ترجمة

من سيحل لغز إنتاجية الذكاء الاصطناعي؟

روبن ريفاتون

 

أعلنت شركة OpenAI وشركة Anthropic الأسبوع الماضي عن اعتزامهما إطلاق شركات استشارية مدعومة برأسمال خاص للدفع بنماذجهما في تيار عمل الشركات المتوسطة الحجم. وبدعم من Blackstone، وHellman & Friedman، وGoldman Sachs، يُقال إن Anthropic تجمع 1.5 مليار دولار لهذا المشروع، في حين أن OpenAI جمعت 4 مليارات دولار من 19 مستثمرا ــ بقيادة TPG، و Brookfield، و Bain ــ بتقييم بلغ 10 مليارات دولار.

الهدف من المبلغ الـمُـجَمَّع (5.5 مليار دولار) حل المشكلة الوحيدة التي لا تستطيع المختبرات الرائدة حلها باستخدام نماذج أفضل: مفارقة إنتاجية الذكاء الاصطناعي. برغم أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية متاحة الآن على نطاق واسع، فإن فوائدها لم تظهر بعد في إحصاءات الإنتاجية. وجدت مؤسسة جالوب أن نسبة البالغين الأمريكيين الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل عدة مرات على الأقل في السنة نمت من أقل من الربع في أوائل عام 2023 إلى ما يقرب من الأغلبية بحلول عام 2026.

ومع ذلك، لم يظهر نمو إنتاجية الأعمال غير الزراعية في الولايات المتحدة تحسنا مستداما يذكر. على الرغم من حدوث تسارع قصير في إنتاجية قطاع الأعمال غير الزراعية في عام 2024، فإنها تراجعت إلى مستواها الأساسي بحلول منتصف عام 2025. تعكس هذه الاتجاهات مفارقة إنتاجية تكنولوجيا المعلومات في تسعينيات القرن العشرين، والتي حلّت نفسها في نهاية المطاف عندما أعادت الشركات تنظيم نفسها حول قدرات تكنولوجيا المعلومات الجديدة. السؤال المطروح هو ما إذا كانت الظروف ذاتها قائمة اليوم، وإذا كان الأمر كذلك، فأين.

ترى ما هي المشكلة؟ في ورقة بحثية حديثة، عملت على تحديد المرونة التنظيمية باعتبارها المتغير الرئيسي. يعتمد نمو الإنتاجية على قدرة الشركة على تحويل المكاسب على مستوى المهام إلى إنتاجية على مستوى النظام، وتعتمد تلك القدرة بدورها على ما إذا كان العمل واضحا، والعمليات معيارية، وتوجيه المهام قابل للاستبدال، والمديرون يملكون السلطة اللازمة لإعادة تصميم سير العمل. في حال غياب تلك الشروط، يوفر الذكاء الاصطناعي الوقت للأفراد دون تغيير ما تنتجه الشركة.

تحتوي الأدبيات الاقتصادية القياسية على النقطة العمياء ذاتها. تقيس الدراسات التجريبية القياسية التي أجراها ديفيد أوتور، وإريك برينجولفسون، وشاكيد نوي، وويتني تشانج، وزملاء آخرون، الإنتاجية الفردية في مهام منعزلة. قد يحل أحد موظفي خدمة العملاء مزيدا من التذاكر، وقد يكتب أحد المستشارين مذكرات أفضل، وقد يرسل أحد المبرمجين «كودا» قابلا للاستخدام بشكل أسرع. المكاسب حقيقية، لكنها لا تجعل الشركة تتحرك بسرعة أكبر بالضرورة.

توضح تجربة عشوائية دامت ستة أشهر أجرتها إليانور ديلون، وسونيا جافي، ونيكول إيمورليكا، وكريستوفر ستانتون هذه المشكلة. فقد منحوا 7137 عاملا في مجال المعرفة في 66 شركة كبرى إمكانية الوصول إلى أداة Microsoft 365 Copilot، التي جرى دمجها في البريد الإلكتروني، والمستندات، والاجتماعات. انخفض الوقت الذي يقضيه الموظفون في استخدام البريد الإلكتروني، لكن الوقت الذي يقضونه في الاجتماعات لم ينخفض، وظل كم المهام وتكوينها ثابتا. وذهبت معظم الساعات التي جرى توفيرها إلى تقليل عدد ساعات العمل من المنزل في المساء وليس إلى إنتاج إضافي. وحققت التروس الفردية كفاءة أعلى، لكن الآلة عملت بالوتيرة ذاتها.

تعد أدوات مختبرات الذكاء الاصطناعي الجديدة اعترافا بأن بيع الرموز لا يسد هذه الفجوة. في وجود مهندسين منتشرين على الخطوط الأمامية، وبيانات عمل متعددة السنوات، ونماذج نشر منسوخة عبر شركات المحفظة، وإعادة تصميم سير العمل في كل قطاع على حدة، سوف تُـسَـعَّـر الأعمال الاستشارية وتوزع على الموظفين وفقا لذلك. خلصت المختبرات إلى أن قيمة النماذج التي قامت ببنائها تقع عند مستوى أعلى بطبقة واحدة، في إعادة هيكلة الشركات، وليس في اقتصاديات الوحدة في واجهة برمجة التطبيقات (API).

تتحرك الصين في الاتجاه ذاته، وإن كان ذلك عبر قناة مختلفة. في مارس، تحرر وكيل الذكاء الاصطناعي المفتوح المصدر«OpenClaw » من مجتمع المطورين وحقق مكانة السوق الضخمة بين المستخدمين الصينيين. وفي غضون أيام، اندلعت حرب بين المنصات. أطلقت Zhipu أداة AutoClaw، وهو برنامج يُـثَـبَّت محليا بنقرة واحدة ويحتوي على عشرات المهارات الـمُثَبَّتة مسبقا. وأطلقت شركة ByteDance أداة ArkClaw كبرنامج على السحابة. وأصدرت شركة Tencent أداة WorkBuddy للمستخدمين من الشركات ودفعت بأداتي QClaw و ClawBot إلى منصة WeChat، وردّت شركة Alibaba بأدوات التنسيق الخاصة بها. ولأن الكود المفتوح المصدر كان مجانيا، لم يعد النموذج مصدرا للدخل يمكن الدفاع عنه. انتقلت القيمة إلى أماكن أخرى ــ إلى التثبيتات الافتراضية، وواجهة المستخدم، والتكامل مع تطبيقات المراسلة، وما إلى ذلك.

كما تكيفت السياسة الصناعية الصينية. فعلى مدار عقدين من الزمن، تنافست الحكومات المحلية على اجتذاب المصانع، ومقار الشركات، ومراسي سلاسل التوريد من خلال تقديم منح الأراضي، والبنية الأساسية، والحوافز الضريبية. ثم، في أوائل عام 2026، بدأت عدة مقاطعات ومناطق تنمية في طرح حزم إعانات دعم لتبني OpenClaw لا تستهدف الشركات بل المشغلين الأفراد. قدمت مدينة خفي قسائم حوسبة. وذهبت مقاطعة شياوشان في مدينة هانجتشو إلى أبعد من ذلك. وجعلت شينزين من نفسها مركزا للشركات الفردية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. وتبعتها جوانجدونج بإطار عمل إقليمي لريادة الأعمال الفردية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، واتخذت سيتشوان تدابير مماثلة.

ينجح هذا النهج لأن البنية الأساسية المادية موجودة بالفعل. ويستطيع مشغل واحد مزود بجهاز حاسب آلي محمول في شنغهاي أن ينضم إلى سلاسل التوريد في دونجقوان أو سوتشو. الواقع أن الحوسبة المدعومة (قوة المعالجة)، والوكيل المثبت مسبقا، والرسائل المتكاملة، والمدفوعات المدمجة، والوصول المباشر إلى المصنعين، ومقدمي الخدمات اللوجستية، والأسواق جميعها عوامل كافية لتحويل الفرد إلى وحدة إنتاج قابلة للنمو. وتعمل أدوات الذكاء الاصطناعي الوكيلة على تحويل الشركة من الخارج بدلا من إعادة تصميمها من الداخل.

تراهن الولايات المتحدة على الخبرة. يجب جعل الشركات المتدنية المرونة مرنة من الداخل، من خلال فرق مدفوعة الأجر من المهندسين المنتشرين في الخطوط الأمامية الذين يعملون من خلال شركة واحدة في السوق المتوسطة في كل مرة. ولكن في حين أن هذا النهج من الممكن أن يطلق العنان لقدر عظيم من القيمة، فإنه بطيء ويستلزم مقادير ضخمة من رأس المال.

الاستراتيجية الصينية أكثر جذرية. فهي تبدأ من فكرة مفادها أن الشركة ذاتها هي عنق الزجاجة. وبدلا من رفع مرونة الشركات القائمة، تعمل الصين على خفض الحد الأدنى للحجم التنظيمي المطلوب للإنتاج. والنتيجة هي ازدهار الوكلاء المستقلين، والتثبيت الافتراضي، وتكامل التطبيقات الفائقة، وإعانات الدعم العامة، وملايين الشركات المتناهية الصِغَـر التي تعمل بالتوازي.

ليس من المضمون أن يؤتي أي من النهجين ثماره. قد يجد المستشارون الأمريكيون أن التغيير التنظيمي يقاوم التوسع، بصرف النظر عن عدد المهندسين الذين يدمجهم. وقد تدعم الحكومات المحلية الصينية موجة من الأتمتة (التشغيل الآلي) المنخفضة الجودة والمشاريع الفردية المضارِبة التي تنهار وتفشل. وعلى الجانبين، المشكلة الصعبة هي ذاتها: تحويل توفير الوقت على مستوى المهام إلى ناتج اقتصادي قابل للقياس. لقد تجاوزت المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي مرحلة الرقائق الإلكترونية، وسعة مراكز البيانات، وأداء النماذج المتطورة. ما يهم الآن هو البنية الاجتماعية التي يجري من خلالها نشر الذكاء.