هل الاستثمار في سوريا فرصة أم مغامرة خاسرة؟
الأربعاء / 25 / ذو القعدة / 1447 هـ - 11:41 - الأربعاء 13 مايو 2026 11:41
كمي أبو كرم-
يؤكد أحمد الشرع للدول الأوروبية مراراً وتكراراً أن سوريا المُدمَّرة تشكل اليوم بيئة خصبة للاستثمار محاولاً بذلك استقطاب المستثمرين الأجانب إلى السوق السورية. ظهر ذلك جلياً في جولته الأخيرة في أوروبا وقبلها في دول الجوار لا سيما السعودية كما ظهر أيضاً في خطاباته الواعدة بمستقبل ماليزي وأبراج ترامبية.
لا شك أنّ الحاجة الملحّة لإعادة الإعمار في سوريا، وتعطّش السوق المحلية لشتّى أنواع السلع والخدمات تشكلان أهم عوامل جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال؛ حيث إنَّ الاستثمار في قطاعات كالعقارات والطاقة مثلاً ستجلب عوائد رأسمالية شبه مؤكدة للمستثمرين في ظل الطلب المرتفع جداً على الكهرباء والمحروقات والسكن وغيرها. لكن السؤال الملحّ من ناحية أُخرى هل لدى المستهلك السوري القدرة الشرائية أساساً للإنفاق على هذه السلع؟
يقع تسعون بالمائة من الشعب السوري بحسب تقرير الأمم المتحدة لعام 2025 تحت خط الفقر ما يعني أن عشرين مليوناً من السوريين والسوريات على أقل تقدير لا يتقاضون أكثر من ثلاثة دولارات يومياً ما يعتبر رقما متدنيا جداً خصوصاً في ظل الارتفاع المدوّي لأسعار السلع والخدمات الأساسية التي أصبحت تقارب معدلات الأسعار العالمية.
إنَّ انعدام القدرة الشرائية لدى المواطن السوري تشكّل مخاطرة كبيرة أمام المستثمر الأجنبي وعقبة أمام دخوله السوق السورية؛ حيث إن الحاجة الملحّة على السلع والخدمات حتى الأساسية منها لن تعكس بالضرورة في ظل الوضع المعيشي الحالي في سوريا طلباً مرتفعاً على هذه المنتجات، ما سيؤدّي في حال ولوج الاستثمارات إلى السوق السورية إلى كساد السلع وانكماش القطاع الخدمي نتيجة؛ لأن المعروض يقابله طلب شبه معدوم أي أن ما سيتم طرحه في السوق السورية من منتجات لن تتلقفها إلا عيونٌ جائعة وجيوبٌ خالية. وبالتالي لن ينتظر المستثمِر عوائد رأسمالية منخفضة فحسب، وإنما خسارة لرأس المال الأصلي أيضاً.
من هنا يجب على الحكومة المؤقتة إن أرادت استجلاب الرأس المال الأجنبي فعلاً أن ترفع من قدرة المواطنين على الادخار وبالتالي على الإنفاق، أو بمعنى أدق أن تقوم بانتشال المواطن السوري إلى ما فوق خط الفقر، وإعادة إنعاش طبقة وسطى تكون قادرة ولو بالحد الأدنى من تغطية تكاليف معيشتها كدفع فاتورة الكهرباء أو تحصيل سكن. تدّعي حكومة أحمد الشرع في هذا السياق بأن تدفّق الاستثمارات هو الذي سيرفع المستوى المعيشي للسوريين من خلال تأمين فرص عمل بأجور جيّدة تتيح لهم ما هو أكثر من الاستهلاك فقط. هذه الوعود لا تلقى رواجاً إلّا في أوساط سوريي المَهْجر وقلّة من سوريي الداخل الذين لا يعانون من الفقر، ولعلّهم يرون سورية من عين نوستالجيا السائح فقط، أما عن الأغلبية المهمّشة التي لم تعد تعوّل منذ زمن على أية وعود حكومية، فمنهمكة بتحصيل قوت يومها وحسب.
إنَّ الآليات الاقتصادية للحكومة المؤقتة حتى الآن من رفع الدعم عن السلع الأساسية كالخبز والمحروقات وما تبعه من ارتفاع خيالي لمعدلات الأسعار من كهرباء ومواد غذائيّة، كانت قد أثقلت أعباء المواطن وساهمت بشكل واضح بتفقيره، ولعل أكثر المتضررين من هذه اللّبرلة العشوائية للاقتصاد السوري هي الطبقات الأكثر فقراً، التي كانت تعتمد بشكل كبير على الدعم الحكومي للسلع الأساسية. أضف إلى ذلك غياب تام لسياسات حماية المستهلك وحماية العمّال؛ حيث لم تتطرق وزارة الاقتصاد أو وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل حتى الآن لسن قوانين للأجور أو الأسعار أو الضمان الاجتماعي.
هذه السياسات النيوليبرالية (اقتصاديا) التي تتبعها حكومة أحمد الشرع المؤقتة عن قصد أو عن غير قصد لا تجعل من السوق السورية جذابة للاستثمارات بل على العكس تجعل من الاستثمار في سوريا مخاطرة عالية لا يحبذ المستثمرون الدخول في غِمارها.
إضافة لذلك تعد البنية التحتية المدمرة أحد أهم العوامل التي تُضعِف استقطاب أموال الاستثمارات في أي بلد في العالم، حيث إن الاستثمار خاصة في القطاعات الإنتاجية يحتاج لشبكة طرقات متماسكة، مطارات، موانئ ومحطات توليد وإلى ما هنالك. اليوم تعد 30 إلى 50 بالمائة من البنية التحتية في سوريا مدمرة جزئيا أو كليا بحسب تقارير البنك الدولي لعام 2025 ما يزيد المخاطر الاستثمارية ويقلل فرص الأرباح. لا تُستثمَر رؤوس الأموال في بلد نصف بنيته التحتية مدمرة كما أن المستثمر الأجنبي لن يستثمر أمواله في إعادة إعمار البنية التحتية في سوريا لأنها ببساطة لن تعود بمنافع مادية عليه.
من هنا فإن الدولة السورية هي المُلزَمة أولا وأخيرا بإعادة بناء البنية التحتية ومؤسسات الدولة. لكن من أين ستحصل الدولة السورية ذات الخزينة الفارغة على التمويل من أجل إعادة البناء؟ هل جمع التبرعات هو الحل؟ إن جمع التبرعات كمصدر لتمويل مشاريع الدولة ابتكار جديد تبهرنا به حكومتنا المؤقتة الموقرة، حيث إنها قامت بحملات كرنفالية في معظم المحافظات السورية لجمع تبرعات من الأهالي والمتنفذين، قامت فيها بجمع مبالغ اسمية. هذا وإن سلمنا بصحة هذه التبرعات والأرقام أساسا فهي من جهة لا تشكل مصدر تمويل مستدام ومن جهة أُخرى لا تكفي حتى لترميم القصر الجمهوري.
إيرادات الحكومات في دول العالم لها عادة مصدران أساسيان، مصدر داخلي كالضرائب وبيع السندات بالإضافة لعوائد الدولة عبر مؤسساتها الربحية، ومصدر خارجي كالاقتراض من البنك الدولي أو من الدول المُقرِضة، وللأمانة إن أحلى مصادر التمويل هذه مر في الحالة السورية، فرفع معدل الضرائب في ظل الفقر المدقع غير ممكن هو ببساطة حكم بالموت على معظم السوريين والسوريات. من ناحية أخرى فإن شروط البنك الدولي للإقراض من رفع معدل الضرائب وفتح السوق تعود أيضا بنتائج كارثية على الطبقات الفقيرة لأسباب خضنا بها أعلاه.
لا شك أن المشكلة الاقتصادية في سوريا عويصة والحكومة المؤقتة لا تحسد على إرثها سواء اختلفنا أو اتفقنا معها، حيث إنها لا تملك خيارات اقتصادية كثيرة، وهي واقعة بين معضلة إعادة الإعمار وشح مصادر التمويل.
ربما أن البناء الاقتصادي البطيء قد يشكل أحد الحلول الممكنة التي لا تكون نتائجها ملموسة إلا على المدى الطويل، انطلاقا من تنويع مصادر التمويل وتفعيل دور القطاع العام في الاستثمار بدلا من المستثمرين الأفراد وتركيز التنمية في القطاعات الأقل مخاطرة والأكثر أولوية بناء على احتياجات السوق المحلية. فالاعتماد على الموارد الطبيعية كالنفط والغاز كمصادر لتمويل مشاريع حيوية خاصة في القطاع الزراعي والتركيز مبدئيا على الوصول فقط لاكتفاء غذائي يشكل حاليا إنجازا بالمعنى الحقيقي للكلمة، بالإضافة لذلك يمكن أن يشكل الاقتراض بشكل جزئي من الدول المقرضة ضمن شروط إقراض مخففة إن أمكن، أحد مصادر التمويل التي قد تتيح استقلالية اقتصادية أكبر مقارنة بشروط البنك الدولي، حيث إن الدول المقرضة لن تفرض أشكالا معينة للنظام الاقتصادي أو تشترط سن قوانين تتعلق بالضرائب والخصخصة، إنما تطالب بتقديم ضمانات للقدرة على السداد وهذه يمكن أن تتم عن طريق تخصيص إيرادات معينة لسد الدين مثلا جزءا من عائدات النفط الذي يعتبر ذا عوائد مضمونة، كما يمكن أن تطالب الدول المقرضة ببعض الامتيازات الاقتصادية والسياسية مثل إتاحة استخدام الموانئ السورية للأنشطة التجارية وتخفيض الرسوم الجمركية ورسوم العبور.
كما يمكن للحكومة المؤقتة تشجيع السوريين في المهجر لإنشاء مشاريع صغيرة بهدف التشغيل وخفض معدل البطالة عن طريق إجراءات فعلية على المستوى السياسي والأمني كضبط السلاح المنفلت وإيقاف التضييق على الحريات الشخصية والعامة كذلك المحاسبة الفعلية لمرتكبي الانتهاكات وجرائم الحرب في العهدين الأسدي والشرعي، وهذا أسهل بكثير من خلق بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي. كل هذا يجب أن يترافق مع إجراءات حكومية حمائية للطبقات الفقيرة التي تشكل غالبية الشعب السوري في الداخل ولعل أهمها إعادة الدعم على السلع الأساسية، ضبط الأسعار ووضع حد أدنى للأجور بدلا من فتح الأسواق وبيع أصول الدولة السورية وخصخصة القطاعات التي تشكل عصب الحياة كالصحة والتعليم.
في سياق ما أُعلِن من خطابه ضمن منتدى الأعمال السوري الألماني في برلين، يؤكد أحمد الشرع أنه يسير في طريق إعادة الإعمار، حيث إن بحسب زعمه العديد من الشركات العالمية بدأت بالفعل الاستثمار في سوريا وأن حجم الاستثمار حتى الآن وصل إلى 59 مليار دولار أمريكي أي ما يشكل ربع تكلفة إعادة الإعمار في سوريا التي تبلغ 216 مليارا بحسب تقديرات البنك الدولي، أين استثمرت هذه الأموال وفي أي قطاعات وما هو أثرها على المواطن؟ أسئلة مشروعة والإجابة عليها برسم أحمد الشرع.
للأسف لا توحي توجهات حكومة أحمد الشرع الاقتصادية بوجود فسحة من الأمل يعول عليها، حيث تخلت عن مسؤولياتها اتجاه الطبقات المهمشة كليا، فبدلا من تعزيز دور القطاع العام الذي يعتبر الضامن لحد أدنى لحياة الطبقات الفقيرة تسارع الحكومة المؤقتة لخصخصة مؤسسات الدولة الحيوية ولعل آخرها تصريح رئيس هيئة الاستثمار في سوريا أن الحكومة تدرس قرار خصخصة مستشفيات القطاع العام وما أثاره هذا التصريح من استياء لدى الرأي العام السوري. بدلا من تعزيز التنمية في القطاعات الحيوية التي تلبي حاجات المواطن الأساسية كالزراعة والطاقة والصحة والتعليم، يفاجئنا الرئيس المؤقت خلال جولته الأخيرة في أوروبا بتصريح يفيد بأن الاستثمارات ستتركز في السياحة والعقارات، ما يوحي بتوجه نحو اقتصاد ريعي يُهمل الأولويات المعيشية. هذا النهج يفاقم معاناة الفقراء، إذ ترتفع أسعار الغذاء، وتتدهور الخدمات، وتقل فرص العمل المستقرة، كما يزيد الاعتماد على قطاع هش، مما يعرضهم لصدمات اقتصادية ويعمق الفجوة الاجتماعية.
في المحصلة، لا يبدو أن الاستثمار الأجنبي، حتى إن تدفق، قادر على أن يشكل حلا حقيقيا للأزمة الاقتصادية التي يعيشها المواطن السوري في ظل الأوضاع المأساوية. كما أن اللبرلة العشوائية للسوق السورية التي تتبعها الحكومة المؤقتة ستعقد الأزمة بشكل أكثر ولن تشكل بيئة منتجة للاستثمار بقدر ما ستكون ساحة لمخاطر مرتفعة وعوائد محدودة. فقبل البحث عن جذب المستثمر الأجنبي، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا لبناء إنسان قادر على الإنتاج أولا، ثم الاستهلاك، بوصفه حجر الأساس لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي ومستدام.
كمي أبو كرم باحث في الشؤون الاقتصادية