أفكار وآراء

أمريكا أقوى من إيران فلماذا لم تهزمها؟

ترجمة: قاسم مكي

لماذا لا يستطيع البلد الأقوى في الكوكب أن يُخضِع لإرادته بلدا أصغر وأضعف منه بقدر كبير بعدما أنهكته العقوبات الاقتصادية والضربات العسكرية؟ من ناحية ما فأبسط طريقة لفهم مشكلة أمريكا في حرب إيران هي استخدام نظرية الألعاب.

الرئيس ترامب قرر ممارسة لعبة «الجبان» مع إيران. تصوروا سائقيَن يقود كل منهما سيارته بسرعة ومباشرة نحو الآخر. في مثل هذه الحالة إذا كان الرهان لأحد الطرفين وجوديا (مسألة حياة أو موت) وللطرف الآخر أقل من ذلك سيفوز صاحب الرهان الأعلى في العادة.

(يماثل الكاتب المواجهة بين أمريكا وإيران بمواجهة في لعبة التحدي بين هذين السائقين. في هذه اللعبة أول من يخاف وينحرف بسيارته عن مسارهما التصادمي يعتبر الجبان؛ وبالتالي الخاسر - المترجم).

إذا خسر النظام الإيراني فالاحتمال كبير أن يعني ذلك إسقاطه والقضاء عليه. أما إذا خسر ترامب سيكون ذلك (ليس أكثر من قضاء) إجازة نهاية أسبوع سيئة في منتجع مارا لا جو. لذلك من اليسير أن نرى لماذا سيكون الإيرانيون أكثر استعدادا لتثبيت عجلة القيادة (عدم الانحراف بالسيارة عن مسار الصدام) في لعبة الجبان تلك.

لكن هنالك سبب أوسع نطاقا للصعوبة التي وجدتها الولايات المتحدة في التعامل مع إيران، وهو لا يتعلق فقط بترامب، وبهذه الحرب الأخيرة سيئة التخطيط.

منذ تولِّى النظام الإسلامي الحكم في إيران كانت أمريكا حائرة بين أمرين؛ فهي من جهة لديها قضايا معينة كانت تريد إيجاد حلول لها، وتتراوح من إعادة الرهائن إلى فرض قيود نووية. ومن الجهة الأخرى تريد إسقاط النظام، وليس فقط التفاوض معه. وهنالك توتُّر بين هذين الموقفين استمر عبر السياسة الخارجية الأمريكية لما يقارب نصف قرن. فهل تريد واشنطن تغيير سياسات معينة تتَّبعها إيران أم تريد تغيير إيران؟

إذا تفاوضت واشنطن مع طهران فسيكون هنالك حتما أخذ وعطاء. ستكون هنالك تنازلات من كلا الجانبين وبعض التخفيف للعداوات. وفوق كل شيء ستضفي الحكومة الأمريكية بتفاوضها مع الجمهورية الإسلامية درجة معينة من الشرعية عليها. وستتعامل معها كشريك مفاوضات جاد وتقبل بتمثيلها لإيران على الساحة الدولية.

لكن ذلك القبول لن يكون مريحا لبعض النخب الأمريكية التي تشعر بأن الجمهورية الإيرانية غير شرعية، ويجب ألا توجَد، وسياسة واشنطن الوحيدة تجاهها يجب أن تكون إسقاطها.

مع ذلك هنالك أشياء تريدها واشنطن وإيران فقط هي التي يمكن أن تحققها. هذا هو السبب الذي جعل حتى الرئيس رونالد ريجان يجد نفسه يتفاوض سرا مع القادة الإيرانيين في حين كان يدينهم علنا.

يمكننا مشاهدة هذا التوتر يوميا تقريبا في سياسة ترامب تجاه إيران؛ فهو يهدد في إحدى التدوينات على وسائل التواصل الاجتماعي بتدمير الحضارة الإيرانية وإنهاء 47 عاما من الشر.

وفي تدوينة أخرى في نفس اليوم يتحدث عن التقدم الذي يتحقق في المفاوضات مع إيران.

ترامب يدخل في المفاوضات ويبدو متفائلا بالتوصل إلى اتفاق مع إيران. وبين جولاتها يبدأ حربا مع طهران ويحث الإيرانيين على إسقاط حكومتهم، ثم خلال أقل من أسبوع لاحقا يعود إلى الوعد بأن إيران سيكون لديها مستقبل مشرق إذا قبلت بمطالبه.

كان لدى الولايات المتحدة موقف متناقض على نحو شبيه تجاه الاتحاد السوفييتي؛ فبعد تولي الشيوعيين الحكم في روسيا في عام 1917 قطعت واشنطن علاقاتها معه، بل حتى حاولت بطرائق محدودة إسقاطه. ومرت فترة تقارب 16 عاما قبل أن يعترف الرئيس فرانكلين روزفلت بوجوده وتبادل السفراء مع موسكو.

ثم عاد التوتر مجددا بعد الحرب العالمية الثانية؛ ففي السبعينيات تم التشهير بسياسة المفاوضات مع الاتحاد السوفييتي التي اتبعها (وزير الخارجية وقتها) هنري كيسنجر من جانب اليمين؛ لأنها اعتُبرت تعزيزا لمكانة امبراطورية شريرة.

كان رد كيسنجر دائما أن أمريكا تعارض الاتحاد السوفييتي إيديولوجيَّا، لكن أيضا لديها مصالح وطنية معينة كالسيطرة على الأسلحة النووية لا يمكن رعايتها بدون اتفاقيات مع موسكو.

المماثل لكيسنجر في الجدل حول إيران كان الرئيس باراك أوباما. إدارة أوباما هي التي اتخذت خيارا؛ فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ربما تفضل نظاما آخر في إيران، إلا أنها قررت ضرورة التعامل مع النظام الحالي لمعالجة الخطر الأعظم على المصالح الوطنية لأمريكا. وكان هذا الخطر كما في حالة الاتحاد السوفييتي يتعلق بالأسلحة النووية.

كان الاتفاقُ النووي الإيراني مسعىً للتخلص من أخطر عنصر في السياسة الخارجية لإيران وتحييده. نجحت إدارة أوباما في ذلك، لكن بالنسبة للعديدين في اليمين كان الثمن هو أنها بمعنى ما أضفت شرعية على النظام.

لذلك سحب ترامب الولاياتِ المتحدة من الاتفاق، وهذا ما قاد إلى إضعاف صدقية الرئيس حسن روحاني، وعودة المتشددين في طهران، وتنشيط برنامج التخصيب الإيراني.

أعاد ذلك ترامب الى نفس المعضلة؛ فهل يعقد اتفاقا مع إيران، أم يختار المواجهة؟

في هذه اللحظة من الواضح أن ترامب يريد اتفاقا، لكن بعقد هذا الاتفاق قد ينتهي به المطاف إلى منح الجمهورية الإسلامية ما ظلت تسعى إليه طوال 47 عاما، وهو القبول غير المشروط بها حتى من العناصر الأكثر تشددا في الولايات المتحدة. بالنسبة لطهران تلك جائزة تستحق تقديم العديد من التنازلات.

فريد زكريا كاتب رأي في صحيفة واشنطن بوست ومقدم برنامج يتناول القضايا الدولية والشؤون الخارجية على شبكة سي إن إن

عن واشنطن بوست