مختصون: ضرورة وجود وعي تربوي ورقابة تعليمية على استخدامات الذكاء الاصطناعي
الجمعة / 27 / ذو القعدة / 1447 هـ - 16:50 - الجمعة 15 مايو 2026 16:50
دعا مختصون وخبراء إلى ضرورة إعادة تشكيل وتطوير مهارات التفكير التحليلي والتأثير الاجتماعي والتعلم المستمر، بما يسهم في خدمة الإنسان في حياته ومجتمعه، مع تسليط الضوء على أبرز التأثيرات الناجمة عن الاستخدام المفرط لأدوات الذكاء الاصطناعي، والنتائج العكسية التي قد تترتب على ذلك في حال غياب الوعي والضبط التربوي.
وقال الدكتور سالم بن حميد الشعيلي، مدير وحدة مشاريع الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، في تعليق حول مدى استخدام طلبة المدارس والجامعات للذكاء الاصطناعي: إن الطلبة يعتمدون على هذه التقنيات بشكل كبير لإنجاز المهام دون بذل الجهد الكافي لفهم المحتوى، وهو ما ينعكس سلبًا على المهارات الأساسية؛ إذ تقل القدرة على البحث وتحليل المعلومات عند الاعتماد المفرط عليها.
وأكد الشعيلي أن الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي من شأنه أن يؤدي إلى تقليل قدرة الطالب على التفكير المستقل والتفكير النقدي، مشيرًا إلى أن المختصين يحثون على تجنب استخدامه في بعض المجالات التي قد تحرم المستخدمين من فرص تطوير قدراتهم المعرفية والاجتماعية.
من جهته، قال الخليل بن أحمد العبدلي، مؤسس أكاديمية تقنيات الذكاء الاصطناعي: إن الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي دون بناء مهارات التفكير النقدي والفهم العميق قد يحوّل الطالب من باحث ومحلل إلى مجرد مستهلك للإجابات الجاهزة، مضيفًا أن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية دمج هذه التقنيات في العملية التعليمية دون فقدان جوهر التعليم القائم على بناء عقل قادر على التساؤل والتحليل والإبداع.
وقال خالد بن محمد المنجي، مدير مدرسة: إن هذه التقنيات أصبحت حاضرة بقوة في أيدي الطلبة، حيث توفر إجابات سريعة للتساؤلات المختلفة وتساعدهم في إنجاز أعمالهم، إلا أن ذلك يطرح إشكالية تتعلق بمدى استعداد الطلبة لبذل الجهد في التعلم والبحث وتخصيص الوقت الكافي لذلك. وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي بات يؤدي بعض العمليات التي كانت تعتمد على التفكير الإبداعي والنقدي، وهو ما قد يحد من الابتكار إذا ما استُخدم بديلًا للباحث بدلًا من كونه أداة مساعدة.
أداة تقنية
وفي سياق الحديث عن الخدمات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي في التعليم، أوضح العبدلي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية إضافية داخل العملية التعليمية تُستخدم على نطاق محدود أو في مهام مساعدة بسيطة، بل تحول اليوم إلى شريك معرفي فاعل يعيد تشكيل مفهوم التعلم من جذوره، ويُحدث نقلة نوعية في طريقة إنتاج المعرفة وتلقيها. وأشار إلى أن الطالب بات في ظل هذه التقنيات قادرًا على الوصول إلى كمّ هائل من المعلومات في وقت قصير، مع إمكانية تحليلها ومقارنتها وتطبيقها بطرق أكثر سرعة ومرونة وتفاعلية، وهو ما لم يكن متاحًا في النماذج التعليمية التقليدية بنفس الكفاءة والاتساع.
وأضاف أن هذا التحول الكبير في أدوات التعلم يفرض في المقابل مسؤولية أكبر على المؤسسات التعليمية والمعلمين وأولياء الأمور، إذ إن نجاح دمج هذه التقنيات لا يعتمد فقط على توفرها، بل على وجود وعي تربوي واضح ورقابة تعليمية رشيدة توجه الاستخدام وتحد من الإفراط فيه. وأكد أن التعلم الذاتي المدعوم بالذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون فعالًا ما لم يُبنَ على أسس واضحة تشمل تحديد أهداف تعلم دقيقة، ووضع مسارات منظمة لاكتساب المعرفة، إلى جانب بناء مهارات إدارة الوقت والتنظيم الذاتي والانضباط الأكاديمي، فضلًا عن تعزيز مهارات التفكير النقدي والتحليلي لدى الطلبة. كما شدد على أهمية تطوير قدرة المتعلم على التمييز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة، في ظل هذا التدفق الكبير للمعلومات الذي تتيحه المنصات الذكية.
وبيّن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون عاملًا معززًا للمهارات البشرية إذا ما أُحسن توظيفه، أو عاملًا مضعفًا لها إذا ما أسيء استخدامه أو أُفرط في الاعتماد عليه، موضحًا أن هذه المعادلة ليست حتمية أو ثابتة، بل تتغير بحسب طريقة الاستخدام والسياق التربوي والمؤسسي الذي تُوظف فيه هذه التقنيات. وأضاف أن القرارات التربوية والسياسات التعليمية تلعب دورًا محوريًا في تحديد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُسهم في تطوير قدرات الطالب أم في إضعافها. كما أشار إلى أن هناك دراسات صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تؤكد أن الإفراط في استخدام الأدوات الذكية دون تأطير تربوي سليم قد يؤدي إلى ما يُعرف بظاهرة 'الاعتماد المعرفي'، حيث يصبح المتعلم أقل قدرة على معالجة المعلومات بشكل مستقل نتيجة الاعتماد المستمر على الحلول الجاهزة، وهو ما ينعكس على نشاط الدماغ ومهارات التفكير العميق.
وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة نظر شاملة في مفهوم المهارات المستقبلية، بحيث لا يقتصر التركيز على الحفظ والاسترجاع، بل يمتد ليشمل التفكير النقدي العميق، وطرح الأسئلة الصحيحة قبل البحث عن الإجابات، والتحقق الدقيق من المعلومات ومصادرها، إضافة إلى إتقان مهارة إدارة الأدوات الذكية وتوجيهها نحو تحقيق أهداف تعليمية واضحة، بدلًا من الاكتفاء باستهلاك مخرجاتها دون فهم أو تحليل. وأكد أن الطالب في المستقبل لن يكون مطالبًا فقط بمعرفة الإجابة، بل بامتلاك القدرة على صياغة السؤال الصحيح الذي يقوده إلى المعرفة الفعلية.
وأكد العبدلي أن المستقبل لن يكون ساحة صراع بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل سيكون مساحة تكامل وتعاون لصالح الإنسان القادر على توظيف هذه التقنيات بوعي وذكاء ومرونة. ولفت إلى أن النموذج الأمثل الذي يتجه إليه العالم اليوم هو نموذج 'الإنسان المُعزَّز' (Augmented Human)، حيث لا يحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان، بل يعمل كامتداد لقدراته العقلية والإبداعية والتحليلية، مما يتيح له أداء مهامه بكفاءة أعلى واتخاذ قرارات أكثر دقة.
واختتم بالإشارة إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تطويرًا جذريًا للأنظمة التعليمية، بحيث تركز على بناء إنسان قادر على التكيف مع المتغيرات السريعة، والتعلم المستمر مدى الحياة، والتفكير فيما وراء المعرفة، وليس مجرد تخريج طالب يمتلك معلومات محفوظة أو ينفذ مهام روتينية بشكل آلي، بل إنسان يمتلك القدرة على الإبداع والتجديد وصناعة الحلول في بيئات عمل متغيرة ومعقدة.