عمان اليوم

عُمان ملاذ آمن للطيور المهاجرة .. وموئلا يسهم في الحفاظ على التنوع البيولوجي العالمي

 

تتميز سلطنة عمان بأهمية استراتيجية بالغة كملتقى عالمي رئيسي للطيور المهاجرة، حيث تُعد جسراً طبيعياً يربط بين قارات آسيا، وإفريقيا، وأوروبا. تكمن أهميتها في كونها محطة حيوية للتزود بالطاقة والاستراحة، وموئلا شتوياً لأكثر من 400-50 ألف طائر مهاجر سنوياً، مما يسهم في الحفاظ على التنوع البيولوجي العالمي.


قال ناصر بن حمود اليعقوبي مدير إدارة البيئة بمحافظة شمال الباطنة: تقع سلطنة عمان ضمن مسارات هجرة عالمية تمر عبرها مسارات رئيسية لهجرة الطيور، أبرزها مسار 'وسط آسيا - شرق أفريقيا'، وهو ثاني أكبر مسار لهجرة الطيور في العالم. وتُعد منطقة 'بر الحكمان' في محافظة الوسطى واحدة من أهم الأراضي الرطبة على مستوى العالم، حيث تستقبل في فصل الشتاء أكثر من نصف مليون طائر مهاجر ، مشيرا بأن عمان تحظى باهتمام دولي عبر الاتحاد الدولي لصون الطبيعة، لحماية أنواع نادرة من الطيور الجارحة التي تتخذ منها موئلا لها. وتوفر عناصر'الغذاء، الأمان، والهدوء' بعد رحلات طيران طويلة، مما يجعلها نقطة انطلاق أو استراحة لا غنى عنها في دورة حياة ملايين الطيور عالمياً.
من جانبه قال يوسف بن عبدالله النخيلي أخصائي رقابة بيئية في إدارة البيئة بمحافظة شمال الباطنة بمركز البيئة بولاية السويق: يبدأ موسم هجرة الطيور الشتوية في سلطنة عمان عادةً في أكتوبر ويستمر حتى نهاية فبراير من العام التالي. و في البداية تبدأ الطيور في الوصول من أوروبا وآسيا مع انخفاض درجات الحرارة في شهر أكتوبر، حيث تستقبل السلطنة أعداداً كبيرة من الطيور المهاجرة. أما في موسم الذروة، تشهد الفترة ما بين شهر أكتوبر وحتى نهاية فبراير استقبال المحميات الطبيعية والواحات والأخوار العمانية لأكثر من 400 نوع من الطيور المهاجرة. وفي موسم الانتهاء، ينتهي الموسم مع بداية فصل الربيع تقريباً، حيث تغادر معظم الطيور بحلول نهاية شهر فبراير أو أوائل مارس لتعود إلى مواطنها الأصلية.


وذكر النخيلي أن إجمالي أنواع الطيور المسجلة في سلطنة عمان بلغ 535 نوعاً، إذ تمثل الطيور المهاجرة نسبة 80% من الطيور المسجلة أي أكثر من 400 نوع، فيما تمثل 20% الأنواع المقيمة التي تبقى في السلطنة على مدار العام. وتعد محمية الأراضي الرطبة في 'بر الحكمان' بمحافظة الوسطى أهم مواقع الطيور المهاجرة ، حيث يزورها أكثر من نصف مليون طائر خلال فصل الشتاء.
أنواع الطيور المهاجرة
وعدد ناصر اليعقوبي مجموعة من الطيور المهاجرة سنويا، منها الطيور البحرية والساحلية، كالنحام الكبير (الفلامنجو) حيث يزور السواحل العمانية والمناطق الرطبة بكثافة، و زقزاق السرطان الذي يتواجد في البيئات الساحلية. و النورس والخرشنة بأنواعها المختلفة، وتعد جزر الحلانيات من أماكن تكاثرها. و الغاق السقطري الذي شوهد بكثرة في المناطق الساحلية. وقنبرة الماء، وهو طائر مهاجر يزور الشواطئ.
ومن أنواع الطيور الجارحة: صقر الشاهين الذي يعد من أبرز الطيور التي تعبر الأجواء. و الصقر الحر الذي يعبر خلال مواسم الهجرة. و النسر المصري والعقاب النسري، وهي طيور جارحه يمكن رؤيتها في مناطق متعددة.
الطيور البرية والمائية المهاجرة، مثل طائر الحبارى: يعد من الطيور المهاجرة المهمة. و طائر الكركي الذي يعبر في أسراب. و طائر العقعق الذي يعبر في أسراب في موسم الهجرة. والسمان والهدهد، وطائر بلشون المستنقعات الهندي والرمادي، حيث يتواجد في البحيرات، مثل بحيرات الأنصب، و طائر الشقراق الهندي وطائر الوروار.
طائر العقعق
وأشار ناصر اليعقوبي بأنه تم تسجيل طائر العقعق ــ الشقراق المعروف محلياً بـ 'العقعق' أو 'العطّاق' ، وهو من الطيور المهاجرة التي تعبر أراضي السلطنة خلال مواسم الهجرة. وهناك عدة أنواع مسجلة في سلطنة عمان منها: الشقراق الأوروبي ،وهو هو النوع الذي يعبر أراضي السلطنة، بالإضافة إلى الشقراق الهندي، و هو طائر متوسط الحجم من فصيلة الشقراقيات، يتميز بألوانه الزاهية، خاصة اللون الأزرق الفيروزي في أجنحته وذيله، مع وجه وحلق وردي وبني، وهو شائع في جنوب آسيا والشرق الأوسط، ويتغذى على الحشرات والزواحف الصغيرة، ويشتهر بعروضه الجوية البهلوانية أثناء التزاوج.
و أضاف: يُرصد الطائر في سلطنة عمان خلال رحلة هجرته للتشتية في إفريقيا وعودته منها، وغالباً ما يكون ذلك في فصلي الربيع والخريف. و خلال فصل الربيع، بين شهري مارس ومايو، و تقوم الأزواج برحلات بهلوانية وتتدحرج في الهواء للتزاوج، حيث تضع الأنثى بيضها في تجاويف الأشجار.
و يهاجر الطائر هربًا من الظروف المناخية القاسية، ويستفيد من توفر الحشرات والغذاء، وعن أماكن التواجد، يتجمع طائر العقعق ـ الشقراق عادة في المزارع، والمناطق الخضراء، والبرك المائية، ومحطات الصرف الصحي حيث تتوفر الحشرات التي يتغذى عليها ، و يتواجد في مناطق مختلفه وهو طائر مستوطن و مهاجر ينتشر بكثافة في المحافظات الشمالية بسلطنة عمان مثل مسقط وشمال وجنوب الباطنة، و تم رصد تواجده بمحافظة ظفار.
وتحدث اليعقوبي عن أهمية وجود طائر العقعق في البيئة المحلية، وذكر عدة نقاط من أبرزها:التوازن البيئي ومكافحة الآفات؛ إذ يلعب الشقراق دوراً حيوياً كمكافح طبيعي للحشرات الضارة ومفصليات الأرجل والزواحف الصغيرة، مما يساعد المزارعين في التخلص من الآفات التي قد تضر بالمحاصيل.
وأيضا الإثراء البيئي أوالتنوع الأحيائي، حيث قال إنه يمثل وجود هذا الطائر، سواء المقيم (الهندي) في البيئات الزراعية كمنطقة الباطنة، أو المهاجر (الأوروبي) الذي يعبر سلطنة عمان في فصل الربيع، جزءاً لا يتجزأ من التنوع الأحيائي الفريد في السلطنة. وأيضا وجود هذا الطائر دلالة على سلامة البيئة: حيث تجمعه في المزارع والمناطق الخضراء والبرك المائية ومحطات الصرف الصحي يشير إلى توفر الموائل الطبيعية المناسبة، مما يعكس استقرار النظم البيئية.
وأشار إلى أن للطائر أهمية تراثية وثقافية: فهو يشكل جزءاً من الموروث الشفهي والمجتمعي في المناطق الزراعية، وتحديداً في منطقة الباطنة.
مسارات الطيور
وقال ناصر اليعقوبي إنه توجد في سلطنة عمان محميات طبيعية عديدة ومواقع مهمة للطيور، حيث بلغ عددها أكثر من 70 موقعاً، وتستقبل الزوار والمصورين لمراقبة الطيور المهاجرة والمستوطنة، خاصة في مواسم الهجرة (أكتوبر - أبريل). من أبرزها محمية الأراضي الرطبة بـ محوت:و تعتبر مأوى لمئات الآلاف من الطيور المهاجرة. و محمية القرم الطبيعية: التي تقع في محافظة مسقط وتستقطب الزوار لمشاهدة الطيور البحرية والساحلية. أما بحيرات الأنصب فهي موقع ممتاز لمراقبة الطيور ، إضافة إلى محمية جزر الديمانيات التي تستقبل الزوار وتعد محطة تعشيش للطيور البحرية. وهناك مواقع أخرى مثل أخوار ولاية الدقم، الجازر، وشواطئ محافظة ظفار .
وبين يوسف النخيلي إلى أن سلطنة عمان تعد نقطة التقاء حيوية وممراً رئيسياً للطيور المهاجرة بين قارات آسيا، أوروبا، وأفريقيا، حيث تمر بها مئات الأنواع سنوياً. ومن أبرز مسارات ومواقع هجرة الطيور في سلطنة عمان مسار غرب آسيا - شرق أفريقيا، و يعتبر المسار الرئيسي والركيزة الأساسية لهجرة الطيور عبر السلطنة، ويعد ثاني أكبر مسار لهجرة الطيور في العالم. ومسار شرق آسيا – أستراليا التي تسلكه بعض الطيور المهاجرة من القطب الشمالي وآسيا الوسطى، مستخدمة السواحل العمانية كمحطات استراحة وتغذية.
وذكر النخيلي إلى أن الطيور المهاجرة تختار سلطنة عمان كوجهة رئيسية للتوقف، الاستراحة، والتغذية خلال رحلاتها الطويلة، وذلك لعدة أسباب استراتيجية وبيئية تجعل منها ملاذاً آمناً ومثالياً مثل الموقع الجغرافي الاستراتيجي، حيث تقع السلطنة في ملتقى مسارات هجرة حيوية، خاصة مسار شرق إفريقيا ووسط آسيا الذي يعتبر ثاني أكبر مسار في العالم، مما يجعلها نقطة توقف طبيعية بين مناطق التكاثر في الشمال ومناطق التشتية في الجنوب. و تنوع الموائل الطبيعية وغناها بالغذاء، حيث توفر سواحل السلطنة الممتدة، وأخوارها، وجزرها بيئة مثالية غنية بالغذاء والماء، خاصةً للكائنات البحرية والطيور المائية.
اختلاف الطيور
وأفاد يوسف النخيلي بأن الطيور المهاجرة تختلف عن الطيور المقيمة (المستوطنة) في مجموعة من الخصائص الفسيولوجية، التشريحية، والسلوكية التي تمكنها من التكيف مع نمط حياتها. فمن ناحية بنية الأجنحة والجسم، تتميز الطيور المهاجرة عادة بأجنحة أطول، أكثر تدببا، وأقل وزناً لتسهيل الطيران لمسافات طويلة، مقارنة بالطيور المقيمة التي قد تمتلك أجنحة مستديرة وأقصر تناسب الطيران السريع والمناورة في بيئاتها الثابتة. أما من جهة تخزين الطاقة، فقبل الهجرة، تقوم الطيور المهاجرة بتخزين الدهون كمصدر طاقة، حيث تستهلكها خلال رحلاتها الجوية الطويلة التي قد تستمر لأيام دون توقف.
و أضاف: كما يختلف سلوك الهجرة بين الطيور المهاجرة والمقيمة، فتُظهر الطيور المهاجرة نشاطاً غير عادي قبل وقت الهجرة يُعرف بـ 'أرق الطيور'، وهو نشاط حركي ليلي يزداد مع اقتراب موعد السفر.و تهاجر هذه الطيور في أوقات منتظمة ودورية ترتبط بفصول السنة، وتستخدم المجال المغناطيسي للأرض، النجوم، والشمس لتحديد اتجاهاتها بدقة عالية. أما وقت الطيران، فمعظم الطيور المهاجرة لمسافات طويلة تطير ليلاً لتجنب المفترسات وللتغلب على مشاكل الجفاف والحرارة.
ومن جهة الاختلاف في نمط الحياة ذكر النخيلي بأن الطيور المهاجرة تسافر من مكان لآخر بانتظام بحثاً عن الموارد (الغذاء، التعشيش) هرباً من قسوة المناخ، وتعيش في مناطق مختلفة حسب الموسم. أما الطيور المقيمة: تتزاوج، وتضع بيضها، وتربي صغارها في نفس المنطقة طوال العام (مثل النسر الأسمر). وبشكل عام: الطيور المهاجرة مهيأة جسمانياً وسلوكياً للتحمل والسفر، بينما الطيور المقيمة مهيأة للتأقلم الدائم في بيئة واحدة.
تتبع الطيور المهاجرة علميا...
وشرح يوسف النخيلي عملية رصد وتتبع الطيور، مشيرا إلى أنها تتم وفق منظومة علمية متكاملة تجمع بين الأساليب التقليدية والتقنيات الحديثة، بهدف دراسة أنماط هجرتها وسلوكها وتعدادها وتعزيز جهود حمايتها. وأوضح أن من أبرز هذه الوسائل استخدام أجهزة التتبع عبر الأقمار الصناعية التي تُثبت على الطيور لتحديد مساراتها بدقة، إلى جانب أجهزة الاستشعار البيئي التي تقيس تأثيرات المناخ، فضلاً عن الكاميرات المصغرة ومسجلات الصوت لرصد السلوك، ورادارات الطقس لمتابعة الهجرة خاصة خلال الليل، كما أشار إلى تقنية “التحجيل” بوضع حلقات تعريفية في أرجل الطيور لدراسة تحركاتها ومعدلات بقائها، إضافة إلى أساليب الرصد الميداني والإحصائي التي تعتمد على تتبع الطيور في مسارات محددة لتقدير كثافتها.
ولفت إلى دور “علم المواطن” من خلال تطبيقات مثل eBird التي تتيح لهواة مراقبة الطيور المساهمة ببيانات ميدانية قيّمة، إلى جانب المراقبة البصرية التي تتم عن طريق استخدام المناظير والتلسكوبات لرصد الطيور، بالإضافة إلى الكاميرات الذكية وكاميرات الويب. .
التحديات
وذكر ناصر اليعقوبي أن أبرز التهديدات التي تواجه الطيور المهاجرة أثناء العبور من موطن لآخر وهي فقدان وتدهور الموائل؛ فتدمير الأراضي الرطبة والغابات التي تستخدمها الطيور للاستراحة والتزود بالطعام يؤدي إلى إرهاقها وموتها جوعاً إضافة إلى التلوث الضوئي والاصطدامات والتغير المناخي والظواهر الجوية مثل الرياح العنيفة، العواصف، والحرارة المرتفعة، بالإضافة إلى عدم تطابق مواعيد هجرتها مع توفر الغذاء بسبب تغير المناخ. والصيد غير القانوني والجائر في بعض المناطق، .
الجهود المبذولة
وقال اليعقوبي إن سلطنة عمان التي تبذل جهودا مكثفة لحماية الطيور المهاجرة وموائلها، نظراً لدورها الحيوي في التوازن البيئي ونشر البذور ومكافحة الحشرات. وتتنوع هذه الجهود بين إنشاء وإدارة المحميات الطبيعية، حيث توفر الحدائق الوطنية ومحميات الحياة البرية ملاذًا آمنًا للأنواع المهددة بالانقراض، مما يتيح لها التكاثر والراحة دون تدخل بشري. و حماية مواقع التوقف: حيث يتم التركيز على حماية شبكة من مواقع التوقف من حدائق المدن إلى الغابات الشاسعة التي تحتاجها الطيور للراحة والتغذية خلال رحلاتها الطويلة. و كذلك الاتفاقيات الدولية؛ حيث تعتبر 'اتفاقية صون الأنواع المهاجرة من الحيوانات البرية' (CMS أو اتفاقية بون) جهداً دولياً رئيسياً للحفاظ على الطيور عبر مسارات هجرتها. بالإضافة إلى التشريعات الوطنية: حيث ق سلطنة عمان، بوضع خطط وطنية وقوانين لمنع الإضرار بالموائل الطبيعية وحماية الحياة الفطرية، إضافة إلى خطط عمل لحماية الطيور الجارحة من التسمم والتصادم.
وذكر اليعقوبي بأن أدوار المجتمع الفعالة في صون الطيور المهاجرة تتمثل في حماية الموائل الطبيعية، وذلك بالحفاظ على الأراضي الرطبة، والسواحل، والمناطق التي تتوقف فيها الطيور للراحة والتزود بالطاقة. و المساهمة في رصد أنواع الطيور وأعدادها، والإبلاغ عن وجود حلقات تعريفية على أرجلها، وإرسال هذه الملاحظات إلى منصات عالمية مثل eBird. ونشر الوعي بأهمية الطيور المهاجرة ودورها في التوازن البيئي، والاحتفال باليوم العالمي للطيور المهاجرة الذي يصادف العاشر من مايو كل عام. بالإضافة إلى محاربة الصيد الجائر، والتبليغ عن أنشطة الصيد غير القانوني والالتزام بالقوانين البيئية. وتقليل التلوث الضوئي: الحد من الإضاءة الاصطناعية المفرطة ليلاً التي تؤدي ارتباك الطيور المهاجرة، وضرورة دعم المبادرات البيئية بالمشاركة في حملات تنظيف الشواطئ والمناطق الطبيعية، ودعم مشاريع التشجير وزيادة المساحات الخضراء. وتبني سلوكيات مستدامة تحافظ على البيئة، باعتبار أن حماية الطيور هي حماية لمستقبل البشرية والأنظمة الإيكولوجية.