عُمان الاقتصادي

اقتصادات مضادة للهشاشة المرونة والتكيُّف لتقليل المخاطر

 

أحمد القرملاوي 

عند مطلع خريف عام 2007، ومع تساقُط الأوراق الجافة من أغصان الأشجار، كان الاطمئنان يسود الأسواق المالية في الولايات المتحدة بنسبةٍ تفوق المعتاد؛ فالبنوك تحقق أرباحًا قياسية، والعقارات تواصل صعودها على نحو يوحي بالاستمرار، والأُسَرُ تقترض بثقةٍ حتى تلحق برَكْبِ شراء العقارات أملًا في حياةٍ أرغد. لم يكن ثمة مؤشر يُنبِئ بوقوع كارثة وشيكة. بل على العكس، كانت المؤشرات الاقتصادية توحي بأن النظام يعمل بكفاءة تامة. وفي غضون أشهر قليلة، تغيَّر كل شيء؛ انهارت مؤسسات مالية عملاقة، وتبخرت تريليونات الدولارات من الأسواق، وخسر ملايين الناس وظائفهم ومدخراتهم المالية.

ولا يُعَدُّ ذلك حادثًا فريدًا من نوعه، فتاريخ الاقتصاد لا يخلو من دراما الصعود المُطْمَئِنِّ والانهيار الحاد. وكثيرًا ما يكون مؤشر الاقتراب من ذروة الأحداث، هو أن تبدو الأمور «تحت السيطرة». إنه أحد القوانين غير المعلنة في عالم الاقتصاد؛ أن الانهيارات الكبرى تبدأ في التسلل إلى المشهد حين تَطْمَئن المؤسسات الاقتصادية إلى السيطرة التامة على مُجريات الأمور. ما يَطرح سؤالًا مهمًّا حول ما يدور في الخفاء، فلا يراه خبراء الاقتصاد في أوقات النجاح والاستقرار.

النجاح الاقتصادي لا يتسبب فقط في زيادة الثروات، بل يَنتُج عنه شعورٌ خفيٌّ بالأمان ضد المخاطر. وبمرور الوقت، يشيع إحساس عام بأن النظام الاقتصادي قد أصبح «مفهومًا» بوضوح، والمؤشرات الاقتصادية «مقروءةً» للجميع، وعليه فقد باتت المخاطر تحت السيطرة. ومن هذه الثغرة بالتحديد ينفذ الانهيار.

نموذج ناجح وهَش

خلال السنوات التي سبقت الأزمة المالية العالمية (أزمة 2008)، شَهِدَت السوق العقارية ارتفاعًا غير مسبوق في الاقتراض العقاري «عالي المخاطر» لدى الأُسَرِ الأمريكية. لم يكن ذلك أمرًا خفيًّا أو غير مُعلَن، لكنه لم يُنظَر إليه باعتباره خطرًا محتمَلًا أو ثغرة اقتصادية، بل قُدِّم إلى المجتمع باعتباره دليلًا على التوصُّل إلى «النموذج الناجح»، وساد افتراض -ثَبُتَ خطأه فيما بعد- يقول: إن أسعار الأصول ستستمر في الصعود التدريجي. هذا الافتراض بالتحديد هو نقطة الضعف المناعية التي أصابت النظام الاقتصادي بالهشاشة، وأدَّت إلى انهياره بعد مدة وجيزة.

وهذا مجرد مثال على ما يحدث للاقتصادات الحديثة، التي يُمكن تشبيهها بالشبكات ذات العناصر شديدة الترابط. فالبنوك تُقرِض بعضها البعض، ورؤوس الأموال تنتقل بسرعة البرق، والأسواق تتفاعل لحظيًّا مع الأخبار والمؤشرات. هذا الترابط الشديد والتفاعلية التامة هما بمثابة مصدر طاقةٍ هائلةٍ تحرك السوق، لكنهما في الوقت نفسه يمهدان الطريق لانتقال الأزمات على نحوٍ يتعذَّر إيقافه والتقليل من مخاطره. فخسائر الرهن العقاري -مثلًا- حين بدأت في الظهور، لم تبقَ محصورةً داخل قطاع العقارات، بل انتقلت لحظيًّا إلى البنوك ثم إلى أسواق المال، ثم ظهرت تداعياتها على الاقتصاد بصفةٍ عامة، وما بدا في البداية كأنه مشكلة أحد القطاعات، سرعان ما تحول إلى أزمة عالمية. وعليه، يُمكن القول إن الانهيار في الاقتصاد الحديث صار أكثر ضراوةً من ذي قبل، نتيجةَ الترابط الشديد بين عناصره وسرعة انتقال المعلومات ثم التداعيات فيما بينها. إنها ظاهرة أشبه بالعدوى سريعة الانتشار، التي لم يُصمَّم النظام المناعي للاقتصاد على تحمُّلها.

تقلُّبات صغيرة أم انهيارات كبرى؟

بانتقالنا إلى آيسلندا قبيل الأزمة المالية العالمية، نجد أن المشهد هناك بدا مثاليًّا في هذه الأثناء؛ دولة صغيرة تتحول لمركز مالي عالمي، بنوكها تتوسع خارج حدودها، وناتجها المحلي ينمو بخطى واثقة.

غير أن هذه المثالية أخفت حقيقة خطيرة، هي أن حجم القطاع المصرفي قد فاق بأضعافٍ قدرةَ الدولة الصغيرة على دعمه. وحينما جاءت الصدمة، لم يكن ثمة «هامش أمان» يساعد على امتصاصها، فانهارت البنوك، وتراجعت العملة، وانكمش الاقتصاد على نحو فجائي. وهذا نموذج آخر لحضور النجاح بقوة مع فرضية استقراره واستمراريته، وهي الفرضية التي تُمثِّل عنصر «المقاومة» في شبكة الاقتصاد، إذ تُقاوم الشك في اقتراب المخاطر حين تُصبح مؤشرات الانهيار أكثر وضوحًا.

من الطبيعي، بل ومن الضروري، أن تسعى الدول والمؤسسات الاقتصادية والشركات الاستثمارية إلى تقليل المخاطر، وإلى التنبُّه للمؤشرات التي تشير إلى اقترابها. وطالما لم يتحوَّل هذا السعي وتلك الرغبة في الانتباه إلى هوسٍ باحتواء كل تَقلُّب صغير يطرأ على السوق، وبتفادي أي احتمال طفيف لوقوع تداعيات، فإن النظام الاقتصادي سيبقى صحيًّا وسيُنظَر إلى الأعراض الصغيرة كإشارات مفيدة لإجراء تصحيحات، مثلها مثل الحمَّى والجوع والإرهاق، التي هي وسائل يخبرنا بها الجسد عن احتياجاته، مشيرًا لأي خلل يتسلل إليه.

وبدلًا من الاستفادة منها، يَميل الاقتصاديون ومُتَّخِذو القرار في بعض الأحيان إلى «إسكات» هذه الإشارات المفيدة والتغاضي عن التدخُّل لإيقاف التداعيات واحتواء المخاطر، فيقررون ضخ المزيد من السيولة لتجنب انخفاض المؤشرات، وتأجيل مواجهة الأزمات حتى إشعار جديد. وبطبيعة الحال، لا تتحقق لهم النتيجة التي يأملونها وهي اختفاء المخاطر من تلقاء نفسها، بل تتراكم في الخفاء، قبل أن تكشف عن نفسها بضراوة أشد. وهذا ما يُشير إليه البروفيسور اللبناني-الأمريكي نسيم نيكولاس طالب في كتابه «مضاد للهشاشة: أشياء تستفيد من الفوضى»، إذ يضرب أمثلة للأنظمة الاقتصادية التي تسعى إلى احتواء التقلُّبات الصغيرة، فتجد نفسها وقد صارت أكثر عرضةً للانهيارات الكبرى.

جائحة تأتي على غير توقُّع

في مطلع عام 2020، لم يكن الاقتصاد العالمي يعاني من الأزمات المالية التقليدية. بل على العكس، فقد شهدَت الأسواق العالمية استقرارًا نسبيًّا ونموًّا متواصلًا في قطاعات عديدة، ثم فوجِئ العالَم بجائحة كورونا تضرب أرجاءه شرقًا وغربًا. لم تَنتُج الأزمة عن فقاعة مالية أدَّت إلى ارتفاعٍ غير مبرر في الأسعار، ولا عن سياسة نقدية غير متوازنة ثَبُتَ فشلها، بل حدثت نتيجةَ حدثٍ خارجي غير متوقع تمامًا. إلا أن الأزمة كشفت عن هشاشةٍ لم تكن في الحسبان؛ فسلاسل الإمداد تعمل وِفقَ فرضية الكفاءة القصوى، ولا تضع في حسبانها أيَّ انسداد محتمَل بتوفير احتياطي لمواجهة الأزمات، كما بدت الأنظمة الصحية غيرَ مؤهلة لتحمُّل الضغط المفاجئ، بالقدر نفسه الذي لم تستوعب به الأسواقُ التوقُّفَ المباغت. في غضون أسابيع قليلة، توقَّفت حركة الطيران، وأُغلِقت المصانع، وانهارت قطاعات بأكملها وتداعت مؤشراتها. وبجانب سؤال: لماذا حدثت الجائحة، تكشَّف المشهد عن سؤالٍ آخَر جوهري، هو: لماذا لم يكن الاقتصاد مستعدًّا لمواجهة تلك التداعيات؟

وبالنظر لما شهِدناه خلال العقدين الأخيرين، سنرى أن الأزمات ليست أحداثًا عارضة نادرة الحدوث؛ فالأمثلة عديدة، منها: الأزمة المالية العالمية، وأزمة الديون الأوروبية، وجائحة كورونا، وأزمات الطاقة الناتجة عن الحروب والتغيرات المناخية، واضطرابات سلاسل الإمداد. وقد أثبتَت كل أزمة منها أنها كفيلةٌ بإرباك النظام الاقتصادي العالمي، وأن تصميم الأنظمة الاقتصادية على افتراض أن الاستقرار هو الحالة الطبيعية، لهُو بمثابة تمهيد لقدوم الأزمات الكبرى على غير توقُّع.

القوة الاقتصادية

في مقابل المرونة والاستمرارية

ثمة فارق جوهري بين «قوة الاقتصاد»، التي تتجسد في القدرة على الأداء بكفاءة عالية أثناء الظروف المستقرة، وبين «المرونة الاقتصادية»، التي تُشير إلى القدرة على الاستمرار في ظل تغيُّر الظروف. والاقتصاد الذي يعتمد على مصدر تمويلٍ واحد في تحقيق النمو الاقتصادي، سواء كان النفط أو السياحة أو أي قطاع مالي ضخم، قد يبدو قويًّا في أوقات الازدهار، إلا أن هشاشته تظهر بوضوح عند وقوع صدمات. أما الاقتصاد الذي يتمتَّع بتنوُّع في المصادر، فقد يبدو أبطأ من حيث معدلات النمو، لكنه أكثر قدرة على التكيُّف مع المتغيرات. والمرونة المقصودة هنا ليست نقيضًا للكفاءة، إلا أنها تتطلَّب قدرًا من عدم التمسُّك بـ«المثالية الاقتصادية»، في مقابل التركيز على القدرة على البقاء.

ما يقودُنا إلى طرح إحدى أكثر الأفكار رسوخًا في الاقتصاد الحديث، ألا وهي «وَهْمُ التنبُّؤ». تُشير هذه الفكرة إلى أن التنبؤ بالمستقبل قد يكون ممكنًا عبر النماذج والبيانات، في حين تأتي الأزمات الكبرى -غالبًا- من خارج هذه النماذج المتعارَف عليها. لذلك لم يتوقَّع أيٌّ من الخبراء الأزمة المالية العالمية بالدقة اللازمة لتجنُّب حدوثها، ولا بجائحة كورونا، ولا حتى بصدمات الطاقة الحديثة. وهذا ليس فشلًا نظريًّا أو تقنيًّا بقدْر ما هو حدٌّ معرفي يجب الاعتراف به، ومن ثم بناء أنظمة اقتصادية تفترض ضمنيًّا أننا عاجزون عن التنبؤ الدقيق.

من هنا نستطيع وضع تعريف جديد لـ«الأمان الاقتصادي»، يضع في اعتباره أن النجاح قد يقود إلى الهشاشة في مواجهة الأزمات، وأن الأزمات لا يُمكن تجنُّب وقوعها من الأساس. فالأمان لا يَكمُن في تجنُّب حدوث الأزمات، بل في القُدرة على تجاوزها ومعاودة النمو؛ ليس في الاستقرار الدائم، بل في القُدرة على التكيُّف مع المتغيرات، ما يتضمَّن إقرارًا ضمنيًّا بأن السياسات الاقتصادية تحتاج إلى التركيز على عدة المعايير أخرى فضلًا عن النمو، أهمها: (1) توزيع المخاطر، و(2) تنويع مصادر الدخل، و(3) بناء الاحتياطيات، و(4) تشجيع الابتكار خاصةً في فترات الركود.

خلاصة القول إننا نعيش في عالم لا يُمكن التنبؤ بمستقبله بالدقة اللازمة لبناء أنظمة مستقرة بالكامل، وبرغم ذلك نسعى خلف تحقيق أقصى مستويات الكفاءة، ونحاول التخلُّص من أقل تَقلُّب يطرأ على أنظمتنا الاقتصادية، ثم نُفاجَأ بانهيار كل شيءٍ على نحو مباغت. والمستقبل لن يفتح ذراعيه للاقتصادات التي تهدف إلى منع الصدمات، حيث إن ذلك لم يعُد ممكنًا في واقع متسارع يتَّسم بالترابط والتفاعل اللحظي، بل سيميل إلى كفة الاقتصادات المرنة التي تتعامل مع الصدمات كجزءٍ من اللعبة، والتي لا تخاف التقلُّبات، بل تواجهها بالتكيُّف والابتكار سعيًا للاستفادة منها بدلًا من تجنُّب حدوثها.

أحمد القرملاوي، مهندس وروائي ومترجم مصري، حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال والتمويل. شارك في تأسيس دار ديوان للنشر وإطلاق بودكاست عن الاقتصاد الإبداعي والصناعات الإبداعية.