كش ملك في إيران
ترجمة: أحمد شافعي
الاثنين / 23 / ذو القعدة / 1447 هـ - 20:49 - الاثنين 11 مايو 2026 20:49
يصعب على المرء أن يتذكر زمنا عانت فيه الولايات المتحدة من هزيمة كاملة في صراع، أو انتكاس يبلغ من الحسم أنه لا يمكن تعويض الخسارة الاستراتيجية أو تجاهلها. فالخسائر الكارثية التي منينا بها في بيرل هاربر وفي الفلبين وفي غربي المحيط الهادئ خلال الأشهر الأولى من الحرب العالمية الثانية تبدلت إلى نقيضها في نهاية المطاف. وهزائم فيتنام وأفغانستان كانت باهظة التكلفة لكنها لم تلحق ضررا دائما بوضع أمريكا الكلي في العالم، لأنها كانت على مبعدة من المسارح الرئيسية للمنافسة العالمية. أما الفشل الأولي في العراق فخفّت حدته بتغير في الاستراتيجية ترك العراق في نهاية المطاف وقد بات مستقرا نسبيا وغير مهدِّد لجيرانه وحافظ للولايات المتحدة على سيطرتها في المنطقة.
لكن الهزيمة في المواجهة الحالية مع إيران سوف تكون ذات طبيعة مختلفة تمام الاختلاف. إذ لا يمكن إصلاحها أو تجاهلها. ولن يتسنى الرجوع إلى الوضع السابق، ولن يصلح انتصار أمريكي نهائي ما حدث من ضرر أو يفوقه. فمضيق هرمز لن يكون «مفتوحا» مثلما كان ذات يوم. وبسيطرة إيران على المضيق، تصبح هي اللاعب الأساسي في المنطقة وأحد لاعبي العالم الأساسيين. ويقوى دورا الصين وروسيا ـ بوصفهما حليفتين لإيران ـ ويتضاءل دور الولايات المتحدة على نحو جوهري. كما أن الصراع البعيد كل البعد عن إظهار بأس القوة الأمريكية ـ كما زعم أنصار الحرب مرارا وتكرارا ـ قد أظهر أمريكا في صورة بلد غير جدير بالثقة وغير قادر على إنهاء حرب بدأها. ومن شأن هذا أن يطلق سلسلة ردود أفعال في العالم إذ يبدأ الأصدقاء والخصوم على السواء في التكيف مع الإخفاق الأمريكي.
يحلو للرئيس ترامب أن يكثر من الحديث عمن يملك «أوراق اللعب»، في حين أنه ليس من الواضح إن كان لا يزال في يده أوراق جيدة. فقد قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بدكِّ إيران بفعالية مدمرة على مدار سبعة وثلاثين يوما، فقتلتا قيادتها وحطمتا زبدة جيشها، وعجزتا برغم ذلك عن إسقاط النظام الحاكم أو انتزاع حتى أوهى التنازلات منه. وترجو إدارة ترامب الآن أن يحقق حصار موانئ إيران ما عجزت عن تحقيقه القوة الهائلة. وهذا وارد بالطبع، ولكن نظاما لم يتسن إخضاعه بخمسة أسابيع من الهجوم العسكري المتواصل لا يرجَّح أن ينهار بفعل الضغط الاقتصادي وحده. كما أنه نظام لا يخاف غضبة شعبه.
لذلك يدعو بعض أنصار الحرب إلى استئناف الضربات العسكرية، لكنهم يعجزون عن أن يوضحوا لنا كيف ستنجح جولة جديدة من القصف في تحقيق ما فشلت في تحقيقه سبعة وثلاثون يوما من القصف. كما أنه من المحتوم أن يفضي المزيد من العمل العسكري بإيران إلى الانتقام من دول الخليج المجاورة، وهذا أيضا ما لا رد عليه لدى أنصار الحرب. فترامب لم يوقف الضربات الموجهة لإيران لأنه سئمها لكن لأن إيران كانت تضرب منشآت النفط والغاز الحيوية في المنطقة. وقد وقعت نقطة التحول في الثامن عشر من مارس، حينما قصفت إسرائيل حقول الغاز الجنوبية في إيران فردت الأخيرة بمهاجمة مدينة راس لفان الصناعية في قطر وهي أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي في العالم مما ألحق ضررا بالقدرة الإنتاجية سوف يستغرق إصلاحه سنين. ورد ترامب على ذلك بإعلان وقف مؤقت لأي ضربات إضافية لمنشآت الطاقة في إيران ثم بإعلان وقف إطلاق النار برغم عدم تقديم إيران أي تنازل على الإطلاق.
ولا يزال حساب المخاطر الذي أرغم ترامب على التراجع منذ شهر قائما اليوم. حتى لو نفذ ترامب تهديده بتدمير «الحضارة» الإيرانية بمزيد من القصف، سوف تبقى إيران قادرة على إطلاق الكثير من الصواريخ والطائرات المسيرة قبل أن ينهار نظامها، بفرض أنه سوف ينهار. إذ تكفي ضربات ناجحة قليلة لشل البنية الأساسية الخاصة بالنفط والغاز في المنطقة لسنين إن لم يكن لعقود، وهو ما سيلقي العالم والولايات المتحدة في أتون أزمة اقتصادية ممتدة. وحتى إن أراد ترامب قصف إيران في سياق استراتيجية للخروج، أي ليبدو بمظهر صلب تغطية لانسحابه، فليس بوسعه أن يفعل ذلك دونما مخاطرة بإحداث كارثة.
وإذا لم يكن هذا هو وضع (كش ملك)، فما أقربه منه. لقد تردد أن ترامب طلب من أوساط المخابرات الأمريكية تقييم عواقب الاكتفاء بإعلان النصر والمضي بعيدا. ولا لوم عليه في هذا. لأن تمنِّي انهيار نظام حكم ليس باستراتيجية، خاصة وقد نجا النظام بالفعل من ضربات عسكرية واقتصادية متكررة. فقد يسقط غدا، أو بعد ستة أشهر من الآن، وقد لا يسقط أبدا. وليس لدى ترامب كل هذا الوقت للانتظار، مع تصاعد أسعار النفط باتجاه مائة وخمسين دولارا للبرميل أو مائتي دولار، وارتفاع التضخم، وبدء تناقص الغذاء والسلع الأساسية الأخرى عالميا. إنما هو بحاجة إلى حل أسرع.
لكن أي حل عدا استسلام أمريكا الفعلي ينطوي على مخاطر اقتصادية ليس ترامب بعازم حتى الآن على القبول بها. والذين يهرفون بدعوة ترامب إلى «إتمام المهمة» نادرا ما يعترفون بالتكلفة. وما لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لحرب برية وبحرية شاملة للإطاحة بالنظام الإيراني القائم ثم احتلال إيران إلى أن تتولى أمورها حكومة جديدة، وما لم تكن مستعدة للمخاطرة بخسارة بوارج ترافق الحاويات في مضيق عليه نزاع، وما لم تكن مستعدة لقبول أضرار مدمرة بعيدة المدى بقدرات المنطقة الإنتاجية يحتمل وقوعها نتيجة للانتقام الإيراني، فإن الابتعاد الآن عن المشهد يوشك أن يكون الخيار الأقل سوءا.
ومن الناحية السياسية، قد يشعر ترامب بأن لديه فرصة لتجاوز الهزيمة تفوق احتمال خروجه سالما من حرب أضخم وأطول وأفدح تكلفة وقد تنتهي بالفشل.
ومن ثم فهزيمة الولايات المتحدة ليست واردة فقط، ولكنها مرجحة. وإليكم كيف يمكن أن يكون شكل الهزيمة.
تبقى إيران مسيطرة على مضيق هرمز. فالافتراض الشائع بأن المضيق بطريقة أو بأخرى سوف يفتح من جديد فور انتهاء الأزمة، افتراض لا أساس له. فليست لإيران مصلحة في الرجوع إلى الوضع السابق. وثمة حديث عن انشقاق بين المتشددين والمعتدلين في طهران، لكن حتى المعتدلون يفهمون حتما أن إيران لا تحتمل التخلي عن المضيق مهما بلغت جودة الصفقة التي يمكنهم الحصول عليها. فببساطة، إلى أي مدى يمكن الوثوق في اتفاق مبرم مع ترامب؟ لقد بلغ به الأمر أن افتخر تقريبا بتكراره الهجوم الياباني على بيرل هاربر بموافقته على اغتيال القيادة الإيرانية في ثنايا التفاوض. ولا يمكن أن يكون الإيرانيون متأكدين من أن ترامب لن يقرر معاودة الهجوم في غضون أشهر قليلة من إبرام اتفاق. وهم يعلمون أيضا أن الإسرائيليين يمكن أن يعاودوا الهجوم إذ أنهم لم يحجموا قط عن التصرف حين يقدِّرون أن مصالحهم مهددة.
وسوف تتهدد مصالح إسرائيل. فقد أشار كثير من الخبراء في الشؤون الإيرانية إلى أن النظام في طهران يوشك حاليا أن يخرج من الأزمة وقد زادت قوته كثيرا عما كانت عليه قبل الحرب، فلم يقتصر الأمر على احتفاظه بقدرته النووية المحتملة ولكنه اكتسب علاوة على ذلك السيطرة على سلاح أشد فعالية هو القدرة على اتخاذ سوق الطاقة العالمية كله رهينة.
وحينما يتكلم الإيرانيون عن «إعادة فتح» المضيق فهم لا يزالون يقصدون أن يبقى المضيق تحت سيطرتهم. فلن يتسنى لإيران فقط أن تطالب برسوم على المرور، لكنها ستقصر العبور على البلاد التي تربطها بها علاقات طيبة. وإذا ما تصرف بلد على نحو لا يروق لحكام إيران، فسيكون بوسعهم فرض العقاب عليه بمحض إبطاء أو حتى التهديد بإبطاء تدفق سفن هذا البلد في الخروج من المضيق.
وسلطة الإغلاق أو التحكم في تدفق السفن عبر المضيق أكبر وأسرع أثرا من القوة النظرية لبرنامج إيران النووي. وسوف يتيح هذا النفوذ لقادة طهران أن يرغموا بلادا على رفع العقوبات أو تطبيع العلاقات أو مواجهة الجزاءات. وسوف تجد إسرائيل نفسها أشد انعزالا من ذي قبل، بازدياد إيران ثراء وإعادتها التسلح وحفاظها على خيارات التحول إلى دولة نووية في المستقبل. بل إنها قد تجد نفسها عاجزة عن ملاحقة وكلاء إيران: ففي عالم تفرض فيه إيران النفوذ على إمدادات الطاقة لعدد غفير من البلاد، قد تواجه إسرائيل ضغطا دوليا هائلا لكي لا تستفز إيران في لبنان أو غزة أو أي مكان آخر.
كما أن الوضع الجديد في المضيق سوف يتسبب في تحول كبير في القوة والنفوذ النسبيين على المستويين الإقليمي والعالمي. ففي المنطقة، سوف يثبت أن الولايات المتحدة نمر من ورق يرغم دول الخليج وغيرها من الدول العربية على التكيف مع وضع إيران الجديد. ولقد كتب الباحثان في الشؤون الإيرانية ريويل جيرشت وراي تاكيه أخيرا أن «اقتصادات الخليج العربي أقيمت تحت مظلة الهيمنة الأمريكية. وباستبعادها ـ ومعها حرية الملاحة المرتبطة بها ـ تجد دول الخليج نفسها مرغمة على التوسل لإيران».
ولن تكون هذه الدول وحدها في هذا. فجميع البلاد التي تعتمد على الطاقة القادمة من الخليج سوف تضطر إلى ترتيب أمورها مع إيران. وأي خيار سيكون لها؟ إذا كانت الولايات المتحدة ببحريتها الطاغية لا تستطيع أن تفتح المضيق، فما لتحالف قوى لديه شذرة من القدرة الأمريكية أن يقوى على ذلك أيضا. وليست المبادرة الأنجلوفرنسية لحراسة المضيق بعد وقف إطلاق النار إلا محض طرفة.
فقد أوضح الرئيس الفرنسي ماكرون أن هذا «التحالف» لن يعمل إلا في الظروف السلمية في المضيق: فسوف يرافق السفن فقط إذا لم تكن بحاجة إلى أي رفقة. لكن في ظل سيطرة إيران، لن يكون المضيق آمنا بعد ولأمد بعيد. ويفترض أن للصين بعض النفوذ على طهران، لكن الصين لا يمكن أن تفرض فتح المضيق منفردة.
وقد يكون من آثار ذلك التحول أن يتوسع سباق القوى العظمى البحري. في الماضي، كانت أغلب بلاد العالم، ومنها الصين، تعول على الولايات المتحدة في منع ومعالجة مثل هذه الحالات الطارئة. لكن ها هي بلاد أوروبا وآسيا المعتمدة على إتاحة موارد الخليج العربي وقد باتت عديمة الحيلة إزاء فقدان إمدادات الطاقة الضرورية لاستقرارها الاقتصادي والسياسي. فإلى أي مدى يمكنها التسامح مع هذا قبل أن تشرع في تكوين أساطيل لأنفسها، لتكون وسيلة لفرض نفوذها في عالم باتت كل دولة فيها منفردة بأمرها وانهار فيه النظام والقدرة على التنبؤ؟
وكذلك ستكون للهزيمة الأمريكية في الخليج تداعيات عالمية أعم. فالعالم كله يرى أن أسابيع قليلة من الحرب مع قوة من الفئة الثانية قد قلصت مخزون الأسلحة الأمريكي إلى مستويات خطيرة الانخفاض، بلا علاج سريع باد في الأفق. والأسئلة التي يثيرها هذا حيال استعداد أمريكا لخوض صراع كبير آخر قد يحفز وقد لا يحفز شي جنينج على إطلاق هجوم على تايوان، أو فلاديمير بوتين على تصعيد عدوانه على أوروبا. وفي أقل تقدير، لا بد أن حلفاء أمريكا في شرق آسيا وأوروبا يتساءلون عن مدى قوة أمريكا المتبقية في حال نشوب صراعات في المستقبل.
الآن يتسارع التكيف العالمي مع عالم ما بعد أمريكا. وليس فقدان الهيمنة الأمريكية الغابرة على الخليج إلا واحدة من خسائر كثيرة.