مشاهد العنف تلوث عقول الأطفال والرقابة الأسرية الواعية ضرورة
الخميس / 26 / ذو القعدة / 1447 هـ - 08:00 - الخميس 14 مايو 2026 08:00
هل يمكن لمشهد عنيف أن يُعيد تشكيل عقل الطفل، ويغيّر نظرته إلى العالم؟
هذا السؤال المحوري بات يفرض نفسه في زمن تتدفق فيه المحتويات البصرية والألعاب التفاعلية إلى حياة الأطفال بلا حسيب ولا رقيب.
تقول الدكتورة تماضر المحروقي طبيبة في الطب السلوكي والصحة النفسية بمستشفى جامعة السلطان قابوس: إن تعرّض الأطفال لمشاهد العنف قد يؤدي إلى تلوث عقول الأطفال وارتفاع مستويات الخوف والاستثارة العصبية، ويزيد يقظتهم وقلقهم، ومع تكرار التعرض قد تظهر تأثيرات سلوكية ملموسة تشمل العدوانية، وتقليد السلوكيات العنيفة، وضعف التعاطف، واضطرابات النوم. وتشير الأبحاث العلمية إلى أن تعرّض الأطفال للعنف الإعلامي يرتبط بزيادة السلوك العدواني، والتبلد العاطفي تجاه العنف، وظهور الكوابيس، والخوف من التعرض للأذى.
وأضافت: إن سماع العنف قد يثير القلق، إلا أن رؤيته تكون أكثر تأثيرا؛ لما تجمعه من صورة وصوت وحركة وتعابير الألم أو الخوف؛ إذ تُختزن الصورة العنيفة في ذاكرة الطفل بشكل أكثر حدة، وقد تعود لاحقا على هيئة كوابيس أو صور ذهنية مزعجة.وحول الفئات العمرية الأكثر تأثرا أفادت المحروقية أن الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة والمراحل الابتدائية المبكرة هم الأكثر حساسية؛ نظرا لعدم اكتمال قدرتهم على التمييز بين الواقع والخيال، أما المراهقون فيتأثرون بطريقة مختلفة قد تتمثل في تطبيع العنف أو تقليد أنماط القوة والسيطرة التي يشاهدونها.
وبخصوص عبارة «تلوث عقول الأطفال» فرغم أنها تحمل طابعا مجازيا، إلا أنها تعبّر عن آثار يمكن ملاحظتها سلوكيا ونفسيا، والمقصود بها أن المحتوى العنيف قد يُغيّر نظرة الطفل للعالم، فيراه مكانا أكثر تهديدا، أو قد يبدأ في اعتبار العنف وسيلة مقبولة لحل النزاعات، ويمكن تقييم هذه التأثيرات عبر التقييم الإكلينيكي وملاحظة التغيرات السلوكية والانفعالية، كزيادة العدوانية والخوف واضطراب النوم وتراجع التعاطف أو الانسحاب الاجتماعي.وحول العلامات التحذيرية التي قد تنذر بتأثر الطفل بمحتوى عنيف، أوضحت الدكتورة تماضر أن أبرزها يتمثل في الكوابيس والخوف المفرط والبكاء دون سبب واضح والعزلة الاجتماعية والتعلق الزائد بالوالدين، والسلوك العدواني وتقليد المشاهد العنيفة أثناء اللعب وتراجع التحصيل الدراسي واضطراب النوم وفقدان الشهية أو تجنب أماكن وأشخاص يذكرونه بالمشهد الصادم، كما أن التعرض المتكرر للعنف قد يؤدي إلى تطبيع السلوك العدواني لدى الطفل، أو ما يُعرف بـ«التبلد تجاه العنف»، أي أن يصبح الطفل أقل انزعاجا من المشاهد المؤذية وأكثر تقبلا لها، وقد يتعلم بالملاحظة والتكرار أن العنف وسيلة لحل المشكلات أو فرض السيطرة.
وبخصوص ألعاب الفيديو العنيفة، واستفسارنا حول ما إذا كان تأثيرها مماثلا للمحتوى المرئي أم يختلف آليا أجابت بقولها: إن ألعاب الفيديو العنيفة تختلف جوهريا؛ لأنها تضع الطفل في دور المتفاعل لا المشاهد فقط؛ فهو من يختار ويكرر، ويتلقى المكافأة داخل اللعبة على أفعاله العنيفة، وبناء عليه قد يكون أثرها أكثر رسوخا؛ إذ يعتمد على التعلم بالممارسة والتعزيز المباشر.
وتشير جمعية علم النفس الأمريكية إلى وجود ارتباط موثق بين ألعاب الفيديو العنيفة، وزيادة السلوك العدواني.وأشارت الدكتورة إلى أن التعرض للعنف، خاصة إذا كان شديدا أو متكررا أو قريبا من واقع الطفل قد يُسهم في ظهور أعراض كالقلق والاكتئاب، واضطراب النوم، أو مظاهر شبيهة باضطراب ما بعد الصدمة. ويتضاعف الخطر إذا كان الطفل قد تعرّض سابقا لعنف حقيقي، أو كان يعيش في بيئة غير آمنة؛ إذ قد يؤدي ذلك إلى ترسيخ الشعور بالتهديد والخوف المستمر.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن العنف ضد الأطفال يرتبط بعواقب صحية ونفسية متعددة الأوجه، وأن الوقاية منه ممكنة من خلال التوعية وتوفير الحماية، والتدخل المبكر.الرقابة الأسريةأوضحت الدكتورة تماضر المحروقي في حديثها أن الرقابة الأبوية تمثل ضرورة ملحّة، إلا أنها لا تعني المنع العشوائي المجرد؛ إذ يشمل دور الأسرة: اختيار المحتوى الملائم للعمر، وتحديد وقت التعرض للشاشات، واستخدام أدوات الرقابة التقنية، ومشاهدة بعض المشاهد مع الطفل مؤكدة أن الأهم هو قيام الرقابة على أسس من الحوار والشرح، لا على التخويف أو العقاب وحدهما.
وأضافت: يمكن للوالدين تحويل الموقف إلى فرصة للتعلّم النفسي من خلال حوار هادئ مع الطفل بسؤاله: ماذا رأيت؟ بماذا شعرت عند مشاهدتك لذلك؟ هل تعتقد أن هذا التصرف صحيح؟ ماذا يمكن أن يحدث بدلا من العنف؟ وبهذه الطريقة يتعلم الطفل تسمية مشاعره، والتمييز بين الخيال والواقع، وفهم بدائل حل النزاعات بطريقة آمنة وغير مؤذية.العقاب المباشروحول ما إذا كان العقاب المباشر للطفل مفيدا أم قد يزيد خوفه وارتباكه تؤكد المحروقية أن العقاب المباشر غالبا لا يكون مفيدا، خصوصا إذا كان الطفل قد شاهد المحتوى عن طريق الخطأ أو بدافع الفضول، والأفضل اتباع أسلوب الهدوء، واحتواء الطفل، ووضع حدود واضحة؛ فالعقاب القاسي قد يزيد الخوف أو يدفع الطفل إلى المشاهدة سرا بدلا من طلب المساعدة.
حالات تستدعي التدخلويُنصح بطلب المساعدة المتخصصة إذا استمرت الأعراض لأكثر من عدة أسابيع، أو أثرت في نوم الطفل وأدائه الوظيفي اليومي، كالدراسة والعلاقات الاجتماعية والسلوك العام. ولا ينبغي ترك الأمر للوقت وحده إذا ظهرت علامات مقلقة، منها: كوابيس شديدة ونوبات هلع وعدوانية متكررة، وانسحاب واضح، وتبول غير إرادي، وأفكار لإيذاء النفس أو خوف مستمر لا يتحسن رغم دعم الأسرة وطمأنتها.اضطراب السلوكواختتمت الدكتورة تماضر حديثها قائلة: في بعض الحالات قد يبدأ الطفل بعد التعرض المتكرر لمشاهد العنف في تقليد ما يراه، فيتعامل مع الضرب أو التهديد أو السخرية كوسائل يومية للتواصل أو لفرض السيطرة أو حل الخلافات.
ومع الوقت قد تظهر سلوكيات مقلقة، كالاعتداء على الأطفال الآخرين أو تخريب الممتلكات أو الكذب المتكرر أو ضعف الشعور بالذنب بعد إيذاء الآخرين، وعندما تصبح هذه السلوكيات متكررة وشديدة ومؤثرة في حياة الطفل والآخرين، فقد تدخل ضمن ما يُعرف بـ«اضطراب السلوك»، ولا ينتج هذا الاضطراب عادة عن عامل واحد فقط؛ إذ قد تكون له عوامل بيولوجية وجينية واستعدادية، إلا أن البيئة تؤدي دورا محوريا في زيادة هذا الخطر أو الحد منه، فأساليب التنشئة القاسية أو غير المتسقة والتعرض للعنف داخل المنزل أو خارجه ومشاهدة المحتوى العنيف بشكل متكرر، قد تعزز السلوك العدواني لدى الطفل، خصوصا إذا لم يجد تفسيرا مناسبا أو توجيها أو حدودا واضحة من الأسرة.
مضيفة: لا تكمن خطورة مشاهد العنف فقط في آثارها النفسية المباشرة على الطفل، بل في احتمال أن تصبح جزءا من طريقته في فهم العلاقات والقوة وحل النزاعات، بما قد يُحدث تبعات خطيرة على الطفل ومحيطه والمجتمع، وهنا تصبح الرقابة الأسرية والحوار والتدخل المبكر عوامل وقائية جوهرية لمنع تحوّل التقليد المؤقت إلى نمط سلوكي مستدام يؤذي الطفل ومن حوله.