كراسي السلطان هيثم.. حين تتحول المعرفة إلى سياسة دولة
الاثنين / 23 / ذو القعدة / 1447 هـ - 22:48 - الاثنين 11 مايو 2026 22:48
تؤكد المبادرة الوطنية «كراسي السلطان هيثم» في مؤسسات التعليم العالي، التي أعلن عنها أمس، ملامح المسار التنموي الذي يخطه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه. إنه مسار يضع المعرفة في قلب البناء الوطني ويحولها من قيمة أكاديمية إلى قرارات وسياسات وتقنيات ومشروعات.
في جوهرها، تمثل المبادرة محاولة لإعادة تحديد موقع البحث العلمي داخل الدولة؛ فالبحث العلمي ينتقل من رفوف المكتبات والمجلات المتخصصة إلى قلب صناعة الحلول الاقتصادية والاجتماعية والتقنية. وصار على الجامعات أن تقترب أكثر من أسئلة البلاد الكبرى حول الطاقة والمياه والأمن الغذائي والمدن والصحة والتقنيات المتقدمة وسوق العمل. وهذه الأسئلة تحتاج إلى مختبرات وفرق بحث وتمويل مستقر وشراكة ذكية بين الدولة والجامعات والقطاع الخاص.
ويحمل إطلاق «كرسي السلطان هيثم للتقنيات المتقدمة»، بوصفه أول كرسي ضمن البرنامج دلالة واضحة على اتجاه المبادرة ومستواها البحثي؛ فالتقنيات المتقدمة هي المجال الأكثر تنافسا بين الدول والساحة التي يعاد فيها تشكيل موازين القوة الاقتصادية والمعرفية. لقد أصبحت لغة جديدة للإنتاج والإدارة والمنافسة ومن يتأخر عن امتلاك أدواتها يظل في موقع شراء ما ينتجه الآخرون، واستخدام حلول صُممت في بيئات مختلفة ووفق مصالح مختلفة.
من هنا تبدو قيمة البرنامج في أنه يدفع الجامعات إلى التقدم نوعيا؛ فالتنافس على احتضان الكراسي البحثية يمكن أن يحفز مؤسسات التعليم العالي على مراجعة قدراتها الفعلية المتمثلة في جودة الباحثين وكفاءة المختبرات وقوة الشراكات والقدرة على تحويل السؤال العلمي إلى تطبيق عملي.
وهذا هو الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة؛ فالكراسي العلمية تصنع أثرها بما تنتجه من معرفة نافعة. ويظهر هذا الأثر حين تقترب من حل مشكلة قائمة أو ترفع كفاءة قطاع إنتاجي أو تنتج براءة اختراع أو تمنح صانع القرار معرفة أدق من الانطباع وأصلب من التخمين، عندئذ تصبح الجامعة جزءا من جهاز التفكير الوطني.
وإذا كانت «رؤية عُمان 2040» قد وضعت اقتصاد المعرفة ضمن أفق التحول الوطني، فإن مثل هذه البرامج تمنح ذلك الأفق جسده العملي. فالرؤى الكبرى تحتاج إلى مؤسسات وسيطة تحملها إلى الواقع وهذا يحدث عبر الكراسي البحثية والمختبرات والفرق العلمية البحثية وقواعد بيانات.. بهذه الأدوات تتحول الرؤية من لغة عامة إلى قدرة تراكمية.
وتكمن أهمية أخرى للبرنامج في أنه يمنح المعرفة بعدا سياديا؛ فالدول لا تستطيع أن تعتمد إلى ما لا نهاية على الخبرة المستوردة. التعاون الدولي ضرورة والانفتاح العلمي قوة غير أن الدولة التي لا تبني كفاءتها البحثية الداخلية تظل أكثر عرضة للكثير من التقلبات. وامتلاك قدرة وطنية على البحث والتطوير يعني الدخول إلى العالم من موقع أكثر ثقة.
لذلك تحمل مبادرة «كراسي السُّلطان هيثم» إشارة عميقة إلى التحول المعرفي الذي تريده عُمان، فهي تقول إن الجامعة لم تعد على هامش التنمية، وإن البحث العلمي صار شرطا من شروط قوة المؤسسات، وإن الدولة التي تريد صناعة مستقبلها تبدأ أولا بتنظيم عقلها العلمي.