جسر لم يبلغ الضفة الأخرى
الأربعاء / 25 / ذو القعدة / 1447 هـ - 21:12 - الأربعاء 13 مايو 2026 21:12
بينما نحتفل سنويا بتخرج أبنائنا من الجامعات والبعثات في شتى التخصصات، يبادرني في تلك اللحظات الوطنية النابضة بالأمل تساؤل لا يقل أهمية عن الحدث ذاته؛ كيف نقيس بالأرقام العائد من هذا الاستثمار الممتد لقرابة عقدين في التعليم والمعرفة؟
ومن حولنا نماذج تستحق الإشادة، من مشاريع ومبادرات وخدمات جديدة، لكن الأرقام تدعو للتأمل. فوفقا لمؤشر الابتكار العالمي الصادر سنويا عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية، تقدمت عمان للمرتبة التاسعة والستين عالميا لتحتل المركز الخامس والخمسين في مدخلات مؤشر الابتكار، لكن في مخرجاته جاءت عمان في المركز التاسع والثمانين. هذه المفارقة تقول بوضوح: العائد التكنولوجي والإبداعي لا يزال بحاجة لتعزيز ليعكس الوجه المضيء للاستثمار في البنية الأساسية والمؤسسية ورأس المال البشري. بعبارة أخرى، مؤشر الابتكار العالمي يقول لنا: عُمان تستثمر بشكل جيد نسبيا في الابتكار، لكن العائد على هذا الاستثمار لا يزال لا يتناسب مع حجم الاستثمار.
وهنا تمِض فكرة أخرى؛ فقبل البحث عن موطئ قدم أعلى في المؤشرات، علينا أن نحرر مفهوم الابتكار من هالته النخبوية التي أسرته خلف جدران المختبرات. ليصبح ابتكارا مفتوحا عابرا للتخصصات، وممارسة جماعية، لا شعارا معزولا. فالابتكار لا يعني بالضرورة أن نخترع ما لم يوجد من قبل. الابتكار، في أبسط صوره، هو تحويل المعرفة المتاحة إلى قيمة تصنع ونفعا يتجاوز حدود الشهادة والكتاب ليصنع أثرا يقاس.
فعلى سبيل المثال عندما يأخذ صياد بيانات الأمواج والتيارات ويحولها إلى تطبيق يوجه أسطوله، فهذا ابتكار. وحين تعيد شركة صغيرة تصميم عبوات التمور لتناسب أسواق التصدير فتتضاعف قيمتها، فهذا ابتكار أيضا. فالمسألة لا تقتصر على علماء في مختبرات فقط، بل بقدرة أي فكرة أن تشق طريقها من العقل إلى القيمة والأثر. لتظهر في صورة منتج أو خدمة أو حل لمشكلة ما.
ثم تأملت الابتكار، ما بين التصنيف العالمي واتساع مفهومه، فإذا بتساؤل بديهي يقطع تسلسل أفكاري؛ كيف لمؤشر عالمي أن يقيس احتياجات دول ومجتمعات يتباين واقعها وأولوياتها؟ بمعنى أن ابتكارا يطور الأفلاج العمانية ويرفع من كفاءتها واستدامتها، قد يحمل لنا قيمة استراتيجية، بينما قد يظل أثره خارج محل الاعتبار والتقدير في دول لا تعرف نظام الأفلاج. وهنا يتجلى التحدي؛ كيف نوازن بين مقاييس عالمية، وبين ابتكارات محلية يقدرها المجتمع وتحمل خصوصية إنسانه؟ وعن هذه النقطة، يبرز تحد آخر، ألا وهو أدوات قياس لمعرفة درجة الجاهزية للفكرة الابتكارية لتصل للسوق وتتحول لقيمة وأثر يلامس حياة المواطن.
وبحسب أدبيات الابتكار، فإن رحلة المعرفة من المختبر إلى السوق ليست خطا مستقيما. بل هي مسار متدرج، يمر بتسع بمحطات متتابعة تكشف درجة نضج الفكرة وقابليتها للانتقال إلى التطبيق. وقد صاغت وكالة ناسا هذا المسار في إطار منهجي دقيق، عُرف باسم مستويات الجاهزية التكنولوجية. تبدأ هذه المستويات بالملاحظة العلمية الأولى وتنتهي بمنتج نهائي قابل للتطبيق التجاري. تتبنى الجامعات والحكومات المراحل المبكرة؛ المستويات الثلاثة الأولى (١-٣) عبر البحث النظري والنماذج الأولية. ويتولى القطاع الخاص المراحل النهائية؛ المستويين الأخيرين من الجاهزية (٨-٩) المتعلقين بالإنتاج والتسويق. أما المراحل الوسطى من الجاهزية، المستويات (٤-٧) فلا توجد لها جهة راعية واضحة. هذه الفجوة المؤسسية تُعرف في أدبيات الابتكار بـ«وادي الموت»، حيث تتوقف العديد من الأفكار عند حدود البحث الأكاديمي دون أن تجد التمويل أو الآليات اللازمة للتحول إلى تطبيقات عملية. إن خطورة هذه الفجوة لا تكمن في ضعف الفكرة العلمية، بل في عدم نقلها من مرحلة البحث إلى السوق. إن كل بحث علمي يتوقف عند حدود النشر، وكل نموذج أولي يتقادم لأنه لم يجد من يجازف بتحمل المخاطرة لتحويله لمنتج يمثل تحدي يمكن تفاديه بتشييد جسر مؤسسي لاجتياز «وادي الموت».
وتشييد ذلك الجسر يتطلب منظومة فيها تتكامل أدوار القطاع الحكومي والقطاع البحثي والقطاع الخاص. تناط بالمنظومة ثلاثة أمور؛ أولها تحديد الأولويات الوطنية للابتكار. ثانيا، وضع تشريعات تنظم الملكية الفكرية بين القطاع البحثي والسوق. ثالثا، بناء المنظومة لصندوق لنقل وترجمة الابتكار. يعمل هذا الصندوق (وفق الأولويات الوطنية) على الاستثمار في تمويل «عبور الابتكارات» لوادي الموت، أي تمويل المستويات (٤-٧) من الجاهزية التقنية. واستدامة الصندوق مرتبطة بقدرته على التخارج. بمعنى أن يبيع المنتج الابتكاري بعد نقله وترجمته، فيدور رأس المال ويموّل ابتكارات جديدة. دون هذه القدرة يتحول الصندوق إلى صندوق هبات، وينتهي بنا إلى وادٍ آخر يعج بمنتجات لا يستقبلها السوق. إن فعالية هذه المنظومة تكمن في تحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية، وتجاوز «وادي الموت»، الفجوة بين البحث والسوق.
ومن منظومة نقل الابتكار، ننتقل للمجتمع، وهو مستفيد وداعم للابتكار في آن واحد. حين يصبح التفكير العلمي ممارسة حياتية. تخيلوا شابًا يعمل في تنظيف مدرسة، مهمته جمع النفايات، لكن عقله لم يتوقف عند حدود وظيفته؛ فمعرفته بإعادة التدوير جعلته يرى في القمامة فرصة لدخل إضافي، فبدأ بفرز الورق والبلاستيك والمعادن. ثم قادته ملاحظاته إلى ما هو أبعد: لاحظ تزايد علب مشروبات الطاقة مع اقتراب الامتحانات. وربطها بحالات صحية بين الطلاب، وصلت لوفاة أحدهم. لم تكن لديه دراسة منشورة، لكنه امتلك حدسا علميا كافيا ليبلغ الإدارة، فتنطلق حملة توعية ضد تلك المشروبات. وفي هذه القصة مثالان للممارسة العلمية العفوية؛ عقل يرى الفرصة في النفايات، وعقل يرى المسؤولية في الفرصة. إن أحدا لم يكلف الشاب بأي من الدورين، لكن حدسه العلمي قاده إلى كليهما. القصة تختصر جوهر المواطنة العلمية: أن يصبح شخص عادي مراقبا، يسهم في فهم مشكلة أو اكتشاف فرصة. فالابتكار لا يبدأ دائمًا في المختبر، بل يحتاج لرفع الوعي العلمي بأبسط صوره، ليصبح ممارسة مجتمعية.
لا يقتصر تجسير الفجوة بين البحث والسوق على تكامل أدوار المشرع والباحث والسوق. ولكن ثمة طرف رابع لا يقل أهمية؛ نحن المجتمع. ثقافتنا تجاه الفشل وتبنينا للحل المحلي وريادة الأعمال. كل ذلك يصنع بيئة فيها تزهر الأفكار أو تذبل. فالابتكار ليس مشروع جهة واحدة، وهو ليس غاية في حد ذاته، بل هو رافعة، وقودها مجتمع إنسانه مبدع، تقودنا نحو اقتصاد المعرفة.
دعوة للتفاؤل... نحن لا نبدأ من الصفر. فالبذور حُرثت؛ هيئة البحث العلمي والابتكار والجامعات وريادة والقطاع الخاص والبنى الأساسية. لكن البذور وحدها لا تصنع حصادا، تحتاج جسرا يقيمه قلب يغامر للضفة الأخرى. وفي لقاءاتنا القادمة سنعبر القارات لنستشرف ما يعزز رحلتنا صوب الاقتصاد المعرفي.
د. ماجدة بنت طالب الهنائي باحثة وأكاديمية عمانية