أفكار وآراء

أدركنا يا حلف الناتو.. ليس لدى ترامب استراتيجية لإيران

ترجمة: أحمد شافعي

أعزائي أعضاء حلف الناتو: فهمت الأمر. أنتم تمقتون ترامب لأسباب وجيهة. فقد تخلى عن أوكرانيا. وهدد بالاستيلاء على جرينلاند وضم كندا. وتساهل كثيرا مع فلاديمير بوتين. وينال من الديمقراطية الأمريكية في مؤسساتها وأعرافها. وأهان كل عضو منكم إهانة بالغة حتى جعل المستشار الألماني يرد له أخيرا الصاع صاعين قائلا إن أمريكا الترامبية «ذاقت الذل» على يد إيران. أفهم هذا.

والآن تجاوزوا الأمر.

اجمعوا قواتكم البحرية جميعا واتجهوا إلى الخليج العربي فورا للانضمام إلى الأسطول الأمريكي لتوضحوا لإيران أنها لن تكون يوما التي تقرر من الذي يعبر مضيق هرمز ومن الذي لا يعبره. وأنها إن أصرت على محاولة ذلك، فلن تكون في مواجهة أمريكا وإسرائيل وحدهما، وإنما الحلف الغربي كله.

بقاؤكم على الهامش وترككم نظام إيران يتخذ مضيق هرمز رهينة ـ وكذلك دول الخليج المشاطئة له والماضية في طريق التحديث ـ سيجعلان أهم شريان حياة نفطي في العالم مزعزع الاستقرار على الدوام. وما هذا بالأمر الهين بالنسبة لأوروبا، شديدة الاعتماد على غاز الخليج في التدفئة وتشغيل اقتصاداتها، ما لم تكونوا راغبين في الرجوع إلى الاعتماد على روسيا.

أعرف أن ما أطلبه منكم عظيم الشأن، وأنه كان ليسهل عليكم كثيرا لو تحلى ترامب أو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالنزاهة واعتذرا عن بدء هذه الحرب بدون استشارة الناتو، وبدون استراتيجية للصباح التالي إن لم تجر الأمور وفقا للخطط وبدون حتى ورقة توت من الشرعية الدولية متمثلة في الأمم المتحدة.

من أسف أن هذين النرجسيين الطائشين، البعيدين كل البعد عما يحسبانه في نفسيهما من ذكاء، قد باتا الآن في مأزق عسير. ومن سوء الحظ أننا جميعا معهما في المأزق نفسه.

فالوضع الذي تسببا فيه سيئ حقا. والأدهى أنه يصعب تصور نهاية لهذه الحرب باتفاقية سلام لا تمنح نظام إيران الإسلامي فرصة حياة جديدة. فأي اتفاقية من شأنها أن تطالب إيران بتسليم ما لديها من اليورانيوم المخصب ـ وتضع حدودا للتخصيب في المستقبل ـ ستفرض على ترامب أيضا أن يمنح طهران المال برفع العقوبات.

وآخر ما يجب أن نرغب فيه هو أن تتضمن التنازلات أي حق خاص لإيران في إنشاء نقطة تفتيش تبتز بها السفن الراغبة في عبور مضيق هرمز. وهذا تحديدا ما يصبو إليه الإيرانيون.

وفقا لشركة (لويدز ليست إنتليجنس) التي تراقب الشحن العالمي، أنشأت طهران بالفعل هيئة جديدة أطلقت عليها (هيئة مضيق الخليج الفارسي)، وإيران من خلال هذه الهيئة «تجعل نفسها السلطة الشرعية الوحيدة للسماح للسفن بالمرور في المضيق» حسبما قالت الشركة مضيفة أن الهيئة الإيرانية الجديدة وجهت إليها عبر البريد إلكتروني استمارة للسفن الراغبة في العبور للموافقة على عبورها وتحصيل الرسوم من كل سفينة تمر في المضيق.

فلو أصبح هذا، أو أي شيء قريب منه، هو الوضع الطبيعي الجديد للمرور في مضيق هرمز، فمن يدري أي البلاد الأخرى سيضع نقاط تفتيش في المسارات البحرية المهمة المقابلة لسواحله؟

لا يستحق ترامب وبيبي هذا الدعم الكريم من الناتو، حتى لو أن مستقبل هرمز يؤثر تأثيرا مباشرا على كل بلد من أعضاء الحلف. وهو ما يفضي بي إلى النتيجة المؤسفة: وهي أن حلفاءنا في الناتو على الأرجح سوف يرفضون هذا الطلب.

قد يكون الضروري الآن مستحيلا. لقد دأب ترامب على إهانة الناتو، وتقويض ردعه أمام روسيا، وأطلق حرب إيران دونما أدنى مشاورة ولم يبال مطلقا بالآثار التضخمية المدمرة وبنقص الطاقة من جراء الحرب على أعضاء الناتو بحيث أن شعوب هذه البلاد قد لا تسمح لقادتها بمد يد العون لنا.

ويزداد رجحان هذا الموقف في الوقت الذي يبدو فيه ترامب كل يوم أشد اختلالا من سابقه، فمن ذا الذي يريد أن يقف بجانبه الآن، إلا ماسحو الجوخ في إدارته وحزبه؟

في منشور على موقع (تروث سوشيال) يوم الأحد، ندد ترامب برد «ممثلي إيران المزعومين» على مقترح السلام ورآه «غير مقبول جملة وتفصيلا». ولو أنهم «ممثلون مزعومون» يا ترامب، فلماذا تتفاوض معهم منذ أسابيع، وأي جدوى لرد إيجابي منهم؟ ولعلهم «مزعومون» لأنك أنت ونتنياهو قتلتما «المزعومين» الأعلى منهم مقاما، والذين ربما كانوا ليمتلكوا من السلطة ما يخول لهم إبرام اتفاقية جادة. فلقد ظننتما أن النظام سيسقط، فإذا بكما تقويانه بدلا من ذلك.

ولا عجب أن وصف ترامب قادة إيران الجدد بـ «المجانين». فهل استغرقت كل ذلك الوقت لكي تكتشف هذا أيها الرئيس؟ ألم تكن تعلم أن من أشهر أقوال آية الله الخميني أن الإيرانيين لم يطيحوا بالشاه محمد رضا بهلوي سنة 1979 «ليحصلوا على البطيخ بسعر أرخص»؟

ترامب على يقين من أن الجميع فاسدون لأن كثيرا للغاية من المحيطين به يبدون كذلك، إما ماليا أو أخلاقيا، فلا يستطيع أن يستوعب رفض البابا أو آية الله مباركة إرادته. فيقول إنهما لا بد أن يكونا مصابين بالجنون. وليس الأمر كذلك. فكل ما هنالك هو أنهما مخلصان لما يؤمنان به.

وليس حلفاؤنا في الناتو هم فقط الذين يثيرون قلقي. ولكن حلفاؤنا في الخليج العربي أيضا الذين قد يكونون أكبر الخاسرين في هذه الحرب.

هناك نموذجان مهيمنان يتصارعان اليوم على مستقبل الشرق الأوسط. فـ «الخيار القائم اليوم هو الخيار بين الضاحية أو دبي» بحسب ما قال لي نديم قطيش الكاتب والخبير الاستراتيجي اللبناني الإماراتي.

و(الضاحية) هو اسم المنطقة الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية من بيروت، وهي معقل لحزب الله المدعوم من إيران، والساعي إلى أن يفرض على لبنان نفس الأصولية الإسلامية المعادية للديمقراطية والحداثة والتعددية التي يفرضها النظام الإيراني في إيران. ويحاول الإيرانيون أن يفعلوا مثل ذلك في العراق واليمن بعد الفشل في عمله في سوريا. ومثلما قال قطيش فإن من شأن أي رؤية تقارب الضاحية «أن تكون موتا للبلد...إذ تحيله إلى نسخة رديئة من إيران». ولقد استحدثت الإمارات العربية المتحدة نموذجا مختلفا، نشأ في الأصل حول مدينة وميناء دبي. ذهب هذا النموذج إلى أن المستقبل إنما هو للحكومات التي تنتج أنظمة بيروقراطية غير فاسدة، ومسئولة، وداعمة للإسلام المعتدل، وللتعددية الدينية وللانفتاح على العالم وعلى كل راغب في المجيء بمواهبه. وعلى مدى العقود القليلة الماضية، ومن شتى أرجاء العالم العربي وما وراءه، توافد الناس على دبي طلبا للوظائف والسياحة والفرص. ونجح النموذج.

وليس الإماراتيون والساعون إلى التحديث من السعوديين والبحرينيين والكويتيين والقطريين بالخالين تماما من العيوب. فهم يرتكبون أخطاء جسيمة في بعض الأحيان. لكن مقارنة بأسلافهم وبآخرين في المنطقة، فإن هذا الجيل الجديد من زعماء الخليج يطرح نموذجا للحداثة يثير الحسد ويحفز على التقليد في شتى أرجاء العالم العربي.

كانت هذه الحرب وبالا عليهم، إذ أفزعت المستثمرين الأجانب فأبعدتهم، وكذلك السياح والموهوبين، وحملتهم ثقل مستقبل فيه تكاليف دفاعية هائلة لردع إيران بعد ذهاب الولايات المتحدة. فسوف تنصرف كل هذه الأموال عن التنمية الاقتصادية. وبرغم وجود اتفاقية وقف إطلاق نار بين الولايات المتحدة وإيران، يتردد أن إيران تضرب الإمارات بالصواريخ والمسيرات، ولكن إيران تنكر.

قالت لي مينا آل عريبي رئيسة تحرير جريدة ذي ناشونال الإماراتية اليومية التي تصدر بالإنجليزية من أبو ظبي «لو أنك شاب في العالم العربي، لرأيت في الإمارات العربية المتحدة بلدا يحترم سيادة القانون، عمل بجد من أجل اجتناب هذه الحرب، وفتح أبوابه لكل راغب في الازدهار، بمن فيهم الإيرانيون أنفسهم» وأضافت أن «هناك مستشفى ذا إدارة إيرانية، ومدرسة للجالية الإيرانية، وناديا للجالية الإيرانية» وفي الوقت نفسه، وعلى امتداد الشارع في دبي نفسها «يقيم إسرائيليون حفلات زفاف».

وأضفت مينا آل عريبي أنه «إذا تضرر ذلك النموذج دون أن يبالي أحد بهذا، وإذا بدأ جنوب العالم بالذات ينظر إلى إيران باعتبارها البلد الوحيد الذي وقف لترامب ونتنياهو وحاسبهما على دمار غزة، ستكون مأساة تجهز على المنطقة كلها».

لذلك أنتهي بما بدأت به. إنني أفهم لماذا يريد حلفاؤنا في الناتو أن يشاهدوا ترامب ونتنياهو وهما يجنيان ثمار ما زرعاه. ولكن هذين القائدين السيئين ما زرعا غير بذور الخراب وكلنا سوف نجني ثمار ذلك إذا ما خرجت إيران من الحرب وقد باتت أقوى.