أفكار وآراء

عندما تفقد المصداقية.. ماذا بقي لإدارة ترامب؟

من مقومات السلوك السياسي القويم للدول بشكل عام قيمة المصداقية والوضوح وعدم التناقض في المواقف والتصريحات، خاصة عند الحديث عن دولة كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية. وهناك نقاش جاد داخل الولايات المتحدة الأمريكية بين رجال الفكر والاستراتيجيا وكبار الصحفيين حول سلوك إدارة الرئيس الأمريكي ترامب -خاصة في فترته الحالية- من خلال نموذجي فنزويلا وإيران.

إن تعامل إدارة ترامب مع فنزويلا من خلال اختطاف الرئيس المنتخب مادورو، وهو سلوك أقرب إلى عمل العصابات المسلحة، وبين سلوك آخر من خلال شن الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية دون مسوغ قانوني أو أخلاقي، أو حتى من خلال صدور قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع. ومن خلال النموذجين الفنزويلي والإيراني وتبعات الاختطاف وشن الحرب يمكن متابعة جملة من التناقضات الصارخة لإدارة ترامب، سواء من خلال فقدان المصداقية أو من خلال الفشل في تحقيق أهداف الحرب، ونشوب أزمة اقتصادية وتجارية من خلال حصار واحد من أهم الممرات البحرية في العالم علاوة على التأثيرات الجيوسياسية الكبيرة، وتأثر سلاسل الإمداد، وارتفاع الشحن، وتعرض دول المنطقة لمخاطر حقيقية لها تأثيرات على أمنها القومي.

الإدارة الأمريكية الحالية -خاصة الرئيس الأمريكي ترامب- شنت الحرب بتحريض من المتطرف نتنياهو في حين رفض عدد من الرؤساء السابقين في الولايات المتحدة الأمريكية طلب نتنياهو؛ لأنهم أدركوا سياسيا فداحة شن الحرب، وما سوف تسببه من مشكلات كبيرة داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها -خاصة على صعيد التضخم وارتفاع أسعار البنزين على الشعب الأمريكي- علاوة على فقدان هيبة الدولة الأمريكية الأقوى في العالم حاليا.

تحولت الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى حرب استنزاف، وهي مسألة استراتيجية متوقعة في ظل عدم التكافؤ العسكري، كما لعبت الجغرافيا دورا محوريا في تشتيت الجهد الحربي الأمريكي. وقد أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى أن حروب الاستنزاف وضياع هيبة الدول الكبيرة والإمبراطورية تضعها أمام مفترق طرق. واستحضرت حرب السويس عام 1956 من خلال العدوان الثلاثي الذي قادته بريطانيا مع فرنسا والكيان الصهيوني، ومن خلال مسار تلك الحرب بدأت الإمبراطورية البريطانية في التآكل والانحدار حتى انتهت مع انسحابها من منطقة الخليج العربي في بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي. وعلى ضوء ذلك فإن مصداقية الإدارة الأمريكية ضُربت في مقتل بعد أن هاجمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرتين خلال المفاوضات التي كانت تتوسط فيها بلادنا سلطنة عمان بكل مصداقية وإخلاص ونزاهة، وكانت قاب قوسين من النجاح.

نستشهد هنا بتصريحات لافتة للمستشار الألماني، وهو أحد حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية عندما قال: إن إيران أذلت أمريكا. وكان تصريحا صادما لواشنطن، ولكنه حقيقي عندما دخلت قوة كبرى في حرب لم تكن ضرورية، ولا يوجد فيها تهديد للأمن القومي الأمريكي. وحتى عدد من القيادات العسكرية الأمريكية نصحت الرئيس الأمريكي ترامب بعدم خوض تلك الحرب التي سببت كوارث كبيرة للمجتمع الدولي على الصعيدين الأمني والاقتصادي، وعرضت الآلاف من المدنيين للموت في إيران ولبنان؛ حيث تتواصل الهجمات العدوانية الإسرائيلية على جنوب لبنان مع تكبد الكيان الإسرائيلي خسائر كبيرة وفشلا استراتيجيا.

الرئيس الأمريكي ترامب يعيش مأزقا كبيرا، ويبحث عن مخرج من خلال التهديد ومن خلال التناقض في التصريحات، ولا يقبل بالمرونة السياسية من قبل إيران من خلال الإطار التفاوضي الذي تتوسط فيه باكستان، وجهود مقدرة من عدد من الدول من بينها سلطنة عمان؛ حيث تتواصل الاتصالات واستقبال عدد من القيادات في مسقط لاحتواء حرب أصبحت عبئا على العالم.

عندما تفقد المصداقية تفقد هيبة الدول، وهذه من أساسيات السلوك السياسي. ويبدو لي أن الانتخابات النصفية للكونجرس في نوفمبر القادم قد تكون تصويبا جديا لتلك الممارسات غير الموضوعية لإدارة ترامب للوضع في الشرق الأوسط، وقد يكون سقوط الحزب الجمهوري في تلك الانتخابات على صعيد مجلسي النواب والشيوخ هو العقاب السياسي الذي قد يمارسه الناخب الأمريكي في ظل التدني المخيف لشعبية الرئيس الأمريكي ترامب في سابقة لم يصلها أي رئيس أمريكي، وهي نسبة تدور حول 35%.

معركة مضيق هرمز كانت الجولة الأهم استراتيجيا في خطة الاستنزاف الإيرانية للحرب في ظل الموقع الجغرافي، وكارثة السفن العالقة، وتخلي الحلفاء من أوروبا عن المغامرة الأمريكية -خاصة دولا مهمة كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا- علاوة على الدول الصديقة لإيران مثل الصين وروسيا الاتحادية التي رأت في الحرب استنزافا حقيقيا للولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد الاقتصادي، وعلى صعيد ضياع هيبة الدولة الأمريكية في مواجهة بين دولة كبرى ودولة نامية، وهي مفارقة سوف يتوقف عندها التاريخ العسكري للحروب.

إن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية لم تعد لها ملامح واضحة، بل أصبحت مزيجا من تناقضات يومية للرئيس ترامب مع الصحافة والإعلام الأمريكي، ومن خلال تهديدات يومية لا تتناسب مع هيبة ودور الولايات المتحدة الأمريكية الذي كان ينبغي أن يقود العالم إلى السلام العادل والشامل. ومن هنا؛ فإن انتخاب الرئيس الأمريكي ترامب في تصوري كان أحد الأخطاء الكبرى في تاريخ الانتخابات الأمريكية. وكما تمت الإشارة؛ فإن هناك جدلا كبيرا داخل الحزب الجمهوري حول حظوظ الحزب في انتخابات الكونجرس النصفية في نوفمبر القادم، وحتى في إطار انتخابات الرئيس الأمريكي القادم بعد انتهاء فترة الرئيس الأمريكي الحالي ترامب عام 2028؛ حيث يرى بعض أعضاء الكونجرس من الحزب الجمهوري أن هناك تصدعا كبيرا وأضرارا سوف تكون لها نتائج سلبية على حظوظ الحزب بسبب الحرب الأمريكية على إيران، والتداعيات التي يتحملها الشعب الأمريكي.

وعلى ضوء ذلك؛ فإن المخرج الوحيد للرئيس ترامب من خلال زيارته المرتقبة للصين أن يجد إطارا للخروج من المأزق الذي جرّه إليه نتنياهو. فهل من سبيل إلى الخروج من مأزق الحرب مع إيران، واستعادة شيء من هيبة الدولة الأمريكية ومصداقيتها في العالم؟ هذا هو السؤال الكبير الذي ينبغي أن يكون حاضرا في إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، خاصة أن دول العالم لم تعد راغبة في استمرار هذه الحرب الكارثية التي تورطت فيها الإدارة الأمريكية، كما أن مخاطر هذه الحرب على الملاحة البحرية كبيرة، ولعل الصورة في مضيق هرمز مفزعة للأمن والاستقرار في المنطقة.

ومن هنا؛ فإن هذه الحرب فقدت مصداقيتها، وليس هناك من مخرج سوى المفاوضات ودور الدبلوماسية التي ينبغي أن تعالج الأخطاء الكارثية لإدارة ترامب. كما أن الحلفاء في أوروبا أدركوا مبكرا أن الحرب عبثية، وأن الولايات المتحدة الأمريكية شنتها بالنيابة عن الكيان الصهيوني. وهي سابقة غير مسبوقة أن تقوم دولة كبرى عضو دائم في مجلس الأمن الدولي بشن حرب بالوكالة لصالح دولة احتلال. إنها مفارقة سياسية سوف تكون لها تبعات كبيرة على مصداقية وهيبة الدولة الأمريكية لعقود قادمة، وسوف تكون بالتأكيد مقدمة لانحدار آخر الإمبراطوريات في العصر الحديث.