أفكار وآراء

الدور المسموم لـ «نخبة المصالح» في الحرب على إيران

قد تسجل الحرب الجارية علي إيران باعتبارها واحدة من أكثر الحروب التي لعبت فيها النخب المحيطة بصناع القرار دورًا مؤثرًا.

قيمة هذا الاعتراف هو أن كاتب هذه السطور ينتمي إلى مدرسة التحليل السياسي التي تؤمن بدور العوامل الموضوعية مثل المصالح الاقتصادية والطبقة الاجتماعية والموقع الجيوسياسي والخبرة التاريخية كمحركات أساسية لفهم قرارات السياسة والصراعات.

لكن أي منصف للحقيقة لا بد له أن يعترف بأن النخب «المتأثرة بالعوامل والمصالح الشخصية» المحيطة بصناع قرار أطراف تورطت في شن الحرب أو أطراف في منطقتنا، قد لعبت دورًا سلبيًا يتجاوز بكثير دورهم في الظروف الطبيعية.

وبينما يبدو دور النخب الإيرانية والإسرائيلية محكومًا ومقيدًا إلى حد بعيد بالإطار الأيديولوجي الصارم لكل منهما «العقيدة الصهيونية العنصرية والتوسعية لدى إسرائيل، وأيديولوجية الثورة الإسلامية المستمدة من الاثني عشرية الشيعية وخبرة الحضارة والدولة المعتدة بنفسها لدي إيران.. فإن دور النخب الأمريكية ودور بعض النخب العربية في هذه الأزمة كان جامحًا وغير مقيد ولعب دورًا مسموما في القرارات أو في ردود الأفعال والاستجابات لهذه القرارات.

اللافت أن هذا الدور الجامح لم تقم به نخب الدولة من الدبلوماسيين والعسكريين ومجمعات الاستخبارات والبيروقراطية التي تعكس مصالح النظام السياسي وتتسم بقدر كبير من الموضوعية وتمتلك خبرات مهنية سواء في إدارة الصراعات أو التفاوض، وراكمت معرفة تخصصية في تاريخ وقيمة الدول والمناطق محل النزاع.

كان هذا ليتسق كثيرا مع مفهوم ماكس فيبر عن دور النخبة والعناصر الكاريزمية في أوقات الأزمات؛ لكن من مارس هذا الدور الجامح كانت نخب مصالح لديها دوافع ومكاسب خاصة حاولت دفع صانع القرار نحوها، كما حاولت التأثير عليه عبر الرأي العام بخلق سردية مسيطرة تشكل الإطار السياسي والنفسي لصانع القرار.

في الحالة الأمريكية كان هذا الدور مكشوفًا وصريحًا لا تخطئه العين؛ فالرئيس الأمريكي اتخذ قرار الحرب على إيران الذي رفضه جميع الرؤساء الأمريكيين منذ بيل كلينتون ١٩٩٣وحتى بايدن ٢٠٢٥ وحذر من عواقبه الوخيمة مفكرو الاستراتيجية والأمن القومي المعتبرين مثل زبيغنيو بريجنسكي منذ عقد الثمانينات، بل إن ترامب نفسه رفض شن الحرب علي إيران في ولايته الأولى ٢٠١٧-٢٠٢١ عندما كان محاطا بنخبة الدولة العميقة من ذوي الخبرة مثل الجنرال ماكماستر والجنرال ماتيس.

في ولايته الثانية التي حقق فيها ترامب بمعايير المجمع الانتخابي انتصارا ساحقا تعاظمت كل خصائص علم النفس السياسي في شعور القائد بالتفرد والنرجسية والحاجة إلى أتباع أكثر من معاونين ومن علاقة الأول وسط أنداد إلى دائرة ضيقة من المقربين يسمعون الزعيم ما يود سماعه لا طرح البدائل من مهنيين يتمتعون بالبرود الموضوعي حتى لو تعارضت مع أفكاره وفهمه للعالم وفهمه الموقف المطروح.

همش ترامب في ولايته الثانية نسبيًا نخب البنتاغون والخارجية ومجمع الجيش والاستخبارات في عملية صنع القرار لصالح أصدقائه وأصهاره وأقاربه وكلهم تقريبًا من مجتمع الأعمال والعقارات، وكلهم تقريبًا بدون أي خبرة سياسية أو أكاديمية أو عسكرية أو أمنية أو دبلوماسية.

وبينما أحاط آخر رئيس سبقه وهو بايدن نفسه برئيس للسي آي أيه من وزن ويليام بيرنز ومستشار أمن قومي مثل جاك سوليفان فإن ترامب أحاط نفسه بصهريه جاريد كوشنر ومسعد بولس وصديقيه ستيف ويتكوف وتوم براك. تجمع كل هؤلاء مظلة واحدة هي وجود مصالح اقتصادية هائلة لهم في كثير من دول العالم خاصة الشرق الأوسط.

وكان لافتًا تداول الصحف الأمريكية معلومات عن صفقات بمليارات الدولارات مع دول عربية تزامنت مع جولات هؤلاء للتفاوض في نزاعات المنطقة من غزة إلى السودان ومن لبنان إلى إيران في حالة تضارب مصالح غير مسبوق في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية.

نخبة المصالح هذه التي تتعامل مع صراعات مزمنة ودول المنطقة ذات الثقافات والحساسيات المعقدة القابلة للانفجار بخفة تصل إلى السطحية السياسية مرتبطة أشد الارتباط بل هي جزء من نخبة مصالح أخرى هي اللوبي الصهيوني المالي الداعم الأكبر لترامب الذي يدفع في اتجاه تبني أجندة إسرائيل ونتنياهو المتطرفة للعمل «كبلطجي الشرق الأوسط» وقوته الإسبرطية الوحيدة التي تؤدب وتخضع الجميع.

انفرد ترامب بمفارقة جميع الرؤساء السابقين بنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس معترفا أمام الكنيست الإسرائيلي في سبتمبر ٢٠٢٥ بأن ذلك كان تحت نفوذ سياسي غير معتاد لأشخاص مثل ميريام أديلسون الصهيونية المتطرفة التي قدمت تبرعات سخية وطالبته مقابلها بنقل السفارة للقدس المحتلة والاعتراف بالجولان المحتل أرضا إسرائيلية.

تحت تأثير نخبتي المصالح هاتين وجد نتنياهو أخيرا مناخا في situation room بالبيت الأبيض للتأثير على الرئيس الأمريكي لشن حرب غير ضرورية وغير مشروعة على بلد لا يشكل تهديدا لأمريكا.

نخب المصالح الأخرى التي ظهر واضحا تأثيرها الزائد والسلبي على بيئة صنع القرار وردود الأفعال كانت في بعض الدول العربية.

هذه الظاهرة كانت شبه إقليمية إذا صح التعبير ولم تكن قاصرة على رجال الأعمال كما في الحالة الأمريكية وكذلك لم تكن في الدائرة القريبة جدا «أقارب و أصدقاء» كما في حالة ترامب، لكنها ربما لم تكن أقل تأثيرا.هذه الدائرة تكونت من إعلاميين ونخب ثقافية وباحثين تعلم بعضهم في الغرب وتبني بطريقة بأخرى الرواية الأمريكية والإسرائيلية لطبيعة الصراع بالمنطقة.

على المستوى الإقليمي بنى هؤلاء كذلك مصالح واسعة لهم مع دول أخرى غنية بالمنطقة على مدى العقود الأربعة الأخيرة ووصل بعضهم لإقامة علاقات وبرامج بحثية وزيارات مع جامعات ومراكز دراسات وتفكير في إسرائيل. يستمتع هؤلاء برضا حكومي وبحضور نافذ في وسائل الإعلام وفي لجان استشارية وقنوات مفتوحة لتقديم أوراق السياسات وتقدير الموقف وقد صبغوا كل ذلك بلون مصالحهم معتبرين أن إيران هي العدو وليست إسرائيل، وأنه على دولهم الانضمام إلى الحرب مع إيران حتى إسقاط النظام وإضعاف إيران وإعادتها كما كانت أيام الشاه حليفا تابعا لواشنطن.

ورغم فشل شبه تام لهؤلاء مع الرأي الشعبي الذي ينحاز لكل من تعتدي عليه إسرائيل ويرد عليها مصوبًا سلاحه ضدها، فإنهم نجحوا إلى حد غير قليل مع صناع قرار على الأقل في التراجع عن مواقف نأت فيه بنفسها عن الصراع نحو مواقف وتحركات قد تورط بلدانها في الحرب.

الولاء المزدوج لبعض النخب صاحبة المصالح لم يقتصر على الدول العربية غير الغنية بل وصل لبعض الدول الغنية التي شهدت انقساما علنيا في وجهات النظر بين نخب عاقلة اعتبرتها حرب نتنياهو فخًا منصوبًا قد يدمر البنى التحتية للطاقة ومحطات تحلية المياه، وأوصت وأثنت على صانع القرار الذي تجنب المواجهة، ونخب جامحة من ناحية فضلت سياسات بلدان أخرى ترتبط بها مصلحيًا على سياسات بلدانها، وسعت لإبقاء نيران الحرب والمضي ضمنيًا في مخطط نتنياهو لعرقلة المفاوضات وإفشالها، إن لم تسفر هذه المفاوضات عن القضاء على النظام الإيراني وحلفائه في الإقليم.

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري