بريد القراء

الدقم قوة لوجستية عالمية

 

في خضم التوترات المتصاعدة التي شهدها مضيق هرمز خلال الفترة الأخيرة، برزت الموانئ العمانية كصمام أمان استراتيجي يضمن استمرارية حركة التجارة وسلاسل الإمداد في المنطقة، وفي مقدمتها ميناء الدقم بسلطنة عمان الذي أثبت أن الرؤية عندما تتوافق مع الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية ذات تأثير إقليمي ودولي.


لقد فرضت الأزمة واقعا جديدا تغيرت بعده كثير من الحسابات، وأظهرت بوضوح أن الدول التي تمتلك منافذ بحرية خارج نطاق الاختناقات الجيوسياسية ستكون الأكثر قدرة على حماية اقتصاداتها واستقطاب حركة التجارة العالمية. وهنا تحديدا تتجلى أهمية سلطنة عُمان، الدولة الخليجية التي تمتلك ميزة استراتيجية نادرة تتمثل في إشرافها المباشر على بحر العرب والمحيط الهندي، بعيدا عن التعقيدات الملاحية التي قد تواجهها الممرات الضيقة في أوقات الأزمات.


ميناء الدقم أصبح اليوم نموذجا عمليا لقدرة سلطنة عمان على لعب دور محوري في الأمن اللوجستي الإقليمي. فمع ارتفاع منسوب القلق العالمي بشأن الملاحة في مضيق هرمز؛ تحولت الأنظار سريعا نحو الدقم، حيث بدأ الميناء يستقبل تدفقات متزايدة من السفن والبضائع والحاويات، وكأنها إعلان لبدء مرحلة جديدة من النشاط الاقتصادي والنقل البحري.


والحقيفة التي كشفتها الأزمة بوضوح هي أن الإمكانيات كانت موجودة منذ سنوات، إلا أن استثمارها لم يكن يسير بالسرعة والطموح اللذين يتناسبان مع حجم هذا المشروع الاستراتيجي. فالدقم تمتلك بنية أساسية ضخمة، ومساحات صناعية ولوجستية واعدة، وموقعا بحريا استثنائيا يؤهلها لتكون من أهم المرافئ المحورية في الشرق الأوسط.


ومن هنا، فإن من حق المواطن الطموح الحريص على تطور بلده أن يتساءل: هل ننتظر دائما الأزمات حتى نكتشف قيمة أصولنا ونوظف إمكانياتنا ؟!
النظرة الواقعية لتسلسل الأحداث تجزم أن هناك فرصة تاريخية لإعادة صياغة الدور البحري واللوجستي لسلطنة عمان على مستوى المنطقة. فالعالم اليوم يبحث عن موانئ مستقرة وآمنة ومرنة، قادرة على التعامل مع المتغيرات السياسية دون تعطيل حركة التجارة، وهذه المعايير تتوفر في الموانئ العمانية (صحار، الدقم، صلالة) بصورة تجعلها مؤهلة لتكون ضمن أهم المراكز اللوجستية العالمية خلال السنوات القادمة.


غير أن الوصول إلى هذه المكانة يحتاج إلى مشروع وطني متكامل يقوم على الاستثمار طويل المدى، والتخطيط الاستراتيجي، والقدرة على استباق التحولات الاقتصادية العالمية بالإضافة إلى الإدارة المهنية الفاعلة.
ومن أبرز الآفاق المستقبلية التي ينبغي العمل عليها، تسريع الربط بين الموانئ والمناطق الصناعية والاقتصادية عبر شبكة متطورة من الطرق والسكك الحديدية، بما يحول الموانئ العمانية إلى مراكز عبور وإعادة تصدير متكاملة. كما أن تعزيز الصناعات المرتبطة بالموانئ، مثل الصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية وصيانة السفن والتخزين الاستراتيجي، سيضاعف القيمة الاقتصادية للموانئ ويرفع مساهمتها في الناتج المحلي.


كذلك فإن المنافسة الإقليمية تفرض ضرورة تقديم حوافز استثمارية أكثر جاذبية للشركات العالمية والخطوط الملاحية الكبرى، سواء من خلال تسهيلات جمركية أو مرونة تشريعية، أو تسريع الإجراءات التشغيلية والرقمية، حتى يتم التنافس بجدارة على سرعة الإنجاز وكفاءة الخدمات والتكامل التقني.
ومن المهم في هذا الشأن أيضا أن تستثمر الحكومة في التحول نحو الموانئ الذكية عبر إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي الكامل للخدمات الوجستية بما يرفع الكفاءة التشغيلية ويقلل الزمن والتكاليف. فالمستقبل يتجه نحو موانئ وخدمات لوجستية تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي.


كما أن الموقع الجغرافي لبلادنا يمنحها فرصة فريدة لتكون مركزا عالميا لتخزين وتصدير الطاقة والهيدروجين الأخضر والوقود النظيف في المستقبل، خصوصا في ظل التحولات الدولية نحو الطاقة النظيفة وتقليل الانبعاثات الكربونية. ويمكن لميناء الدقم تحديدا أن يتحول إلى منصة صناعية عالمية في هذا الشأن إذا ما تم استثمار هذه الفرصة مبكرا.
وفي جانب آخر، فإن بناء الكفاءات الوطنية في مجالات النقل البحري وإدارة الموانئ والخدمات اللوجستية يجب أن يكون أولوية وطنية، لأن نجاح أي مشروع استراتيجي مقرون بقدرته على صناعة خبرات وطنية مستدامة تقود هذا القطاع مستقبلا.


ولا شك أن الأحداث الأخيرة في الخليج أثبتت أن الموانئ العُمانية مؤهلة لتكون أدوات سيادية تعزز الأمن الوطني والاقتصادي في آن واحد. ولذلك فإن الحفاظ على الزخم الحالي وتحويله إلى مكتسب دائم يتطلب قرارات جريئة ورؤية بعيدة المدى، تضع سلطنة عمان في موقعها الطبيعي كحلقة وصل عالمية بين الشرق والغرب.
اليوم نقف أمام لحظة تاريخية فارقة؛ لا بد فيها من تسخير كافة الإمكانات والجهود لنحول موانئنا إلى نقطة انطلاق نحو ريادة بحرية ولوجستية حقيقية في الشرق الأوسط، أو أن نبقى نعمل على ردة فعل مؤقتة تفرضها ظروف عابرة. وبين الاحتمالين تبقى الإرادة والتخطيط والإدارة الفاعلة هما الفيصل الحقيقي في صناعة المستقبل.