أفكار وآراء

عُمان في نهضتها المتجددة بين التحديث والحداثة

الحديث عن الحداثة بالغ التعقيد، وليس من السهولة التكهن حوله، أو الحديث وفق انطباعات فردية. من المدرك عقلا وواقعا أن هناك تحولات في بنية التفكير، وبناء الإنسان في عُمان منذ 1970م، وقبل هذا العام تمثل في خروج العمانيين إلى العديد من الحواضر العربية التي بدأت باكرا في تحولها الحداثي، كبغداد والقاهرة ودمشق، وفي الخليج لاحقا كالكويت والمنامة، مما أحدث تدافعا ولو بطيئا في التفكير العماني، وتقبله لتحولات الحداثة، ولو في أنماطها التقليدية بعيدا عن جدلية الهوية والخصوصية الاجتماعية، إلا أن العوامل الخارجية أقوى بكثير من الخصوصيات المغلقة.

بينما التحديث المرتبط بالماديات، وإنشاء المدن، وما يتعلق بالإنسان في خارجه لا في ذاته كان أكثر سرعة بسبب ظهور النفط في المنطقة؛ فمنذ 1970م حتى 2020م اكتملت الخريطة التحديثية في عُمان، على الأقل في البنية التحتية، والضرورات التحديثية. لازمها أيضا العديد من الإخفاقات، ومنها الفساد الإداري والمالي. على سبيل المثال في العقدين الأخيرين من المرحلة السالف ذكرها، كان هناك عشوائية في المخططات السكانية بعيدا عن جوهر التخطيط الحضري وأنسنة المدن.

نجد في الأدبيات القديمة اهتماما بحدود الطرق، وعدم جواز تعديها، يقول أبو العباس الفرسطائي النفوسي (ت: 504هـ) في كتابه «القسمة وأصول الأراضين»: «وحريم الطريق هو نفسه لا غير على اختلاف صفاته؛ فأولها طريق الرجالة – أي المشاة -، وحريمه ثلاثة أذرع، ثم يليه طريق وحريمه السقاية، وهو خمسة أذرع، ثم الحطابة خمسة مثلها، ومنهم من يقول الحطابة ستة أذرع... وطريق محامل الحمير والزنابل والغرائر، والروايات سواء وهو سبعة أذرع...، وهكذا فصل في طريق الجمال مع ما يحمل عليها فجعلها اثني عشر ذراعا، والمواشي أربعين ذراعا من الماء إلى المرعى، وقوافل الحجاج أربعين ذراعا» بينما نجد في العديد من المخططات الحديثة لا يوجد حد لطريق المشاة فضلا عن طرق الدراجات، بل فضلا عن أنسنة المخطط أو المربع ذاته.

في النهضة المتجددة في عُمان من 2020م حتى اليوم وقت كتابة المقال من عام 2026م بدأت العديد من المراجعات على رأسها مفهوم التوسع العمراني الذي بدأ ينتقل من كونه تخطيطا أفقيا عبارة عن قطع فضاء توزع للبناء والسكنى إلى كونه مشروعا وفق صناعة المدينة الملازم لصناعة الإنسان وفق أنسنة التخطيط، أي الغاية هو الإنسان بما يحتاج إليه من ضرورات وحاجيات وجماليات، وليس الغاية هو الحجر وعشوائية التوزيع؛ لهذا بدأ التحديث البنائي في عُمان ينتقل من العشوائية والمحسوبيات إلى التحديث الحضري، وأنسنة التحديث ذاته، وهي خطوة مهمة إذا ما أحسن استثمارها فستكون هناك نقلة تحديثية في العقود القادمة.

مثال ذلك مشروع «مسقط الكبرى» الذي أشهر قبل أيام قليلة الذي يعد من أهم المشاريع الحضرية الذي ينقل المحافظة إلى مرحلة تحديثية مباينة تماما؛ فمسقط جغرافيا تجمع بين جمال الطبيعة المتناغمة بين الجبل والبحر، وشهر الشتاء فيها يحمل أجواء تجذب السائح لديها، بيد أنها – كما أسلفت – وفق المخطط التحديثي الأول لم تكن رؤيتها طويلة الأمد، وواسعة النظر، ومتعددة الغايات؛ لهذا مرت بتحولات آنية، ومعالجات هامشية نتيجتها ما نراه اليوم من عشوائية التحديث في العاصمة ذاتها خلقت خللا في النقل والخدمات والسياحة وحتى الاستثمار.

لا شك أن مشروع «مسقط الكبرى» سيواجه تحديات تحديثية؛ فمن السهل أن تبني مدينة جديدة من الصفر كما حدث في إسلام آباد في باكستان التي انتقلت إليها العاصمة عام 1959م بعدما كانت في كراتشي، لتصبح اليوم تخطيطا حضريا من أجمل عواصم العالم. ومثل ذلك آستانة عاصمة كازاخستان انتقلت إليها العاصمة عام 1997م بعدما كانت في ألماتي، وأصبحت آستانة اليوم من المدن الحضرية الجميلة والمؤنسنة في العالم. فليس من السهولة الجمع بين العواصم التأريخية ذات البعد السياحي، وبين العاصمة الإدارية المؤنسنة ذات التخطيط الحضري المعاصر؛ فهذا يحتاج إلى تحديات تحديثية كبيرة، ومسقط ليست مدينة حديثة، بل هي مدينة ضاربة في التأريخ، وذات بعد سياحي وجغرافي يميزها قديما وحديثا.

إن نجاح مشروع «مسقط الكبرى» – بعونه تعالى – لن ينتج عنه جوانب تحديثية حضرية إيجابية فحسب، بل يسهم في الدفع بعجلة الحداثة الحافظة على خصوصية الذات، لكنها منفتحة إيجابا وبشكل طبيعي على الآخر. بيد أن نجاحها أيضا لا يمكن أن يتحقق بدون وجود حداثة في داخلها ملازمة لها؛ لأن الحداثة هي من تصنع التحديث، وكلما وجد تطور في الحداثة سيوجد تطور بشكل إيجابي في التحديث؛ لأن الحداثة مرتبطة بالإنسان الذي يصنع التحديث هو الإنسان ذاته الذي يعيش واقعه وعالمه المعاصر، وليس الحجر أو التأريخ المغنى به.

وعُمان تنتظر في نهضتها المتجددة افتتاح مجمع عُمان الثقافي بأجنحته الرئيسة الثلاثة: المسرح الوطني، والمكتبة الوطنية، وهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، وبخدماته الثقافية الأوسع من حيث التفاعل الحداثي الذي – إن أحسن استثماره – سوف يسهم في الحداثة العمانية المعاصرة.

وهناك عوالم عديدة تصنع الحداثة على رأسها إصلاح التعليم والمؤسسات التعليمية من التمهيدي حتى المؤسسات الجامعية. ومنها وجود مراكز بحثية واستراتيجية ناقدة ومتفاعلة وفق أجواء من حرية البحث والنقد. ومنها وجود مراكز ثقافية متنوعة، ومراكز الاختراع والابتكار، وتشجيع المواهب الشبابية عقليا وثقافيا ورياضيا واجتماعيا. ومنها التشجيع على التنوع، وخلق مجتمع مدني متفاعل، وإعلام حر ناقد.

جميع هذا وما شابهه يخلق حداثة عميقة ومتنوعة في الوقت ذاته، ولا يجعل المجتمع على صورة واحدة؛ لأن الصورة الواحدة تقتل الإبداع والحداثة معا، لهذا نجاح التحديث في عُمان المتجددة لا بد أن يلازمه نجاح في الحداثة، ولا يكتفى فقط عند التحديث المادي؛ فالإنسان هو الصانع ابتداء، فنجاح التحديث دليل على وجود حداثة ناجحة.