عُمان الاقتصادي

كيف نحصّن الاقتصاد العالمي ضد صدمات المستقبل؟

 

محمد العريان -

ثمة حقيقة مقلقة بات من الصعب تجاهلها اليوم، فالاقتصاد العالمي يمرّ بمرحلة تتسم بـ«صدمات أكثر تواترا وعنفا» على حدّ تعبير الحائز على جائزة نوبل مايكل سبنس؛ حيث لم نعد أمام اضطرابات عابرة ومعزولة، بل إزاء تحوّل بنيوي يقود إلى تقلبات مقلقة، وتفكك متزايد، وتفاوت أوسع في النتائج بين الدول والشركات والأسر. لقد انقضى العالم القديم، وبات الجميع تقريبا مهددا بخسائر متفاوتة في العالم الجديد. والسؤال لم يعد إن كنا سنخسر، بل كم سنخسر، وماذا ينبغي أن نفعل حيال ذلك؟.

وتجسّد الحرب في إيران، التي امتدت تداعياتها إلى أنحاء الشرق الأوسط، هذا الواقع المستجد بوضوح. فعلى الرغم من تفاقم الأضرار على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، لا تزال محاولات احتواء الأزمة عبر «آليات كبح» فعّالة ومستدامة تصطدم بصعوبات كبيرة. ونتيجة لذلك، يتفاقم الضرر الاقتصادي ويتعمّق، إذ بدأت آثاره المبكرة بالظهور في ارتفاع أسعار الطاقة ومعدلات الفائدة، ما غذّى موجات تضخمية أوسع، وزاد من احتمالات تباطؤ النمو واهتزاز الاستقرار المالي.

وهذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، فقد استعصى أيضا احتواء الحرب في أوكرانيا، وشهدنا الديناميكيات نفسها في مجالات اقتصادية ومالية أضيق، من تسييس الرسوم الجمركية وفرض العقوبات على الاستثمارات، إلى تفكك سلاسل التوريد العالمية. وقد يبدو مغريا النظر إلى كل حالة على أنها واقعة مستقلة -وهو ما يفعله كثير من صانعي السياسات والمستثمرين- إلا أن ذلك يمثل خطأ في التشخيص.

ويمكننا القول أن الاضطراب الراهن ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل نتيجة متوقعة لانهيار ثلاث سرديات كبرى هيمنت على النظام الاقتصادي العالمي، من دون أن تنبثق بدائل جامعة تحل محلها. أولى هذه السرديات هي العولمة. فقد انقضى الزمن الذي كان يُنظر فيه إلى تعميق التكامل الاقتصادي بوصفه عامل استقرار. وتراجعت الوعود بأن الاعتماد المتبادل يحدّ من النزاعات، لتحل محلها ممارسات توظيف التجارة والتمويل كأدوات نفوذ، واستغلال نقاط الاختناق الاستراتيجية. وبسبب إخفاق العالم في معالجة الآثار التوزيعية السلبية للعولمة في وقت مبكر، بدأت الركائز الثلاث -المعايير الدولية الموثوقة، والمؤسسات متعددة الأطراف الفعالة، وسيادة القانون-بالتفكك، لصالح نزعات أحادية وتجزئة متزايدة وإفلات من المساءلة.

أما الركيزة الثانية فهي «إجماع واشنطن» فالإيمان بأن التحرير الاقتصادي، ورفع القيود التنظيمية، والانضباط المالي، واستقلالية البنوك المركزية تشكل مفاتيح الازدهار، أخذ يتلاشى تدريجيا خلال السنوات الأخيرة. والمفارقة أن الولايات المتحدة نفسها كانت في طليعة من قوض هذا النهج داخليا، رغم أنها أمضت عقودا في الترويج له على المستوى العالمي.

ثم يأتي الذكاء الاصطناعي، الذي يتهيأ لإعادة تشكيل الافتراضات التي طالما قامت عليها نماذج الأعمال وأسواق العمل. وبينما يمتلك إمكانات تحويلية هائلة بوصفه تقنية عامة الاستخدام -لا سيما في تعزيز الإنتاجية- فإن الحاجة أصبحت ملحّة لوضع أطر تنظيمية وتوجيهية واضحة لاحتوائه. وإلا فإن وتيرة التحولات التي يفرضها قد تتجاوز قدرة المجتمعات على التكيّف معها.

وقد أدى تآكل هذه الركائز الثلاث إلى نشوء ثقافة يسودها انعدام الثقة، والتفكير الصفري، وقصر النظر في اتخاذ القرار، ما يفضي إلى تقويض القائم من دون توفير بدائل جاهزة. ومع إحلال الشك محل التعاون، والسعي المكلف للاكتفاء الذاتي محل آليات التأمين المشترك، يغدو تحقيق تنسيق دولي مستدام أمرا بالغ الصعوبة. يبدو الاقتصاد العالمي وكأنه أوركسترا تعزف من نوتات متباينة، من دون قائد ينسّق الإيقاع، فتكون النتيجة حالة من الفوضى الصاخبة بقدر ما هي مدمّرة.

إن التفكك غير المنضبط ينذر بنمو أضعف، وتضخم أعلى، واتساع فجوات عدم المساواة. ومع ذلك، لا يزال بالإمكان تعديل مسار هذا العالم الجديد نحو اتجاه أكثر إيجابية، إذا ما توفرت الشجاعة والرؤية للتخلي عن أنماط التفكير المتقادمة، والعمل على بناء توافق جديد يقوم على خمسة محاور.

أولا، لم يعد مجديا حصر النقاش في ثنائية «العولمة» مقابل «الحمائية». وبدلا من ذلك، ينبغي تبني ما وصفه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق غوردون براون بـ«العولمة المُدارة الخفيفة»، أي مقاربة براغماتية تقوم على توطين سلاسل الإمداد بين الدول الموثوقة وتقليل المخاطر، بما يضمن أمن السلاسل الحيوية ونقاط الاختناق، من دون الانزلاق إلى حروب تجارية أو سياسات إفقار الجار.

ثانيا، يجب إعادة وضع النمو المستدام والشامل في صدارة الأولويات الوطنية. وهذا لا يعني اللجوء إلى ضخ المزيد من السيولة عبر أدوات التحفيز المالي والنقدي، ولا اقتطاع النمو من اقتصادات أخرى أو من المستقبل، بل يستلزم التركيز على رفع الإنتاجية، وتطوير البنية التحتية، ودعم التحولات الهيكلية، لا سيما في قطاع الطاقة.

ثالثا، لا بد من توفير دعم فعّال للأسر الأكثر هشاشة. إذ إن شبكات الأمان الاجتماعي في كثير من الدول تعاني من ضعف الكفاءة، أو تدفع الفئات المستضعفة، من حيث لا تقصد، إلى الاعتماد الكامل على الدولة، ما يضعف مشاركتهم في سوق العمل، بدلا من تمكينهم عبر توفير الحماية والفرص اللازمة لتحقيق الاستقرار والقدرة.

رابعا، لا يمكن ترك مسار الذكاء الاصطناعي لقوى السوق وحدها. بل ينبغي أن توجّه السياسات هذه التكنولوجيا التحويلية نحو تعزيز دور الإنسان في العمل، لا استبداله. ويتطلب ذلك استخدام الأدوات الضريبية لإعادة تشكيل الحوافز، والاستثمار المبكر في القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم؛ حيث يمكن للذكاء الاصطناعي سد فجوات تقديم الخدمات. كما يستوجب توجيه الشركات نحو نماذج إعادة هيكلة تدعم فرص العمل والإنتاجية، لا الاقتصار على خفض التكاليف عبر الاستغناء عن العمالة. ويقتضي أيضا إعادة تصميم الشراكات بين القطاعين العام والخاص بما يضمن بقاء القوى العاملة مرنة ومؤهلة، إلى جانب توفير دعم انتقالي للفئات الأكثر عرضة للتضرر.

محمد العريان، الرئيس السابق لكلية كوينز بجامعة كامبريدج - أستاذ ممارس في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا