة مهمة، في ظل التطورات التقنية المتسارعة، والاتجاهات الأيديولوجية التي تُهدِّد هذا التنوُّع. 

فعلى الرغم من القوانين والتشريعات الناظمة للقطاع التقني وحرية التعبير في البرامج والمنصات الإلكترونية بأشكالها، وما يقدمه العالم أيضا في تنظيم برامج الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، إلاَّ أن هذا التنوُّع ما زال يحتاج إلى حماية، خاصة في توجهات التحوُّل الرقمي للقطاع الثقافي، الذي يقتضي حماية بالغة للتراث الثقافي من ناحية، والإبداع من ناحية أخرى؛ ذلك لأن المحتوى الثقافي دائما مهدَّد بالاختراق والتشويه لأسباب مختلفة، مما يقتضي صونه. 

لذا فإن إيجاد سياسات قادرة على حماية التراث الثقافي والإبداع الثقافي، خاصة ذلك الذي يعمل المثقفون والمبدعون على رقمنته في صفحاتهم الخاصة، أو إبداعه في برامج مختلفة، مما يجعله ضمن سياق البيانات المفتوحة التي يمكن ولوجها، مما يدخلها في دائرة الخطر؛ مما يقتضي صياغة سياسة منفتحة متوازنة، بحيث تكون داعمة للإبداع وممكِّنة لتبني التراث الثقافي وأنماط الثقافة بأنواعها، ومساهمة في صونه وحمايته؛ صونا للتنوُع، وحماية للهُوية الوطنية. 

إن الاحتفاء بالتنوُّع الثقافي، هو احتفاء بأهمية الاختلاف الذي يجعل الشعوب متكاملة في أداء دورها الإنساني، ومتعاضدة في دعم التعايش والتفاهم لتحقيق السلام. 

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.