أفكار وآراء

الخطاب الإعلامي العماني في زمن التعبئة

رغم مرور أكثر من شهرين على بدء العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وما تلاه من هدنة شكلية وتفاوض يبدو حتى الآن عبثيا؛ ما زال الإعلام العربي بوجه عام والخليجي منه على وجه الخصوص يعاني من حالة الانفصام وازدواجية المعايير التي جعلته في واد وجمهوره في واد آخر، وبدا المشهد للناظر إليه من بعيد مرهقًا للطرفين.

وتظهر ملامح هذا الانفصام في المعلومات والآراء المتضاربة التي تبثها بعض المنصات الإعلامية في اليوم الواحد، وربما في النشرة أو البرنامج الإخباري الواحد. وأصبحنا كما لو أننا نعيش حروبا إعلامية متوازية. ويعكس ذلك عدم وجود رؤية إعلامية واضحة للتعامل مع حرب طالت الأراضي العربية، وتتصارع فيها أطراف خارجية يسعى كل منها إلى تحقيق مصالحها حتى وإن كانت على حساب أمن واستقرار المنطقة.

المتابع للفضائيات الإخبارية والمنصات الإعلامية العربية يمكن أن يلاحظ دون عناء أن عناوين الأخبار المتصلة بالحرب والمفاوضات أصبحت أكثر حدة، والتحليلات أكثر انفعالًا، وتقلصت تدريجيا مساحة الهدوء بفعل السباق الكبير على جذب الانتباه وزيادة نسب المشاهدة.

وسط هذا الضجيج المزعج كان من الطبيعي أن أتوقف عند الخطاب الإعلامي العُماني الذي اختلف عن كثير من الخطابات الإعلامية العربية السائدة، ونجح في تقديم مقاربة إعلامية ذات خصوصية خلال الأزمة قامت على وضوح المواقف، واختيار المفردات المناسبة، والتعامل المتزن مع كل تصعيد عسكري أو سياسي.

يمكن القول: إن الخطاب الإعلامي العُماني اتسم بهدوء واضح منذ الأيام الأولى للحرب حتى يومنا هذا، ولم تظهر فيه حالة التعبئة والانفعال التي سيطرت على أجزاء واسعة من الإعلام الإقليمي، وركز بصورة أكبر على الدعوة إلى التهدئة والحلول السياسية، والتحذير من اتساع دائرة الصراع، وهي مفردات ارتبطت منذ سنوات السياسة العُمانية في المنطقة.

لقد بدا واضحًا منذ الأيام الأولى للحرب أن غالبية وسائل ومنصات الإعلام العربية انشغلت بتصفية الحسابات السياسية، وتبادل الاتهامات أكثر من انشغالها بتقديم تغطية مهنية متوازنة تقترب من الموضوعية، وألزمت نفسها بالاصطفاف وراء السرديات الرسمية للأنظمة السياسية. ومع تصاعد العمليات العسكرية ارتفعت حدة الخطاب الإعلامي تدريجيًا، واتسعت مساحة الانقسام والتحليلات الانفعالية على حساب القراءة المتزنة لما يجري في الميدان وفي المسارات السياسية المرتبطة بالحرب.

في تقديري أن الإعلام العربي وفي مقدمته الإعلام الخليجي بفعل الصدمة التي أحدثها الرد الإيراني تعامل مع الحرب والمفاوضات بوصفها معارك إعلامية مفتوحة تستدعي الاصطفاف والتعبئة. وأسهمت بعض القنوات والمنصات في رفع مستوى التوتر عبر استخدام لغة حادة ومشحونة بالانفعال.

وسط هذا المناخ الإعلامي المشحون اتخذ الخطاب الإعلامي العُماني مسارًا مختلفًا في طريقة توصيف الحرب والتعامل مع تطوراتها العسكرية والسياسية والاقتصادية. وبدا هذا الخطاب أقل انفعالًا من المزاج الإعلامي السائد في المنطقة. وتميزت التغطيات الإعلامية العُمانية في المواد الإخبارية ومواد الرأي بأسلوب رصين، وحذر لغوي واضح، وتركيز أكبر على الأبعاد السياسية والدبلوماسية للأزمة. وابتعدت اللغة المستخدمة في كثير من المعالجات الإعلامية العُمانية عن مفردات التحريض والتعبئة التي سيطرت بقوة على قطاعات واسعة من وسائل ومنصات الإعلام العربي. وقد ظهر ذلك بوضوح في طريقة توصيف وتأطير الحرب نفسها باعتبارها «عدوانًا على إيران»، ووصف الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، خصوصًا تلك التي استهدفت مواقع ومنشآت مدنية بأنها «غير مبررة» و«تنتهك القانون الدولي» مع التأكيد على خطورة التصعيد العسكري المتبادل على أمن دول المنطقة واستقرارها، وهي تعبيرات حملت موقفًا سياسيًا واضحًا، تم التعبير عنه بلغة هادئة ومحسوبة.

وطوال أيام الحرب حتى اليوم وفي ظل الأنباء المتضاربة حول نجاح المفاوضات وتعثرها ما زال الإعلام العُماني يؤكد أهمية «استمرار التفاوض» و«عدم العودة إلى الحرب»، ويدعو الطرفين الإيراني والأمريكي إلى «تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية». وتتكرر هذه المفردات الداعية للسلام واستقرار المنطقة بصورة يومية في التغطيات والتصريحات الرسمية، وفي تناول الإعلام الوطني للأزمة.

من الضروري هنا أن نشير إلى أن هذا الاتجاه لم يقتصر على الخطاب الإعلامي، وامتد إلى الخطاب الديني والمجتمعي داخل عُمان؛ ففي الأيام الأولى للحرب أدان سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان «العدوان الصهيوني الأمريكي الغادر على إيران»، ودعا المسلمين و«ذوي الضمائر الحية» إلى الوقوف في وجهه، وحذر من اتساع دائرة الصراع، وخطورة «انجرار دول المنطقة إلى صراعات تضرب مصالحها واستقرارها». وبعد إعلان الهدنة واستئناف الحديث عن المفاوضات استمرت الدعوات العُمانية الرسمية وغير الرسمية في التركيز على ضرورة تجنب العودة إلى الحرب، والحفاظ على أمن المنطقة، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي التي عادة ما تتحول أثناء الحروب إلى ساحات مفتوحة للاستقطاب غلب على جانب مهم من التفاعلات العُمانية خطاب يدعو إلى السلام ووقف الحرب، وتجنب اتساع دائرة الصراع. وحضرت بصورة لافتة في تغريدات وملصقات الحسابات العُمانية مفردات مثل «استقرار المنطقة» و«تغليب لغة الحوار» و«رفض التصعيد»، وهو ما عكس إلى حد كبير طبيعة المزاج العام داخل المجتمع العُماني تجاه الأزمة. واللافت في الأمر أن الخطاب العُماني الشعبي على هذه المنصات رغم الاستفزازات لم ينجرف وراء موجات التحريض والانقسام التي اجتاحت بعض المنصات العربية خلال الحرب. ففي ذروة الاستقطاب الإعلامي حافظ العُمانيون على قدر من الاتزان السياسي، حتى وهم يعبرون عن موقفهم الرافض للحرب والتصعيد العسكري.

وإذا كان الانشغال بالحرب يبدو طبيعيا من الناحية الإعلامية فإن انشغال الإعلام العُماني الكبير بملف المفاوضات التي تراوح مكانها وتواجه عقبات أمريكية كثيرة ومفتعلة لا يبدو مفاجئًا لمن يعرف طبيعة الدور العُماني في المنطقة خلال العقود الماضية، سواء في ملفات الوساطة أو تخفيف التوترات أو الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة بين الأطراف المختلفة. وقد رأينا ذلك في استقبال جلالة السلطان هيثم بن طارق- حفظه الله ورعاه- للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الخميس الفائت في نفس يوم زيارته لدولة الإمارات. واللافت سياسيا وإعلاميا أن الخطاب المصري في مسقط سيطرت فيه مفردات «التفاوض» و«الحوار» و«احتواء التصعيد».

ربما لهذا السبب حظي الخطاب الإعلامي العُماني باهتمام ملحوظ لدى قطاعات واسعة من الجمهور الخليجي والعربي خلال الحرب، خصوصًا بين المتابعين الذين شعروا بالإرهاق من حالة الاستقطاب والانفعال التي سيطرت على أجزاء واسعة من الإعلام الإقليمي. فوجود خطاب أكثر هدوءًا واتزانًا بدا بالنسبة للبعض مساحة مختلفة لفهم أبعاد الأزمة بعيدًا عن الضجيج السياسي والإعلامي اليومي.

نعلم أن الحفاظ على هذا النوع من الخطاب الإعلامي المتزن أصبح أكثر صعوبة في البيئة الرقمية الحالية، ومع ذلك فإننا ندرك أن مشكلة الحرب الحالية لم تعد عسكرية وسياسية واقتصادية فقط، وأصبح جزء منها إعلاميًا بامتياز بفعل الضجيج الإعلامي المصاحب لها. فالكثير من الحروب والأزمات أصبحت تُدار بالكلمات والصور والمقاطع المصورة، وليس فقط بالقرارات السياسية والعسكرية.

تبدو المنطقة اليوم بحاجة إلى قدر أكبر من التهدئة الإعلامية. وهنا تظهر أهمية التجربة الإعلامية العُمانية في قدرتها على الحفاظ على قدر كبير من الاتزان في التعاطي مع لحظة إقليمية شديدة التوتر، وهي مهمة ليست سهلة في هذا المناخ الإقليمي والعالمي المشحون.