مؤتمر المؤثرين
الاحد / 22 / ذو القعدة / 1447 هـ - 22:05 - الاحد 10 مايو 2026 22:05
أثارت مشاركة عدد من «المؤثرين» العُمانيين في مؤتمر في الخارج، تناول دور المؤثرين في صناعة المحتوى وتشكيل الرأي العام، تساؤلات كثيرة في مواقع التواصل الاجتماعي، حول تلك المشاركة، خاصة أنّ جلسات المؤتمر حملت بين سطورها همزات ولمزات ضمنية إلى الموقف العُماني المستقل الذي تميّز بتوازنه ووضوحه حول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وأنا شخصيًّا لي تحفظ على تسمية «المؤثرين» هذه، لأنّ هناك مؤثرين حقيقيين في المجتمع غير ناشري الإعلانات التجارية، لكني سأستخدم المصطلح تماشيًّا مع الشائع.
إنّ ذلك الجدل الذي أثير يعكس إدراك المجتمع لحساسية مشاركة هؤلاء المؤثرين لمثل ذلك المؤتمر، ويدفعنا للتفكير في ضرورة أن يكون حضورهم الخارجي منظمًا ومبنيًّا على أسس واضحة، تعكس صورة عُمان بأمانة ومسؤولية.
ولا يمكن إغفال أنّ عُمان تتعرّض حاليًّا لهجمة شرسة منظمة، لها أهدافها المعلنة وأخرى مخفية، بسبب استقلالية رأيها وتمسكها بمواقفها المتوازنة، لذا كانت تلك الضجة.
وإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أمرًا واقعًا الآن ولها تأثيرها ومتابعوها، فهنا يجب أن يبرز دور المؤثرين العُمانيين، الذين عليهم أن يكونوا على مستوى الحدث، وأن يدركوا أنّ كلماتهم ومواقفهم هي جزء من معركة الوعي وصناعة الصورة الوطنية؛ فما لاحظتُه أنّ بعض الردود العُمانية على تلك الهجمات في مواقع التواصل، جاءت مخزية وتضر بنا أكثر مما تنفع، لأنها انطلقت من الغيرة وحدها، والغيرة وحدها لا تكفي، إذ المطلوب أن تكون الردود عقلانية ومدروسة، ومبنية على فهم عميق لمصالح الوطن، حتى لا تتحول إلى انفعال يسيء أكثر ممّا يصحح.
إنّ مشاركة المؤثرين في مثل هذه المؤتمرات تكشف عن حجم التأثير الذي (قد) يملكونه، فهم يعكسون صورة الوطن أمام الآخرين. وإذا كان حضورهم أثار الاستياء، فإنّ ذلك دليل على أنّ المجتمع يشعر بالحاجة إلى أن يكون هذا الدور منظمًا ومبنيًّا على رؤية وطنية واضحة.
والواضح أنّ من شارك في المؤتمر من الشباب العُمانيين، لا دخل لهم في السياسة لا من بعيد ولا من قريب، ولا يعرفون «السردية» التي بسببها دُعوا للحضور، مما يؤكد الحاجة مرة أخرى إلى توعية مثل هؤلاء.
وأذكر أنّ المكرم الدكتور عصام بن علي الرواس علّق على الأمر باقتراح عقْدِ لقاء داخلي يجمع هؤلاء المؤثرين مع ممثلي الحكومة، ليكون منصة للحوار وتبادل الرؤى، ويضمن أن تكون مشاركاتهم في الداخل والخارج أكثر اتزانًا ومسؤولية.
لماذا؟ لأنّ المؤثرين في الداخل ينقلون هموم المواطنين ويعبّرون عن تطلعاتهم، ويكشفون التحديات التي تواجههم في حياتهم اليومية؛ أما في الخارج، فإنهم يصبحون سفراء غير رسميين للوطن، ينقلون صورته إلى الشعوب الأخرى، ويملكون القدرة على تعزيز مكانة الدولة أو تشويهها بحسب ما يقدمونه من محتوى. وأنا أضم صوتي إلى صوت د. عصام الرواس لأنّ إشراكهم في حوار وطني منظم، وتزويدهم بالمعرفة والأدوات المهنية، هو السبيل الأمثل لتحويلهم إلى قوة ناعمة تخدم مصالح الدولة والمجتمع؛ فمن الخطأ أن نرى تغريدات أو مقاطع أو مقابلات مع عُمانيين يتحدثون باسم عُمان من منطلقات أُمنياتٍ خاصة بهم؛ فالحرية الإعلامية مسؤولية قبل أن تكون حقًا، والمؤثر الذي يملك آلاف المتابعين يحتاج إلى أدوات مهنية تساعده على التعبير بوعي.
وربما من هنا تأتي أهمية الدورات التدريبية التي يمكن أن تقدّمها المؤسسات الرسمية أو المراكز المتخصصة، لتزويد المؤثرين بالمعرفة القانونية والإعلامية، وتعريفهم بالضوابط التي تحكم العمل الإعلامي، لأنّ الإعلامي الذي يفهم القوانين والضوابط، ويعي حدود الحرية والمسؤولية، سيكون أكثر قدرة على خدمة وطنه ومجتمعه.
عندما يكون هناك حوار وعلاقة صحية بين الحكومة والمؤثرين فإنّ ذلك سيفتح المجال للوصول إلى مواقف متقاربة، ويقلل من الفجوة بين الرأي الرسمي والرأي الشعبي - إن وجد -، كما أنه سيعزز الثقة المتبادلة، ويمنح المؤثرين شعورًا بأنهم جزء من صناعة القرار الإعلامي، وبالتالي ستكون هناك فرصة لتبادل الأفكار وتوضيح الأمور ومناقشة القضايا الوطنية بعمق، بعيدًا عن سوء الفهم أو التوتر الذي قد ينشأ في فضاء الإعلام المفتوح، ويقطع الطريق أمام استغلال الآخرين لمثل هؤلاء سواء كانوا يعلمون باستغلالهم أو لا يعلمون.
وبحكم عملي الطويل في الإعلام أرى أنه من الخطأ أن يُنظر إلى الإعلامي أو المؤثر باعتباره خصمًا يجب إسكات صوته؛ بل أرى أنّ الظرف والواجب يحتّم أن يُفهم ويُدعم، وأن تُوضح له الأمور حتى يتمكن من أداء دوره بوعي، عن طريق التعبير المسؤول الذي يوازن بين حق المواطن في المعرفة وواجب الدولة في حماية مصالحها، وإنّ إشراكهم في الحوار، وتزويدهم بالمعرفة، ومنحهم مساحة للتعبير المسؤول، يجعلهم قوة إيجابية تعزز مكانة الوطن في الداخل والخارج.
هناك فوائد متوقعة من استقطاب المؤثرين وتنظيم دورات داخلية لهم، منها تعزيز صورة الدولة في الخارج عبر خطاب موحد ومسؤول، ينقله المؤثرون إلى العالم، وتحويلهم إلى قوة ناعمة تخدم مصالح الدولة، بدلًا من أن يستقطبهم الآخرون لأجنداتهم. وأظن أنّ كلَّ ما أثير حول مشاركة المؤثرين العُمانيين في مؤتمر خارجي، يجب أن يكون دافعًا لنا للتفكير في كيفية تنظيم حضورهم في الداخل والخارج، وضمان أن يكونوا صوتًا مسؤولًا يعكس قضايا المجتمع ويحمي مصالح الدولة.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.