أفكار وآراء

في عالم ما بعد الحرب.. الشبكات ستدير الدول بدلا من القوة!

ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني

على مدى العصور الماضية، سمعنا عن كثير من الإمبراطوريات التي نشأت ثم سقطت بعد ذلك، وهناك سببان مشتركان في سقوط تلك الإمبراطوريات، ورغم مرور السنوات وانقضاء القرون لا تزال تلك الأسباب هي ما تؤدي إلى الانهيار، يتمثل السبب الأول في التوسع المبالغ فيه، والسبب الآخر في الضغوط الاقتصادية التي تحل بها.

كذلك هناك أسباب لقيام الإمبراطوريات، ولكنها أسباب لم تعد صالحة، وعلى سبيل المثال نذكر الإمبراطورية البريطانية، والتي تُعرف كذلك باسم «بريتانيكا»، وهي كلمة لاتينية، فقد قامت الإمبراطورية البريطانية من خلال سيطرتها على الممرات المائية إلى جانب التمويل العالمي، وهو ما ساعدها على الهيمنة العالمية رغم كونها دولة جزرية، لكن سيطرتها على النظام المالي العالمي، حتى أصبحت لندن مركزًا لسوق رأس المال العالمي، جعل منها إمبراطورية حافظت على هيمنتها على مدى قرون من الزمن، حتى بلغت من القوة ما مكّنها من تمويل الحروب لصالحها.

ومن الأمثلة الأخرى الهيمنة الأمريكية، فقد تأسس نظام «باكس أمريكانا» بعد الحرب العالمية الثانية، وهو نظام قائم على السيطرة على الأسواق العالمية عبر الاحتياطي الفيدرالي ونظام «بريتون وودز»، وهو نظام مالي عالمي نشأ عام 1944 ربط الدولار الأمريكي بعملات عالمية عديدة، واستمد الدولار قوته من ارتباطه بالذهب، ومما زاد من الهيمنة الأمريكية السيطرة الثقافية من خلال «هوليوود» وتصدرها الساحة الإعلامية العالمية، إلى جانب دعمها لأكثر من 800 قاعدة عسكرية خارج حدودها.

على مدى أكثر من سبعة عقود، شكّلت هيمنة السوق والإعلام والقوة العسكرية ركيزة أساسية لبقاء الإمبراطورية الأمريكية، لكنها اليوم في تراجع كبير، وذلك بسبب تزايد الديون التي وصلت إلى 36 تريليون دولار، والاستقطاب الاجتماعي الحاد، إلى جانب تزعزع الثقة في مؤسسات النظام القائم على القواعد.

وهنا يُطرح تساؤل مهم، على ماذا سيُبنى السلام القادم؟

من المؤكد أن النظام العالمي القادم لن يكون نموذجًا مكررًا من الماضي، فالتاريخ أثبت أن الهيمنة العالمية لا تبقى إلى الأبد، ولا تسير وفق مسار ثابت، بل تتغير مع الزمن، إذ شهد كل عصر شكلا مختلفا من القيادة العالمية، سواء كانت قائمة على المؤسسات، أو الحقائق الاستراتيجية، أو الأنظمة، أو القدرات التقنية، أو تحديات المرحلة.

في الماضي، رأينا إمبراطوريات استمدت قوتها من السيطرة على الممرات المائية أو على النظام المالي العالمي، أما اليوم فنحن أمام شكل آخر من القوة المهيمنة، قوة مستمدة من الشبكات الرقمية والاتصالات، وباختصار، ستواصل القيادة العالمية تطورها في عالم سريع التغير، فالقوة الجديدة أصبحت أكثر توزيعا، لكنها أكثر تمركزا في نقاط النفوذ، وتُقاس بمراكز التأثير، لذلك برزت قوى متنافسة جديدة مؤثرة في اتخاذ القرار داخل الدول العظمى.

وهنا مثال آخر على هذا الشكل الجديد من الهيمنة، وهي إسرائيل، الكيان الصغير في مساحته، لكنه يتصدر الكثير من المجالات الحيوية لتكنولوجيا العالم الحديث، بما في ذلك الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والدفاع التكنولوجي المتقدم المدعوم بقوة استخباراتية متطورة للغاية.

ورغم صغر مساحة الكيان وقلة عدد سكانه، فقد طور نظامًا بيئيًا متقدمًا للغاية في البنية التحتية السحابية، ونمذجة الذكاء الاصطناعي، وسلسلة توريد أشباه الموصلات، وكابلات البيانات تحت البحر، إلى جانب قدرات سيبرانية هائلة جعلته من أكثر الكيانات تأثيرًا من الناحية الجيوسياسية.

إلى جانب ذلك، فإن التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، المدعوم بمبادرات التعاون الإقليمي مثل «اتفاقيات أبراهام»، ساهم في توسيع نفوذه.

وفي هذا الإطار العالمي الجديد، لم يعد النفوذ مرتبطًا بحجم الدولة بقدر ارتباطه بقدرتها على الاتصال عبر شبكات الابتكار ورؤوس الأموال والشراكات، وبمعنى آخر، قد لا تحكم إسرائيل العالم بالمفهوم التقليدي، لكنها قد تدير نظام التشغيل الذي يعمل من خلاله العالم.

في الجغرافيا السياسية اليوم، أصبحت الدول تتنافس لتكون منصات تعتمد عليها الدول الأخرى، وشبكات لا يمكن تجاوزها، وأنظمة يجب على الدول الارتباط بها، وليس مثل السابق حينما كانت الدول تتنافس فقط على الأراضي والمساحات الجغرافية.

ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن مفاهيم القوة التقليدية لم تختفِ بشكل مطلق، لكنها أصبحت أكثر صلابة من السابق، ويُعدّ النموذج الروسي أبرز مثال على ذلك.

فروسيا تتبع نهجًا أكثر تقليدية في تعريف القوة، ولا تزال تركز على النفوذ الجغرافي، والقدرات العسكرية، والعمق الاستراتيجي الإقليمي، فهي تمارس دور الموازن أو المعرقل، بحسب زاوية النظر، سواء بالقرب من حدودها كما في أوكرانيا، أو خارجها كما في سوريا، كما تبنت أسلوبًا قياديًا قائما على مركزية الدولة، واستخدام الطاقة كورقة نفوذ، وإظهار القوة العسكرية.

ورغم أنها لا تمتلك نظامًا بيئيًا رقميًا قويًا مقارنة ببعض الدول الأخرى، فإن روسيا تعوض ذلك من خلال موقعها الجغرافي، ومواردها الطبيعية، وقدراتها الدفاعية.

إن الانقسام الجيوسياسي الناشئ اليوم ليس بالبساطة التي يراها البعض باعتباره صراعًا بين الشرق والغرب، أو بين الديمقراطية والسلطوية، فهو انقسام أكثر عمقًا وتركيبًا.

نحن أمام نموذجين مختلفين، أحدهما يركز على أولوية الشبكات، كالبيانات والتكنولوجيا والاعتماد المتبادل، بينما يركز الآخر على الجغرافيا، من حيث الأراضي والموارد والسيطرة المادية، غير أن هذين النموذجين لا يتنافسان فحسب، فإلى جانب التنافس يعمل كل منهما وفق منطق مختلف، وهو ما يجعل الاحتكاك بينهما أمرًا حتميًا، وليس مجرد خلاف سياسي عابر.

إنهما طريقتان مختلفتان جذريًا في ممارسة القوة، وهذا ما يقود العالم إلى واقع لا يمكن وصفه بأنه أحادي القطبية أو متعدد الأقطاب بشكل كامل، فهو عالم أكثر تفتتًا وسيولة، قائم على شبكات متداخلة من الأنظمة، بدلًا من هرمية الدول التقليدية.

ما ينتظر العالم مستقبلاً لن يشبه على الأرجح أي نموذج سابق قائم على هيمنة منفردة، فالدول تتجه نحو نظام عالمي تحكمه المنافسة في القدرات التكنولوجية، والصراع على طرق التجارة، والحروب منخفضة الظهور في الفضاء السيبراني.

لكن الخطر الحقيقي يكمن في سوء فهم المرحلة لا بالتنافس، فالدول التي لا تزال تفكر وفق مفاهيم القوة في القرن العشرين، من حيث المزيد من الأراضي، والمزيد من الجيوش، والمزيد من الإنتاج، ستكون أمام مخاطر كبيرة.

لقد تغيرت القواعد، ففي النظام العالمي الجديد يكفي أن تصبح في مركز الطريقة التي يعمل بها كل شيء، فالدول لم تعد بحاجة إلى السيطرة على كل شيء حتى تقود العالم.