ثقافة

«النكبة في السرد المعاصر: من الذاكرة إلى إعادة التشكيل»

تحسين يقين

 

في طريقي إلى الندوة التي صارت عنوان مقالي هذا، كنت أفكّر بأمرين مرتبطين ببعضهما بعضا: الأول يتعلّق بنكبة فلسطين التي مرّ عليها 78 عاما، ولم تنته؛ فقد جرت نكبة هزيمة عام 1967، التي ضاع فيها ما تبقّى من الوطن، بالإضافة إلى أرض عربية أخرى، وصولا إلى نكبة غزة الكبرى التي لم تنته، والثاني يتعلّق بالسرديات الفلسطينية للنكبات، وأساليب كتابتها. لذلك أقبلت على الندوة، ولديّ هذا الاهتمام، والذي أصلا ينسجم مع كتابة الرواية والقصة في فلسطين، وبخاصّة من تناول موضوعات تخصّ النكبة الأولى وما تداعى منها من نكبات؛ فالأدب السرديّ هنا سار كما سارت فيه الآداب الأخرى، من خلال كتابة المضمون وتقنية الكتابة، وكلاهما يمران بتطور مع تطّور الزمن وما فيه من أساليب.

وتناول الكثير من الباحثين والنقاد مضمون الرواية الفلسطينية في تحوّلات الثلاثة عقود الأخيرة، التي صاحبت بداية التسويات السياسية بعد مؤتمر مدريد عام 1991 وما تلاه من اتفاق أوسلو بعد عامين؛ حيث خلصت إلى نتيجة مهمة تخصّ الروائيين، الذين ظلوا متمسكين بالقضايا الحقيقية التي يعيشها الشعب الفلسطيني.

إنه مضمون الإنسان الفلسطيني كإنسان أولا يعيش تحت الاحتلال، يرصد تأثّر المجتمع والأفراد بمنظومة الحياة بتحولاتها، دون إغفال أثر الصراع هنا؛ فثمة اهتمام بخلاص الإنسان هنا على أكثر من مستوى. ومن هنا عاد الرّواة-الروائيون إلى الوراء، لتفسير ما آلت إليه مصائرهم.

لذلك، فإنَّ من الصعب على أي روائي فلسطيني كتب بعد عام 1948 حتى الآن، ألا تظهر النكبة الأولى بشكل ما من الأشكال داخل نصّه، التي تتحرك فيه شخصياته، سواء على مستوى الروائيين من أجيال مختلفة، كما أشارت الكاتبة أماني الجنيدي عن مرور الأدب الفلسطيني في ثلاثة أجيال عايشت النكبة، أو على مستوى الروائي نفسه الذي كتب عن سياق النكبة في رواياته عبر عقود عاشها وكتب فيها بعد 1948.

وعودة إلى الشكل الفني، فإنّه لا نستطيع الفصل بين المضمون وشكله، بل كيف رأى كل جيل، أكان من شهد النكبة، أو من استمع للروايات الشفوية من المصدر، أو من قرأ وتتبّع الحادثة الأكثر تأثيرا على حياة معظم أبناء الشعب الفلسطيني.

لقد عبّر الشعر عن النكبة سريعا، كونه جنسا يلائم الانفعال العاطفي لما آلت له الأمور عام 1948، في حين احتاجت الرواية إلى تأمل ما حدث، ولم يكن من الغريب أن تبدأ الروايات المتعلقة بالنكبة بعد عقدين أو أقلّ قليلا.

لقد اجتهد الروائيون هنا، فبالرغم من حالة الحصار الثقافي، وشبه الانقطاع عما يجدّ من إبداع روائي عربيا وعالميا، إلا أنهم أبدعوا فنا روائيا يشار له بالبنان، وما وصولهم إلى القوائم المختلفة للجوائز بل وحصولهم عليها، إلا تتويجا لما تطور من سرد روائيّ بعد عام 1967، عام احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة.

وعودة الى العنوان: «النكبة في السرد المعاصر: من الذاكرة إلى إعادة التشكيل»، سنجد أن الروائيين عمدوا إلى التوثيق ولكن في سياق إبداعيّ، من منطلق الحرص على حفظ الذاكرة، ليس كتاب الستينيات، بل كتاب التسعينيات وصولا إلى الآن؛ فهذه زينب حبش في رواية «الفراشة والأخطبوط» تنحو منحى توثيقيا في روايتها التي جرت أحداثها في بيت فلسطيني احتل للقبض على فدائي، من خلال الوصف والسرد واستدعاء النكبة، فلم يكن من السهل تجنّب النكبة لشخصيات لاجئة تناولتها الرواية، التي جذبت القرّاء بأسلوبها البوليسي والمسرحيّ، بسبب وجود قوات الاحتلال في البيت، وما حدث من حوار بين أصحاب البيت والمحتلين.

في «العذراء والقرية» لأحمد رفيق عوض، ينشغل الكاتب وجوديا وفكريا بتفسير أسباب الهزيمة عام 1967، مشيرا إلى أن الظروف المحيطة اجتماعيا وسياسيا هي أصلا من أسست للهزيمة التي لم يتبناها أحد، رجوعا إلى النكبة، حين استدعى تاريخ جزء من شخصيات اللاجئين.

ويمثّل الروائي صافي صافي صوتا روائيا متفردا جعل النكبة مشروعه، وأبدع في تتبع الروايات الشفوية من مصدرها، على مدار عدة روايات، في الوقت الذي مثّل إبداعا أدبيا في تقنية السرد؛ ففي روايته «اليسيرة» وصف ما كان من خلال نقد سلوك الشخصيات في الماضي، في حين لجأ إلى سرد معاصر في رواية «عين التينة» الصادرة حديثا.

ومن هؤلاء الروائيين الذين بدأوا ناضجين وإبداعيين في تناول أثر النكبة الروائي أسامة العيسة في روايته «مجانين بيت لحم»، فقد استلزم المضمون شكله، وقد تمثّل ذلك في سرد روايات اللاجئين، من خلال معايشته، ومن خلال صوته الذي انتظمت فيه الروايات الشفوية للجوء وما قبله.

أما رواية «تاج الياسمين»، لبشرى أبو شرار، فقد كانت مثالا على «إعادة التشكيل»، بل كانت وقت صدورها أولى الروايات التي تنطلق من المحدود فيزيقيا إلى اللامحدود، بالاستفادة من الفضاء الافتراضي؛ حيث أحضرت الأمكنة إليها، إضافة لاستدعائها الأزمنة أيضا؛ فكان هذا السحر الشكلي المعبّر عن مضمون إنسانيّ وذاتيّ. ثمة قصص قصيرة منثورة خلال النص الكبير، أعادت الكاتبة تركيبها من جديد في شكل روائيّ معاصر ومميز أيضا. حتى لكأنهم جميعا يكتبون رواية الكاتبة كفرد، وروايتها الجمعية؛ فهي على الحاسوب، معه وبه، من خلال صندوقها المعدنيّ، تنطلق في صناديق معنوية أخرى. لقد أصبح الحاسوب هنا مجازيا؛ حيث تقوم صاحبته بقيادة بنية الرواية وتداعياتها، بسحرها، تقود بشكل غير مرئي، فتربط ما بينها وبين نفسها في أزمنة وأمكنة أخرى، وبينها وبين هؤلاء، ضمن المصير الواحد. وهنا في ظلّ تناولها لشخصيات فلسطينية خارج الوطن وداخله، فقد كان حضور النكبة حضورا طبيعيا.

وأخيرا، ثمة حاجة ثقافية لاستعراض الرواية الفلسطينية مضمونا وشكلا، من أجل النهوض بها، ومن أجل أن يبدأ الجيل الأدبي الجديد مما انتهى إليه السابقون للتطوير عليه؛ فما زال الاحتلال، وما زال اللاجئون يتكاثرون، وصولا إلى الأحفاد، والذي وإن تغيرت سياقات عصرهم، فإن عودتهم إلى مدنهم وقراهم لم تتحقق بعد.