بريد القراء

جيل الذكاء الاصطناعي... بين الصناع والمستخدمين

 

في عصرنا الحالي يُطلق على مواليد الألفين 'جيل الذكاء الاصطناعي'.
ولا شك أن هذا الوصف فيه شيء من الصحة، لأنهم الجيل الأسرع في تبنّي أدوات الذكاء الاصطناعي وتوظيف التكنولوجيا الحديثة بجميع مقوماتها في مختلف مجالات حياتهم.


ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هم الجيل الذي صنع هذا التحول؟
الحقيقة التي قد يغفل عنها الكثيرون هي أن الذكاء الاصطناعي بدأ منذ خمسينيات القرن الماضي، عندما بدأ المهتمون والباحثون في ذلك الجيل يفكرون في كيفية صنع آلة ذكية تحاكي العقل البشري، آلة تفكر وتتعلم وتحلل وتتخذ القرارات. من هنا كانت الانطلاقة والتحدي، حيث كان التحدي الأكبر يكمن في بساطة تقنيات الحاسوب التي كانت آنذاك محدودة جدًا من حيث السعة ومعالجة البيانات، مما جعلها لا تستطيع استيعاب متطلبات تشغيل آلة ذكية تحاكي ذكاء الإنسان.


لقد عمل ذلك الجيل بجد واجتهاد لسنوات طويلة، وواجه تحديات تقنية ومعرفية كبيرة في سبيل إنجاح الفكرة التي كان لها الفضل الأكبر في وصول التقنيات الحديثة إلى هذا التطور المذهل.
سأتكلم عن رحلتي في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بدأت منذ مرحلة البكالوريوس عند دراسة مادة الذكاء الاصطناعي، وهنا بدأ الشغف والفضول اللذان دفعاني إلى دراسة مواد اختيارية ساعدتني على فهم الخوارزميات والمفاهيم التي يقوم عليها هذا المجال.

حينها اتخذت قرارًا أن يكون بحث الدكتوراه في عالم الروبوتات (الإنسان الآلي)، ورافقني الحلم لسنوات حتى حصلت، بفضل من الله، على بعثة لإكمال دراستي في الولايات المتحدة الأمريكية متخصصة في مجال الروبوتات وتعلم الآلة. خلال إكمال دراستي العليا عملت على تطوير أنظمة روبوتية باستخدام أحدث التقنيات مثل نماذج التعلم العميق والبيئات الافتراضية.

في تلك الفترة، أي منذ حوالي عشر سنوات، لم يكن هناك 'شات جي بي تي' أو غيره من أدوات الذكاء الاصطناعي الموجودة في السنوات الأخيرة. كان كل سطر برمجي يُكتب بعد جد واجتهاد، وكل تجربة تُبنى على بحث عميق ومحاولات متكررة، في بيئة تتطلب صبرًا وإصرارًا كبيرين. واجهت الكثير من التحديات والعقبات، ولكن بفضل من الله وتوفيقه وبدعم عائلتي الكبير أكملت دراستي بتميز ونجاح.


عدت إلى عُمان عام 2020 حاملة شهادة الدكتوراه في مجال الذكاء الاصطناعي، وأنا كلي تفاؤل بغد مشرق بعد سنوات من التعب، ولكن وللأسف لم يكن هناك أي اهتمام يُذكر بهذا المجال، ولا ثقافة تعزز أهميته، مما أصابني بالقليل من الإحباط.
غير أن الطفرة العالمية التي حدثت فتحت آفاقًا جديدة ليكون هذا التخصص محط اهتمام الجميع، وهو ما كان يدعو للتفاؤل بأن سنوات الجهد ستلقى أخيرًا التقدير الذي تستحقه.


غير أن المفارقة ظهرت مع هذا التحول عندما بدأ الجميع ينخرط في العمل في هذا المجال سواء المختصين منهم أو غير المختصين. فبينما بدأ الجيل الجديد، جيل الألفين، في تعلم أساسيات الذكاء الاصطناعي الذي ساهمت في تدريس نخبة منه بحكم عملي كمحاضرة، تجد على الصعيد الآخر بعض الأصوات التي تقلل من قيمة جيل الصنّاع من المتخصصين، وتصفه بأنه 'جيل قديم' لا يواكب التكنولوجيا، بل وتشكك في كفاءة من ساهموا لسنوات طويلة في بناء أساسيات هذا العلم.

وأصبح مفهوم التخصص في هذا المجال يندرج تحت مفهوم المعرفة باستخدام أدواته، مع تهميش من ساهم في صنع ووجود تلك الأدوات وتشغيلها.
وهنا لا بد من وقفة صريحة:
جيلنا ليس جيلاً بعيدًا عن الذكاء الاصطناعي، بل نحن المتخصصون في هذا المجال، ومن ساهم في بناء حجر الأساس لهذا المجال وتطويره في ظروف كانت أكثر تحديًا وتعقيدًا.


إن التقدم الحقيقي لا يقوم على إلغاء دور الأجيال السابقة، بل على التكامل بينها. فالإنجازات لا تحدث فجأة، بل هي جهود متراكمة ومتوالية، فكل جيل يبني على ما سبقه ويضيف إليه، ولا يمكن لأي حاضر أن يزدهر دون ماضٍ قوي الجذور.