المواطن بين فرحة «العيد» وغلاء الأسعار
الأربعاء / 25 / ذو القعدة / 1447 هـ - 20:40 - الأربعاء 13 مايو 2026 20:40
«كلما مرّت أزمة عابرة، تحسّس المواطن جيبه»، هذا هو لسان حال المجتمع أمام موجة الغلاء الجديدة، غلاء لا يطال السلع الإنتاجية أو الكمالية فحسب، بل يصل إلى السلع الاستهلاكية والغذائية والضرورية، ويؤثر تأثيرا مباشرا على المستهلك، ويضعه في مواجهة صادمة مع متطلبات المعيشة التي تستنزف جيبه، وتأكل دخله المتوسط، خاصة ونحن أمام أبواب عيد الأضحى المبارك، الذي يضاعف من أزمة المستهلكين أمام أسعار اللحوم، التي ارتفعت بشكل مفاجئ وغير مسبوق، لم نلحظه منذ سنوات طويلة، وهو ما يشكل تحديا صعبا أمام المواطن، ويضاعف من معاناته اليومية، ويجعله أمام مأزق مالي لا يُحسد عليه.
وفي الجانب الآخر، ارتفعت أسعار الدواجن -المبردة خصوصا- دون مبرر واضح، رغم وجود مزارع الإنتاج العديدة في البلاد، ووفرة المنتج، كما طال الارتفاع أسعار الخضروات والفواكه، مما يشكّل ضغطا كبيرا على ميزانية الأسر، وعبئا ثقيلا على تفضيلاتهم الاستهلاكية، وهذا ما يحوّل هذه الأزمة إلى أزمة مجتمعية عامة، تستدعي تدخلا حازما وحاسما من الجهات الرقابية، وخاصة (هيئة حماية المستهلك)، التي عليها مهمة حساسة ودقيقة في التعاطي مع هذه الأزمة، وكبح جماح هذا الارتفاع الذي طال سلعا يفترض أن تكون متاحة للمستهلكين بشكل معقول، خاصة مع وفرة إنتاج عدد منها، مما يجعلها أقل عرضة للتغيرات الطارئة، وأن تحافظ على أسعارها، خاصة على المدى القصير والمتوسط، كما هو الحال مع منتجات الدواجن.
إن دروس الماضي علّمتنا أن بعض التجار يحاولون استغلال الأوقات الصعبة وفترات الأزمات، فيقومون بجسّ نبض السوق والمستهلك والحكومة، فيرفعون قيمة السلع الإنتاجية أولا، فإذا وجدوا أن الأمور سارت كما يشتهون، واصلوا مشوارهم إلى المنتجات الاستهلاكية والغذائية، وإذا وجدوا أن هناك رقابة ومتابعة صارمة، ساوموا على الأسعار الجديدة، ليصلوا إلى سعر معقول، حتى ولو (بيسات) قليلة، ولكنها تشكّل بالنسبة لهم نصرا معنويا، وبالنسبة للمستهلك فإنه يعتاد تدريجيا على الواقع الجديد ويألفه، ودائما ما كانت المبررات هي (وجود أزمة)، وهذا ما حدث في مرات عديدة، كما حصل أيام (كورونا)؛ حيث استغل البعض هذه الجائحة لتبرير فصل وتسريح العمال، وخفض الأجور، ورفع الأسعار بحجة (الندرة)، وانتهت الأزمة، ولكن النتائج لم تنتهِ، وظل (الوباء) هو الشماعة التي يُعلّق عليها التجار كل الإخفاقات والآثار المترتبة عليه حتى اليوم.
والآن.. يعيد المشهد نفسه؛ حيث يتم رفع الأسعار تحت مبرر (الحرب الإيرانية ـ الأمريكية)، وإغلاق مضيق (هرمز)، رغم أن منافذ بيع اللحوم الصومالية ـ مثلا ـ لا تمر عبر المضيق، ورغم أن مزارع الدواجن متوفرة في البلاد، ورغم أن الأعلاف تشغل مساحة جيدة في (النجد) وغيرها، ورغم كل ذلك، فالمبرر لم يختلف، والنتيجة النهائية هي تحميل المواطن والمستهلك أعباء إضافية على ميزانيته ودخل أسرته، حتى ولو كان الارتفاع ضئيلا وغير محسوس لدى البعض، إلا أن ذلك يؤشر إلى نجاح (مخطط) تمرير الأسعار الجديدة.
صحيح أن بعض السلع الإنتاجية بالذات تأثرت نتيجة سلاسل الإمداد، وتأثر الموردين في الدول المنتجة، إلا أن لدينا العديد من السلع البديلة للسلع الاستهلاكية والغذائية، وبالإمكان تفادي هذا الارتفاع، حتى لا تتحول الأزمة الطارئة إلى أزمة دائمة، ضحيتها المواطن والمستهلك البسيط، بينما يظل المستفيد الأكبر والدائم هو تاجر جشع يحاول استغلال قاعدة (الأسواق الحرة)، لكسب أكبر، والإبقاء على الوضع القائم للأسعار لأطول فترة ممكنة.