قراءات نقدية تطرح تمثلات "الخوف" في القصة القصيرة العمانية
حضوره في اللغة والسرد والزمن ..
الأربعاء / 25 / ذو القعدة / 1447 هـ - 20:01 - الأربعاء 13 مايو 2026 20:01
متابعة- شذى البلوشي
'تصوير: خليفة الحراصي'
ناقش عدد من الباحثين والمتخصصين في الأدب 'تمثلات الخوف في القصة القصيرة العمانية'، وذلك ضمن جلسة حوارية أقامها النادي الثقافي مساء أمس، مستعرضين مجموعة من النماذج القصصية العمانية، وسبر أغوار الخوف فيها، ومدى حضوره في اللغة والسرد والزمن، بوصفه عنصرًا سرديًا أسهم في تشكيل النص.
جاءت الجلسة التي أدارتها الكاتبة هدى حمد، لتسلط الضوء في محورها الأول على 'مقاومة الخوف: تمرد الشخصيات في القصة العمانية على الأنماط الاجتماعية ومحاولة كسرها'، قدم الورقة الدكتور أحمد يوسف، الذي استعرض فيها مجموعة يحيى سلام 'وقت قصير للهلع'، ومجموعة 'ليل ينسى ودائعه'.
الخوف نسق سيميائي
قال الدكتور أحمد يوسف حول ذلك: 'الشخصيات في القصة تتحدى الخوف، انطلاقًا من قصة امرأة تقرر أن تزور حبيبها، حيث قالت أريد أن أزور الرجل الذي أحب، وهنا يظهر التحدي في هذا القرار، وهو تحدي الخوف، وهذا نابع من إرادتها القوية ورغبتها في تحدي النسق الاجتماعي، وهنا الخوف ليس فقط بعدًا نفسيًا فرديًا، بل هو نسق سيميائي وثقافي تتقاطع الأبعاد الوجودية والاجتماعية والرمزية'.
وأضاف يوسف: 'الخوف في اللغة العربية يدل على الذعر والفزع والهلع، وهذا ما تجسده مجموعة يحيى المنذري، ويعد الخوف من أكثر الانفعالات حضورًا في الأدب قديمه وحديثه، ويكاد يكون السمة المهيمنة في الخطاب السردي المعاصر الذي يتجاوز أن يكون مجرد تجربة شعورية، يسهم في إنتاج المعنى وتحديد عالم السرد، وفي السياق العماني تبرز تجربة يحيى المنذري بوصفها نموذجًا دالًا على هذا التحول، وتتكثف في نصه أسئلة القلق الوجودي، والتحدي الكامل، وتركز هذه المجموعة على الخوف بأسلوب سردي مكثف، ويسيطر على عالم القصص أجواء من التوتر والخوف والقلق، ومواجهة المأزق الأصعب'.
وعرّج الدكتور أحمد في ورقته للحديث عن عوامل أو مصادر الخوف في القصتين وقال: 'هناك عوامل كثيرة لمصدر الخوف، غالبًا ما تواجه عوالم غير مستقرة مستسلمة للخوف والأخرى تقاومه'.
تمثلات الخوف الأنثوي
وقدمت الدكتورة هاجر حراثي ورقة حول 'بلاغة الخوف الأنثوي'، ركزت فيها على السرد النسوي، حيث تناولت نماذج مختارة من مجموعتي 'حائط متموج' لإشراق النهدي، و'ظلال العزلة' لعزيزة الطائي، بدأت بمحور 'تمثلات الخوف في القصة العمانية'.
وقالت الدكتورة هاجر في مطلع ورقتها: 'كان السؤال الذي بدأت فيه بالبحث النقدي في تفاصيل القصة القصيرة والقصيرة جدًا هو: كيف تمثلت القاصة العمانية الخوف باعتباره تجربة وخبرة متراكمة وليس مجرد افتعال عابر، والسؤال الثاني كيف مثلته ذاتيًا، وكيف أخرجت هذا التمثل، وكيف عرضته في الفضاء السردي'.
بدأت الدكتورة بتحليل اختيارها للعنوان، وهو الخوف الأنثوي وقالت: 'لماذا ليس خوف المرأة أو الخوف النسوي، لماذا قلنا الأنثوي، أنا هنا لا أقصد المرأة في بعدها البيولوجي وإنما أقصد الأنثى بوصفها ثمرة بيئة ثقافية، وفي ضوء التجربة لا يمكن للنساء كلهن أن يعبرن عن الخوف بنفس الطريقة'.
وأضافت حراثي: 'اخترت مجموعة إشراق النهدي وعزيزة الطائي، كوني وجدت قواسم مشتركة وهو أن الخوف في النمطين بدأ من العنوان، عنوان المجموعة والعناوين الفرعية: (ألم - خوف - رعب) وصولًا إلى بناء الشخصية والزمن والفضاء وغير ذلك، ولكن الفرق يكمن خاصة في مدى الخوف، فالقصة القصيرة تقطّر الخوف تقطيرًا، ونستكشف هذا الخوف مع كل شخصية الذي يجمع بينها كلها خوف كبير، وفي النهاية يكون الخوف من المصير، والخوف لم يكن مرتبطًا بشيء فردي، ولكن نتيجة سياق اجتماعي ويمتد الخوف إلى الفضاء'.
وتابعت الدكتورة هاجر حديثها باستعراض بعض النماذج فقالت: 'الخوف تجربة دفينة، وأدلل على الخوف في قصة إشراق النهدي 'ارتباك' وهي مثال على خوف بدأ تمثله بكلمة مشحونة، حيث تظهر صورة المرأة أمام نفسها وأمام الآخر، فالمرأة لا تخاف فقط من الآخر، هي تخاف من نفسها أيضًا'. وقالت أيضًا: 'القصة القصيرة تصور الخوف، وهناك قدرة كبيرة وجرأة للتعبير عن الألم، وآخر أنواع الخوف - كما بدا لي - وهو الخوف المتصل بصورة الذات واللغة والخطاب، وهو خوف تجسد في القصة القصيرة جدًا من خلال المرآة التي ترى فيها المرأة نفسها، فقد كسرت المرأة مرآتها التي أحبطتها سنين، فرؤية المرأة نفسها في المرآة هو تمثلها لذاتها، وتعيش في منطقة الخوف من صورتها لذاتها، وبالتأمل في تمثل الآخر لها شعرت أن صورتها لنفسها وما فيها من استنقاص هي أرحم بكثير من صورة الآخر، أو صورة المجتمع للمرأة، وهنا وجب القول إنه لا يمكن أن نقرأ مثل هذه القصص دون تمثّل النقد النسوي'.
وأشارت حراثي في ورقتها لنموذج آخر من خلال قصة تصف فيها التوق للحرية وهي تنظر عبر النافذة وترغب في التحرر وفجأة تسمع كلمة 'ماما.. ماما'، فتقرر العودة. قالت حراثي: 'هذا خوف من عدم الالتزام بالأدوار الاجتماعية التي ربطها بها المجتمع والتي تقتضي من المرأة أن تكون في مستوى الصورة التي فرضها عليها المجتمع'.
وحول الكيفية التي تجسد المرأة فيها الخوف قالت الدكتورة هاجر حراثي: 'التجسيد كان من خلال رسم صورة معينة في الشخصية، قد يكون من خلال دمعة، أو من خلال قيد على معصم، قد يكون في غصة أو صرخة، الخوف في القصة القصيرة جدًا يُرى ولكنه لا يُروى'. وأضافت: 'لعبت المرآة دورًا في تمثيل الخوف المستبطن، كان بوصفه تجربة دفينة وخبرة قد تشترك فيها الجماعة نساء ورجالًا، فإن تجسيدها على العالم السردي سيختلف من كاتبة لأخرى بحسب ثقافتها وتجربتها وخبرتها'.
الخوف والميثولوجيا
وقدم الدكتور حمود الدغيشي ورقة بعنوان 'الخوف والميثولوجيا'، عرج فيها للحديث عن الخوف لدى الإنسان القديم، كون أن الخوف هو القوة المؤسسة للطقوس والأساطير عن الأمم القديمة، وقال: 'الخوف للإنسان القديم نحن لا نطلق عليه خوفًا بقدر ما كنا نطلق عليه قلقًا، ولكن هل الإنسان في العصر الحديث استثمر هذه المثول، هل القاص فهم الميول الأسطورية فهمًا عميقًا، وهل الإنسان الحديث يعيش كما عاش الإنسان القديم؟ ليس بالضرورة أن الإنسان الحديث الذي يعيش في المجتمع الحديث هو أيضًا إنسان حديث، فقد يكون مجتمعًا حديثًا ولكنه إنسان قديم ويستخدم أدواته البدائية، وهذه نظرية أخرى تدخل في اجتماعية المجتمع، ولكن هل الإنسان في القصة عندما نتحدث عن الخوف كان يستخدم استخدامات قديمة؟ فأنا عندما أتكلم عن مجموعات قصصية معينة سواء عند هدى حمد أو عند رحمة المغيزوي أو أمل المغيزوي أو زهران القاسمي، نجد أن المثول حاضر والأسطورة تستثمر، وهناك اختلاف في الاستثمار، فهناك من استثمر الأسطورة بشكل تام وأعطاها رموزًا أنيقة جدًا، وهناك من استثمرها بصورة سطحية، والخوف هنا ليس استجابة غريزية وإنما هو استجابة لبناء ثقافي'.
وعرج الدغيشي في حديثه عن السحر حيث قال: 'هو النظرية المعرفية التي يستخدمها الإنسان قبل أن يصل إلى الدين والعلم، والإنسان العماني الذي توارث هذا الأمر أخذ الميثولوجيا، وهذه أسطورة، ولكن لم يستثمرها هكذا فقط، بمعنى لم يكن استثمارًا معرفيًا فقط، وإنما أراد أن يعيد صياغة هذه الأسطورة بأدوات حضارية مختلفة عن الأسطورة المعروفة'.
الخوف بوصفه أزمة ثقة
وتطرق الدكتور أحمد يوسف في حديثه أيضًا حول القصة التي تدور أحداثها حول رجل مسن يعاني وسواسًا شديدًا، ويدخل مشفى بسبب ألم في إصبع رجله، وهو غارق في الشك بأن الأطباء قد يخطئون في بتر الإصبع الخطأ، ويظن أحيانًا أن الجميع يتآمرون عليه، حيث تقدم القصة الوضع النفسي المضطرب للرجل، والذي يعيش في عزلة بعد أن خسر أسرته، ويخبر الممرضة أن تكتب علامة واضحة على القدم اليمنى حتى لا يحدث خطأ أثناء العلاج، ورغم محاولة الأطباء تهدئته إلا أنه مقتنع أن الخطر يحدق به، وبعد العملية استيقظ مطمئنًا في البداية حين يرى أن العملية في الساق اليمنى، ولكن الصدمة الكبرى عندما جاءت في النهاية أن قدمه اليمنى كلها قد بُترت، وليس الإصبع فقط، وهنا نلاحظ بأن القصة تقوم على الخوف المرتكز على هاجس جسدي.
وقال الدكتور أحمد: 'الهوس يتكرر بصورة قريبة حتى غدا وسواسًا قهريًا في المريض، وكأن الجسد آخر ما تبقى له من يقين، وفي النهاية يكتشف المريض أنه فقد رجله كاملة فيتحول الخوف لحقيقة كاملة، والقلق لم يكن وهمًا خالصًا'.
وحول الخوف في هذه القصة قال الدكتور أحمد: 'يتضح هنا أن الخوف الناتج من الوسواس والشك لدى الشخصية التي تعيش الخوف من الألم الذي يتكرر جسديًا ونفسيًا، حتى يصبح التوتر والصراع والقلق والخوف من الموت ملازمًا بشكل دائم، فهو كان يعاني خوفًا من الوحدة، والخوف من النساء، والخوف مما كان يشك أنه سيحدث لقدمه وقد حدث فعلًا في النهاية، لتكون نهاية مرعبة'.
وأضاف: 'الخوف هنا يسهم في بناء عوالم القصة، كما يؤثر الخوف بوصفه أزمة الثقة، فيظهر الخوف من خلال عدد من العلامات: الأصوات الحادة، المغسلة البيضاء عليها قطرات الماء، الابتسامة الغائبة، كلها علامات توضح خوف الشخصية وتحويل الحدث البسيط إلى تجربة نفسية خانقة، وتكشف هشاشة الإنسان المعاصر في الخوف'.
وأوضح يوسف في ختام حديثه أن الخوف في قصة يحيى المنذري هو عبارة عن منظومة شعورية، والنص تهيمن عليه الذات التي تعيد تشكيل العالم، وتكون هناك نهاية صادمة للقصة، حيث يفقد الشخص ثقته في العالم، والخوف حالة واستعارة مفهومية عميقة تتجاوز التجربة النفسية.
استثمار القاص للأسطورة
وحول الأساطير قال الدكتور حمود الدغيشي: 'الأسطورة لا تموت سواء أكانت مع الإنسان القديم أم الحديث، ما يتغير هو الأدوات فقط، وكل ما نخترعه ونبتكره هو في الأساس نابع من الخوف، فنحن نريد أن نأمن. فالخوف والقلق موجودان وهو أمر طبيعي، ولكن استعادة أسطورة قديمة واستثمارها لابد أن يكون لدى القاص هدف رمزي معين، بمعنى أنه لا يمكن أن نعيد كتابة الأسطورة وفق أدواتها الحضارية التي تكاد تكون موجودة'.
وأضاف الدغيشي: 'الخوف عندما ينتج عن الأسطورة في القصة القصيرة العمانية يدل على وحدة سيكولوجية، وبناء ثقافي مشترك، والخوف الذي يستثمره القاص هو خوف جاهز وأدواته وعناصره موجودة، والقاص يغير من عناصره ومن الأحداث؛ ليؤولها لما يريده هو، وهنا لابد من التفريق بين توظيف الميثولوجيا وتوظيف الخوف في غير مواضعه، وهذه نقطة مهمة جدًا عندما يتعرض القاص للميثولوجيا، وهل تم استثمارها بشكل صحيح؟'.
وأشار الدغيشي إلى أن قضايا الميثولوجيا التي تم استعراضها في قصة 'معصوبة العينين إلى البحر' لهدى حمد، قال عنها: 'القصة من أولها لآخرها هي أسطورة، وفي عمق الميثولوجيا، وتقارن بين بيئتين، وفي كل الأساطير لا يراهن على نجاح أي أسطورة إذا المرأة لم تكن حاضرة وبقوة فيها'.
قصة الزيارة لجوخة الحارثي
وتحدث الدكتور أحمد يوسف عن قصة الزيارة لجوخة الحارثي، وقال: 'في هذه القصة يتمثل الخوف من الموت أو التمزق، إذ تتخيل نفسها جثة ممزقة تلتهما القطط، والخوف من المجهول، ويظهر في البناية الغامضة والأبواب المتشابهة والممرات الملتبسة، وعدم معرفة الطريق الصحيح، والخوف من الضياع والتيه، لاسيما عندما تشك في وجود الممر الرابط، والخوف من الخيبة العاطفية، والخوف من التشبه بالحبيب القلق، ومن الرقابة المجتمعية، ومن السلطة الرمزية للمعلمة، والخوف من الفضيحة والكشف، حين تشعر أن المرأة تعرف سبب وجودها، والخوف الوجودي والذي يتجلى في الإحساس العام للقلق والعجز والاختناق داخل هذا الفضاء المغلق، والذي هو عمارة، وهي استعارة مفهومية ومجاز مرسل للمجتمع، والخوف الرمزي المرتبط بالمكان مثل العتمة والضوء الأزرق والممر الطويل والأبواب المغلقة، وكلها علامات توحي بالتهديد والاختراق.
وأخيرًا الخوف من الفشل في بلوغ الحلم، فالزيارة نفسها تبدو رحلة شاقة نحو الحب يهددها الانقطاع أو السقوط في أي لحظة.
قصة الزيارة ليست حدثًا طارئًا بل بنية شعورية تهيمن على رؤية المرأة للعالم، وقد نجحت جوخة الحارثي في تحويل زيارة عاطفية إلى رحلة نفسية خانقة'.