ثقافة

نقاشات تستحضر أسئلة البرهان والتأويل وحدود العقل في قراءة ابن رشد والفكر المعاصر

في جلسة "العقلانية الرشدية وما بعد الحداثة" بالنادي الثقافي -

 

كتب - فيصل بن سعيد العلوي -

أ.د. أحمد برقاوي: الفلسفة لا تستعيد ابن رشد بتكراره إنما بتحرير العقل من الخوف - 

د.سعود الزدجالي: قراءة ابن رشد خارج سياقه المعرفي تؤدي إلى تشويه صورته - 

د.الشريف طوطاو: العقل والقلب في الثقافة الإسلامية مصدران متكاملان للمعرفة - 

بمناسبة مرور تسعمائة عام على مولد الفيلسوف ابن رشد أقيمت مساء أمس في النادي الثقافي احتفالية تضمنت محاضرة قدمها الأستاذ الدكتور أحمد برقاوي إضافة إلى مشاركته في الجلسة الحوارية التي أقيمت بعنوان 'العقلانية الرشدية وما بعد الحداثة' وشارك فيها الدكتور سعود الزدجالي، والدكتور الشريف طوطاو، وأدارها الكاتب والباحث محمد العجمي؛ حيث ناقشت الفعالية حضور العقلانية الرشدية في الفكر المعاصر، والتحولات التي طرأت على مفهوم العقل بين الفلسفة الكلاسيكية وأسئلة ما بعد الحداثة، إلى جانب استعادة أثر ابن رشد في تشكيل مسارات التفكير النقدي العربي والإنساني.
مدخل فلسفي
واستهل محمد العجمي الجلسة بالإشارة إلى أن الجلسة تعيد طرح ابن رشد في سياق حواري مفتوح، مستحضرًا تجربته الأولى مع نصوصه قبل سنوات من خلال كتاب 'فصل المقال'، حين قرأه بالتوازي مع 'مقال في المنهج' لديكارت، في محاولة لبناء حوار متخيل بين الفيلسوفين، مشيرا إلى أن اختلاف اللغة والرؤية بينهما يكشف طبيعة كل مشروع؛ حيث يكتب ابن رشد من موقع القاضي الذي يخاطب الجماعة، بينما ينطلق ديكارت من تأمل الذات الفردية، وأضاف: إن نصوص ابن رشد لا تُختزل في خلاصات جاهزة، وإنما تفتح بابا دائما للدخول في أسئلتها ومحاورتها، معتبرًا أن 'الجلسة' تمثل فرصة لإعادة التفاعل مع هذا الإرث الفكري عبر قراءات متعددة.


إشكال التأويل
واستهل الأستاذ الدكتور أحمد برقاوي الجلسة بورقة تناول فيها إشكالية العلاقة بين الفلسفة والشرع في مشروع ابن رشد، معتبرا أن استعادة ابن رشد اليوم لا ينبغي أن تقوم على مجرد استظهار أقواله، وإنما على إعادة مساءلة تجربته الفكرية وتحريرها من المآزق التي انخرطت فيها، مشيرا إلى أن ابن رشد الفيلسوف الشارح لأرسطو يختلف عن ابن رشد صاحب 'فصل المقال' و'تهافت التهافت'؛ حيث بدا في جانب من مشروعه مشغولا بمحاولة شرعنة الفلسفة داخل بيئة تعاديها، وهو ما رآه برقاوي معضلة لا تزال حاضرة حتى اليوم.


وتوقف 'برقاوي' عند مقولة ابن رشد الشهيرة: 'إن الحق لا يضاد الحق'، معتبرا أن محاولة التوفيق بين الحقيقة الفلسفية والحقيقة الدينية قادت إلى تناقضات معقدة؛ لأن الفلسفة والشرع -في رأيه- عالمان مستقلان لكل منهما منطقه وأدواته الخاصة، وأن ابن رشد حاول تجاوز هذا المأزق عبر تقسيم الخطاب إلى مستويات مختلفة، من الخطابي والجدلي إلى البرهاني، مع تخصيص التأويل للفلاسفة وحدهم، غير أن هذا التصور أبقى المعرفة الفلسفية محصورة داخل دائرة النخبة، وكرّس الخوف من الوعي الجمعي بدلا من تحريره.


كما ناقش 'برقاوي' في محاضرته فكرة التأويل وحدود العقل البرهاني عند ابن رشد، متسائلا عن قدرة الفلسفة على التعامل مع التصورات الدينية التي تقوم على الخيال والتركيب الرمزي أكثر من استنادها إلى الوقائع القابلة للبرهنة، موضحا أن ابن رشد لم يتمكن من تقديم إجابات حاسمة في قضايا مثل: الخلق والوجود والتصورات الغيبية، لأن منطقه الفلسفي ظل مرتبطا بإثبات الموجود والبرهنة عليه، وليس بتفسير ما يتجاوز العالم المحسوس، وهو ما جعله عالقا بين الدفاع عن الفلسفة ومحاولة إرضاء الشرع في آن واحد.


وأكد الأستاذ الدكتور أحمد برقاوي أن أهمية ابن رشد اليوم لا تكمن في استعادة مشروع المصالحة بين الفلسفة واللاهوت، بل في إعادة التفكير في استقلال الفلسفة بوصفها مجالا قائما على البرهان والعقل النقدي، وأن الخلط بين المجالين أدى تاريخيا إلى إنتاج أزمات معرفية يصعب حلها، كما أن الاحتفاء بابن رشد ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لإعادة تحرير العقل الفلسفي من الخوف واستعادة قدرته على مساءلة العالم خارج القيود التي تفرضها التصورات المغلقة، معتبرا أن ابن رشد لا يزال يعيش بيننا عبر الأسئلة ذاتها التي لم تتوقف عن ملاحقة العلاقة بين العقل والإيمان والمعرفة.


سياق المعرفة
عقب ذلك قدم الدكتور سعود الزدجالي مداخلته منطلقا من اعتراض أولي على قراءة البروفيسور أحمد برقاوي لابن رشد، معتبرا أن هذه القراءة تلتقي مع نمط من القراءات التي أسقطت على ابن رشد مفاهيم جاهزة وحاكمته من خارج سياقه، وأن الفلسفة لا يمكن عزلها عن اشتغال الإنسان وعقله واهتماماته، وأن ابن رشد ينتمي إلى التراث الإسلامي وإلى حضارة تتكامل فيها الحقول والمعارف والإشكالات، ولذلك فإن النظر إليه من زاوية الفيلسوف المنفصل عن بيئته المعرفية يفضي إلى قراءة غير منصفة لتجربته.


وتوقف 'الزدجالي' عند مفهوم البرهان في فكر ابن رشد، مؤكدا أنه مفهوم مركزي في مختلف اشتغالاته، غير أن حضوره لا يعني عزل الفلسفة عن بقية الحقول، فابن رشد يميز بين مجالات النظر وطرائق الاستدلال، ويتعامل مع قضايا مثل: قدم العالم وأفعال الذات الإلهية ضمن سياق أوسع عرفته مباحث علم الكلام والعقائد، لا داخل الفلسفة وحدها، مستحضرا أمثلة من الخلافات الكلامية حول القدم النوعي وحدوث العالم، ليؤكد أن هذه المسائل كانت جزءا من جدل معرفي واسع داخل التراث الإسلامي.


وأشار إلى أن ابن رشد لم يكن ضد الدين ولا خارجا عن منطق النص، لكنه كان يميز بين منطق النص ومنطق البرهان، ويتحرك داخل مساحة يتداخل فيها الفقه والكلام والفلسفة والمنطق، ولذلك فإن قراءة مشروعه بعيدا عن تعدد هذه الصفات تؤدي إلى تشويه صورته، كما أن 'ابن رشد' في نقده للأشاعرة كان يناقش طرائق الاستدلال لا أصل العقيدة، وأن اعتراضه ينصرف إلى مسالك معينة في إنتاج الحجة وليس إلى الدين في ذاته.


كما أوضح 'الزدجالي' أن ابن رشد لا يقيم حدودا فاصلة تماما بين الجدل والبرهان، إذ يرى أن الجدل يمكن أن يقترب من البرهان متى هُذّبت مقدماته، مستشهدا بما يرد في 'تهافت التهافت' و'فصل المقال' من اشتغال على العلاقة بين المعلوم والمجهول، والشاهد والغائب، والقياس العقلي، مؤكدا أن بعض ما كتبه ابن رشد في الدفاع عن النظر العقلي يأخذ طابعا جدليا، وهو أمر طبيعي في القضايا الميتافيزيقية التي لا تنتهي دائما إلى يقين مكتمل.


وختم الدكتور سعود الزدجالي مداخلته بالتأكيد على أن ابن رشد تعرض لقراءات كثيرة حاولت أن تنطقه بما لم يقله، أو أن تضيف إلى نصوصه مفاهيم حديثة لا تنتمي إلى سياقها، داعيا إلى قراءة نصوصه من داخلها، ومن داخل شبكة العلوم التي تشكل فيها؛ فهو فقيه وقاض ومتكلّم وأصولي وشارح للفلسفة والمنطق والبرهان والميتافيزيقا، ولا يمكن اختزال تجربته في صورة واحدة أو محاكمتها بمفهوم معاصر جاهز.


جدل العقل
من جانبه، تناول الدكتور الشريف طوطاو في مداخلته العلاقة بين العقل والعرفان في الفلسفة الإسلامية، منطلقا من قراءة تقوم على تجاوز الاستقطاب الذي قسّم التراث إلى اتجاهين متعارضين، أحدهما عقلاني يمثله ابن رشد، وآخر عرفاني يمثله الغزالي، معتبرا أن هذا التقابل الحاد نتج عن قراءات حديثة أسقطت تصوراتها على التراث، وأدت إلى اختزال التجربة الفكرية الإسلامية في ثنائية متنافرة بين العقل والقلب، في حين أن هذا التنوع -بحسب طوطاو- يمثل ثراء معرفيا لا تناقضا.


وأشار 'طوطاو' إلى أن الغزالي وابن رشد ليسا مجرد شخصيتين فكريتين بقدر ما يمثلان نسقين فلسفيين في الثقافة الإسلامية لازالا مستمرين إلى اليوم، موضحا أن النسق العقلاني الذي ارتبط بابن رشد، والنسق العرفاني الذي ارتبط بالغزالي، ظلا حاضرين في طرق التفكير المختلفة، غير أن المشكلة ظهرت حين تحولت هذه الاختلافات إلى حالة استقطاب تجعل الفرد مضطرا للاختيار بين العقل أو القلب، كما أن الثقافة الإسلامية قامت تاريخيا على تعدد مصادر المعرفة لا على إقصاء أحدها.


وأضاف 'طاوطاو' حول النقد الذي وجهه الغزالي للفلاسفة المشائين أن كثيرا من اعتراضاته يمكن أن تمتد أيضا إلى ابن رشد بحكم انتمائه إلى الفلسفة الأرسطية، لكنه أوضح في الوقت ذاته أن الغزالي نفسه لم يكن خصما للعقل أو البرهان، إنما كان يرى أن للعقل مجاله الذي يشتغل فيه خاصة في العالم المحسوس والطبيعة، بينما توجد مستويات أخرى للمعرفة تحتاج إلى القلب أو البصيرة، وهو ما عبّر عنه المتصوفة والعرفانيون عبر مفهوم المعرفة القلبية أو العلم اللدني.


كما أشار 'طوطاو' إلى أن الفكر الغربي نفسه تجاوز لاحقا فكرة العقلانية البرهانية الصارمة التي ارتبطت بالمنطق الأرسطي، مستحضرا تحولات الفلسفة الغربية من ديكارت إلى فرانسيس بيكون وصولا إلى تيارات ما بعد الحداثة؛ حيث جرى توسيع مفهوم العقل والانفتاح على مصادر أخرى للمعنى والمعرفة، وهذا التحول يفتح المجال لإعادة قراءة التراث الإسلامي بعيدا عن التصنيفات الضيقة التي حصرت المعرفة في البرهان وحده.


وأكد الدكتور الشريف طوطاو أن ما تعرض له ابن رشد في القراءات الحديثة يشبه ما تعرض له الغزالي أيضا؛ حيث جرى تقديمهما في صورة متقابلة بصورة مبالغ فيها، في حين أن كليهما ينتمي إلى السياق الحضاري ذاته، ويشتغل ضمن أسئلته الكبرى، داعيا إلى استثمار هذا التنوع في بناء رؤية معرفية أوسع تتكامل فيها أدوات النظر المختلفة، بدلا من تحويلها إلى معارك إقصائية بين العقل والعرفان أو بين الفلسفة والدين.


أسئلة مفتوحة
وفي ختام الجلسة، فُتح باب المداخلات والأسئلة التي انشغلت بإعادة مساءلة مشروع ابن رشد وحدود العقلانية في الفلسفة الإسلامية؛ حيث طُرحت تساؤلات حول علاقة الفيلسوف بالوحي، وموقف الغزالي من الفلاسفة، وحدود التأويل البرهاني، إلى جانب أسئلة تناولت موقع العقل والعرفان داخل التراث الإسلامي، وإمكانية الجمع بينهما دون الوقوع في الاستقطاب الذي قسم الفكر إلى اتجاهات متعارضة، كما شهدت المداخلات نقاشا حول صورة ابن رشد في القراءات الحديثة، وما إذا كانت بعض هذه القراءات قد حملته تصورات معاصرة أو حولته إلى امتداد خالص للفلسفة اليونانية، في مقابل مداخلات أكدت أن الرجل تحرك داخل بيئته الحضارية الإسلامية، وأن مشروعه لا يمكن عزله عن الأسئلة الكبرى التي شغلت عصره، سواء في الفقه أو الكلام أو الفلسفة، كما طُرحت تساؤلات حول دور الفيلسوف في لحظات التحول التاريخي، وعلاقته بقضايا المجتمع والسياسة والهوية الحضارية.


وامتد الحوار إلى نقد العقلانية البرهانية وحدودها مع الإشارة إلى تحولات الفكر الغربي نفسه من العقلانية الكلاسيكية إلى تيارات نقدية وما بعد حداثية، وهو ما استُحضر في النقاش حول إمكان توسيع مفهوم العقل والانفتاح على مصادر أخرى للمعرفة، في مقابل مداخلات شددت على أهمية البرهان وضرورة التمييز بين مجالات النظر المختلفة داخل التراث الإسلامي.


وردّا على بعض الأسئلة عاد البروفيسور أحمد برقاوي إلى التأكيد أن استحضار ابن رشد لا يعني تحويله إلى سلطة مغلقة، وإنما التعامل معه بوصفه تجربة قابلة للنقد والتجاوز، مشيرا إلى أن التفلسف يبدأ بطرح الأسئلة الجديدة لا بتكرار الأسئلة القديمة، بينما شدد الدكتور شريف طواطاو على أن العقلانية العرفانية لا تلغي العقل بل توسع مجاله، مستحضرا تجارب فلسفية وكلامية وصوفية رأت أن المعرفة لا تختزل في البرهان المجرد وحده.


من جانبه، أوضح الدكتور سعود الزدجالي أن كثيرا من القضايا التي نوقشت حول البرهان والتأويل كانت حاضرة في علم الكلام وأصول الفقه والفلسفة معا، وأن التراث الإسلامي عرف تعددا في مناهج النظر والاستدلال، مؤكدا أن هذا التنوع لا ينبغي أن يتحول إلى حالة إقصاء متبادل، قبل أن تختتم الجلسة بالتأكيد على أهمية إبقاء الحوار الفلسفي مفتوحا واستمرار مساءلة التراث من داخل أسئلته وسياقاته المختلفة.