الاقتصادية

ماذا يعني استحواذ الحكومة على "طيران السلام"؟

 

كتب - أسيد بن أحمد البلوشي


يمتد أثر الطيران في الاقتصادات الحديثة إلى ما هو أبعد من حركة المسافرين والرحلات اليومية، ليرتبط بكفاءة السوق، وجاذبية الاستثمار، وحركة السياحة، وشبكات الربط الإقليمي والدولي. ومن هذا المنطلق، يفتح قرار استحواذ الحكومة على طيران السلام بابًا واسعًا لإعادة رسم ملامح قطاع الطيران في سلطنة عُمان، عبر نموذج يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين التكامل والتنافس، وبين الكفاءة التشغيلية والاستدامة المالية.
ويأتي هذا التحول في وقت يشهد فيه القطاع إعادة تنظيم لشبكات الوجهات والسعة التشغيلية، مع توجه نحو تقليص الازدواجية، وتعزيز الربط الداخلي والإقليمي، ورفع كفاءة استخدام الأساطيل والخدمات التشغيلية. كما يطرح القرار تساؤلات أوسع حول انعكاساته الاقتصادية على السوق والمستهلك، وحدود تأثيره على تنافسية القطاع، وقدرته على دعم مستهدفات السياحة والخدمات اللوجستية والتنويع الاقتصادي.
تحول استراتيجي
يرى أدريان هاميلتون-مانز الرئيس التنفيذي لطيران السلام أن استحواذ الحكومة يأتي ضمن تحول استراتيجي يعيد تشكيل منظومة الطيران في سلطنة عُمان على أسس أكثر كفاءة واستدامة، بما يدعم تحسين استخدام الموارد والسعة التشغيلية، ويعزز دور القطاع في دعم النمو الاقتصادي والسياحي، إلى جانب ترسيخ مكانة سلطنة عمان كمركز إقليمي للربط الجوي.
التداخل في الوجهات
وفيما يتعلق بطبيعة التداخل في الوجهات، يوضح أنه جرى العمل بشكل مكثف خلال العام الماضي على تقليص هذا التداخل، مشيرًا إلى أن التنافس يقتصر حاليا على تسعة مسارات فقط، وهي وجهات ذات طلب مرتفع تخدم فيها كل شركة شريحة سوقية مختلفة. وأضاف أن الأولوية الحالية تتمثل في تحسين توظيف السعة التشغيلية، والحد من الازدواجية، وتعزيز كفاءة استخدام الأسطول وشبكة الوجهات.
وأكد أن كلا الناقلين يتمتعان بأدوار واضحة ومحددة، موضحًا أن طيران السلام يعمل كناقل منخفض التكلفة، في حين أتاح الاستحواذ إطارًا أكثر تنظيمًا لتعزيز مجالات التعاون وضمان تركيز كل شركة على نقاط قوتها الأساسية وشرائحها المستهدفة، بما يعزز كفاءة توظيف السعة التشغيلية ويدعم تحقيق توازن أكبر واستدامة أشمل في منظومة الطيران.
التغييرات العملية
وحول التغييرات العملية بعد الاستحواذ، أشار إلى وجود تنسيق أقوى في تخطيط الشبكة وتوزيع السعة التشغيلية، مع تركيز واضح على توسيع نطاق الأسواق المخدومة وتحسين كفاءة استخدام الأسطول، مؤكدًا في الوقت ذاته استمرار كل شركة في العمل بشكل مستقل من حيث العمليات والمنتجات والخدمات المقدمة.
وأضاف أن التكامل التشغيلي سيُترجم عمليا من خلال تنسيق الجداول التشغيلية، وتحسين الربط بين الرحلات، وإدارة السعة التشغيلية بكفاءة أكبر، إلى جانب الاستفادة من فرص التعاون في مجالات التشغيل والخدمات، بما ينعكس مباشرة على تجربة المسافر.
دعم انخفاض الأسعار
وشدد على أن طيران السلام سيستمر كناقل اقتصادي مستقل بهويته وعملياته التشغيلية، مع تركيز واضح على تقديم خيارات سفر ميسّرة، لافتًا إلى أن استقرار السوق بشكل عام يسهم في دعم انخفاض الأسعار وتعزيز قابلية التنبؤ بديناميكيات السوق.
وتوقع أن يسهم اتباع نهج أكثر توازنًا في توزيع السعة التشغيلية في تحقيق استقرار أكبر في الأسعار، وتوفير خيارات تسعير أكثر وضوحًا واتساقًا للمسافرين عبر مختلف شرائح السفر.
التنافسية والاستدامة المالية
وفيما يتعلق بالتوازن بين الأسعار التنافسية والاستدامة المالية، أوضح أن الشركة تركز على تحسين الكفاءة التشغيلية وتعظيم الاستفادة من السعة التشغيلية، إلى جانب تطوير هيكل التكاليف وتنمية الإيرادات، بما يدعم تحقيق توازن مستدام بين الأسعار التنافسية والأداء المالي.
وحول شبكة الطيران الداخلي، توقع أن يؤدي طيران السلام دورا محوريا في دعم الربط الداخلي من خلال توظيف السعة التشغيلية لتقديم خيارات اقتصادية تعزز التنقل بين المحافظات وتدعم نمو السياحة المحلية والاقتصاد الوطني.
وأشار في هذا السياق إلى مبادرات مثل توفير أسعار خاصة على مدار العام لرحلات مسقط–صلالة تبدأ من 9.99 ريال عُماني، بما يعزز سهولة الوصول إلى الوجهات الداخلية ويدعم استدامة الطلب على السفر المحلي.
وفي جانب التوسع، أكد أن الشركة ستواصل التوسع وفق نهج مدروس يستهدف الأسواق ذات الطلب المرتفع وغير المخدومة بشكل كافٍ، مع توجيه السعة التشغيلية نحو الوجهات ذات الجدوى، بما يعزز الربط الإقليمي والدولي ويدعم نمو الشبكة.
وأشار الرئيس التنفيذي لطيران السلام إلى أن رؤية الشركة للاستدامة المالية ترتكز على تحسين الكفاءة التشغيلية، وتعزيز السعة التشغيلية، وتطوير هيكل الإيرادات، بما يعزز الكفاءة المالية ويدعم استدامة النمو مشيرا إلى أن الشركة تعمل ضمن نموذج يضمن استقلالية كل ناقل، مع الاستفادة من التكامل لتعزيز الكفاءة التشغيلية ورفع تنافسية القطاع ككل.
وأكد أن طيران السلام يستهدف خلال السنوات الخمس القادمة ترسيخ مكانته كناقل اقتصادي رائد ضمن منظومة طيران متكاملة، من خلال إدارة فعالة للسعة التشغيلية، وتوسيع شبكة الوجهات، وتقديم خيارات سفر تنافسية تدعم نمو القطاع والاقتصاد الوطني.
ترتيب الأصول
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي عبدالله العبري أن قرار استحواذ الحكومة على “طيران السلام” يتجاوز كونه إعادة ترتيب لأصول أو تدخلا لإنقاذ شركة، معتبرا أن ما يحدث يمثل محاولة لإعادة تشكيل “سلوك السوق” نفسه، وليس فقط معالجة أوضاع تشغيلية أو مالية.
وأوضح أن الدولة في هذه الحالة لا تتصرف كمستثمر تقليدي، وإنما كـ'مهندس بيئة' يعيد تصميم قواعد اللعبة والحوافز والتوقعات النفسية لجميع الأطراف داخل القطاع مشيرا إلى أن تدخل الحكومة يرسل إشارة قوية للمستثمرين والمستهلكين والمنافسين بأن قطاع الطيران قطاع استراتيجي يستحق الحماية، وهو ما قد يعزز الثقة في السوق، لكنه في المقابل قد يخلق خطرا سلوكيا يتمثل في تراجع الانضباط نتيجة ما يعرف في الاقتصاد السلوكي بـ”الاعتماد على الضامن”، حيث تبدأ الإدارات والعاملون بالتصرف على افتراض أن الفشل لن يكون مكلفًا كما كان سابقًا.
خفض التكاليف
وفيما يتعلق بالكفاءة والتنافسية، أوضح العبري أن وجود مظلة حكومية قد يرفع مستوى الاستقرار ويحد من تقلبات السوق، لكنه قد يقلل في الوقت نفسه من “ضغط البقاء” الذي يدفع الشركات إلى الابتكار وخفض التكاليف، معتبرًا أن المنافسة “إحساس دائم بالخطر”، وإذا تراجع هذا الإحساس فإن الأداء قد يميل تدريجيا إلى الاكتفاء بالمستويات المقبولة بدل السعي المستمر للتطوير.
وأما على مستوى المستهلك فأشار إلى أن التأثير يبدو أكثر تعقيدًا، إذ قد يستفيد المسافر على المدى القصير من استقرار الأسعار أو انخفاضها، إلا أن اعتياد المستهلك على مستويات سعرية منخفضة قد يخلق ما يعرف بـ”المرساة السعرية”، بحيث يُنظر إلى أي ارتفاع لاحق لو كان مبررا اقتصاديا بوصفه زيادة غير عادلة لافتا إلى أن تقليص عدد اللاعبين داخل السوق، حتى دون الوصول إلى احتكار مباشر، قد يقلل من “إحساس الاختيار” لدى المستهلك، وهو عنصر مؤثر في مستوى الرضا العام عن السوق والخدمات.
وعند ربط القرار بمستهدفات التنويع الاقتصادي، خصوصًا في قطاعي السياحة والخدمات اللوجستية، أكد العبري أن الطيران لا يمثل مجرد وسيلة نقل، وإنما “بوابة” للبلد، موضحًا أن سهولة الوصول، وتنوع الرحلات، واستقرار العمليات التشغيلية، كلها عوامل تؤثر في قرارات السائح والمستثمر على حد سواء.
وأضاف أن نجاح الاستحواذ في تقليل ما يُعرف بـ”الاحتكاك السلوكي”، من خلال توفير شبكة رحلات فعالة ومنخفضة التكلفة، سيمتد أثره إلى قطاعات أوسع تشمل السياحة والاقتصاد والمجتمع بشكل عام.
وفي حديثه عن النموذج الجديد الذي يجمع بين الطيران العماني وطيران السلام، اعتبر العبري أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين التكامل والتنافس مشيرا إلى أن الخطر يكمن فيما يُعرف بـ”التواطؤ غير المقصود”، حيث قد يتراجع مستوى التنافس دون وجود اتفاق رسمي، فقط بسبب تشابه الحوافز والمصالح. لكنه أشار في المقابل إلى أن تصميم العلاقة بشكل يحافظ على هوية تشغيلية واضحة وأهداف أداء مستقلة لكل شركة يمكن أن يخلق نموذجًا من “التنافس المنضبط”، تستفيد فيه الدولة من التكامل دون أن تفقد حيوية السوق وديناميكيته.
وأكد العبري أن ما يحدث في قطاع الطيران العُماني يمثل تجربة في “هندسة السلوك الاقتصادي” على مستوى قطاع كامل، موضحًا أن نجاح هذه التجربة يقاس بقدرة المنظومة الجديدة على الحفاظ على التوازن بين الأمان والمخاطرة، وبين الدعم والانضباط، وبين التكامل والتنافس، معتبرًا أن السوق في جوهره “ليس معادلة... وإنما سلوك”.