المال في السمت العُماني
الاحد / 22 / ذو القعدة / 1447 هـ - 19:11 - الاحد 10 مايو 2026 19:11
وأنا أتابع مقاطع مصورة لحركة الأسواق العُمانية العريقة مثل سوق نزوى، يبهرني الحضور القوي للسمت العُماني في حركة الناس وتعاملاتهم؛ ذلك الدستور الأخلاقي غير المكتوب الذي صاغ علاقة العُماني بالمال والتعاملات اليومية. إن المتأمل في حراك سلطنة عُمان اليوم لاستعادة هذا السمت يدرك أنها ليست مجرد حملة لتعزيز الهُوية، بل هي استرداد لنمط حياة يقوم على الرزانة والأنفة، حيث يُنظر للمال كمرآة تعكس معدن الإنسان لا حجم رصيده.
في الثقافة العُمانية، لا يُعد المال غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتعزيز الروابط الاجتماعية وإقامة «الواجب».
يسود في المجتمع إيمان عميق بمفهوم «البركة»، وهي القيمة التي تتجاوز المبالغ المالية لتضع القناعة في مقدمة الأولويات. لذا، يبتعد العُماني في تعامله المالي عن الاستعراض والبذخ، متبنيًا نهجًا يتسم بالوقار والترفع. يظهر ذلك جليًا في إتيكيت البيع والشراء؛ فالعُماني يأنف من المجادلة الفجة أو بخس السلع، ويمارس فن «المكاسر» بكياسة وتقدير لمجهود الطرف الآخر، فإن لم يناسبه السعر انسحب بكلمة «الله يوفقك»، التي تحمل في طيّاتها تمنيات الرزق للغير.
هذا السمت يتجلى في أدق التفاصيل؛ فدفع المال واستلامه يتم باليد اليمنى بوقار، وتصحبه دعوات صادقة بالخَلَف والبركة، في مشهد ينم عن رقيّ فطري يربط المادة بالقيم الروحية. في حين يضج العالم بالمادية الاستهلاكية، يبرز السمت العُماني كدرع واقٍ للجيل الحالي، يعلمهم أن «المرجلة» تكمن في الأمانة والصدق في التعامل. فالتاجر العُماني قديمًا كان سفيرًا لأخلاقه قبل بضاعته، واليوم يُعاد غرس هذه القيم في نفوس الناشئة ليدركوا أن القيمة الحقيقية للمرء تكمن في سمته وتواضعه، لا فيما يملكه من مظاهر خادعة.
إن استعادة هذا الإرث الأخلاقي في التعاملات المالية تعني بناء جيل يعتز بأمانته، ويمارس التجارة كفنّ للأدب، ويدير ماله برزانة العاقل وكرم الأصيل. إنها دعوة للتمسك بوقار الصمت في التعامل، وباليد التي تعطي قبل أن تأخذ، ليبقى السمت العُماني علامة فارقة في جبين الهُوية الوطنية، ومنارة تضيء طريق التعاملات الإنسانية في عالم يتوق للقيم الأصيلة.
حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية