عُمان في البندقية.. حين تروي الأمم قصتها بالفن
الاحد / 22 / ذو القعدة / 1447 هـ - 22:04 - الاحد 10 مايو 2026 22:04
تدخل الدول في البندقية إلى واحد من أقدم مسارح الصورة في العالم. كل جناح يحمل عملا فنيا ويحمل معه تصورا عن البلد الذي جاء منه، عن تاريخه وحساسيته الجمالية وطريقته في فهم الإنسان وموقعه في الخيال العالمي. لذلك تبدو الأجنحة الوطنية في بينالي البندقية أقرب إلى نصوص مفتوحة عن الأمم. تُقرأ بالألوان والأصوات والمواد، وتترك أثرها في الوعي الهادئ الذي تصنعه الثقافة حين تتقدم بخطوات على السياسة.
وتدرك الدول أن الفن قادر على الوصول إلى منطقة لا تصل إليها البيانات الرسمية. الصورة الفنية تعبر من غير خطاب مباشر وتمنح البلد لغة رمزية أكثر بقاء من العناوين اليومية. من هنا تحوّل البينالي إلى فضاء للقوة الناعمة؛ قوة تعمل عبر الإيحاء وتبني الثقة من خلال الجمال والقدرة على تقديم الذات في صيغة إنسانية واسعة.
وتأتي مشاركة سلطنة عُمان من هذا الأفق. فهي تملك تاريخا طويلا في العبور والتبادل وبناء الصلات، وخبرة حضارية في تحويل اللقاء بالآخر إلى جزء من تكوينها. لقد حمل البحر العمانيين إلى ضفاف بعيدة، وفتح لهم ذاكرة متصلة بالكثير من شعوب العالم شرقا وغربا. ومن هذه الحركة نشأت شخصية عُمانية تعرف كيف تجمع بين الرسوخ والانفتاح وبين الأصالة والمعاصرة. لذلك تبدو المشاركة في البندقية امتدادا طبيعيا لتاريخ عُمان في مخاطبة العالم، إنه خطاب من الإنسان إلى الإنسان، بلغة الفن وأدواته.
اختار الجناح العُماني في هذه الدورة ثيمة «الزانة»، وهي الحلي الفضية التي تُزيَّن بها الخيل في عُمان. ويذهب هذا الاختيار إلى عمق المخيال الشعبي العُماني؛ فالخيل في الذاكرة العُمانية قرينة الفروسية والسفر والكرامة والاحتفال. والزينة الفضية التي ترافقها تحمل معنى يتجاوز الحرفة إلى علاقة أعمق بين الإنسان والجمال. وهنا يغدو الفن طريقة لقراءة الحياة في عمقها وفلسفتها، وتجربة تستبقي أثرها بعد انتهاء المشاهدة.
يدخل الزائر إلى الجناح فيجد نفسه أمام تجربة حسية متكاملة، يسمع رنين الفضة كأنه إيقاع صادر من الذاكرة، ويرى الرمل في تموجاته، والضوء في حركته الهادئة، وتستدعي هذه العناصر المكان العُماني بأثره الهادئ وجماله العميق. وهذه العناصر تصنع ذاكرة صغيرة لكن عميقة في داخل ذاكرة البندقية الكبرى. وتمنح الزائر صورة عن عُمان بوصفها بلدا يعرف كيف يحوّل تفاصيله المحلية إلى لغة عالمية، وكيف يجعل التراث حيّا في التجربة المعاصرة.
تتجلى قيمة المشاركة العُمانية في هذا التحويل الدقيق؛ فالتراث في تجربة الجناح العُماني مصدر تفكير والجمال أداة معرفة والفن جسر بين الماضي والمستقبل. ومن خلال هذا الجسر تنقل عُمان صورتها الثقافية إلى العالم، دولة هادئة وعميقة الجذور ومنفتحة على الآخر وتملك رصيدا حضاريا يمنحها قدرة على الحديث بلغة الفن بثقة واتزان.
تضيف مشاركة عُمان في بينالي البندقية طبقة يحتاجها العالم في قراءة هذا البلد: طبقة الفن والثقافة والحضارة والتاريخ حتى يستطيع من يريد قراءة عُمان سياسيا أن ينطلق من كل هذه الطبقات ليستطيع فهم فلسفتها السياسية. فالوعي بكل هذه الطبقات يسهل فهم عُمان في لحظة يقرأ فيها العالم منطقة الخليج بمناظير ضيقة لا تتجاوز حقول الطاقة ومعابرها الضيقة جدا.
وحين يخرج الزائر من الجناح الذي تزوره نخب الفن في العالم وفي داخله بقايا صوت التجربة الحسية الإنسانية تكون عُمان قد قالت شيئا كبيرا عن نفسها من غير ضجيج.