أعمدة

ما لا يدخل حيز الوعي يعود إلينا كقدر!

تسنّى لي في أحد الأماكن العامّة أن ألتقي بإحدى الأمّهات، فتدفّق بيننا في صالة الانتظار حديثٌ مُتشعّبٌ بعد أن عرّفتني على أبنائها.

ثمّ أخبرتني عن ابنتها الغائبة لأسباب لم أفهمها بادئ الأمر، وكيف أنّها ووالدها بذلا جهدًا لإعادتها إلى صوابها واستنفدا ما بأيديهما من حيلة. لكنّ الابنة أخذت تتصرّف بغرابة وهي تعيش على حافّة مخاوف غير طبيعية وتلجأ إلى العزلة لحماية حياتها من شيءٍ مجهول!

القصّة لا تكمن هنا، وإنّما في إدانة الكتب؛ فقد انبرت الأمّ تُلقي التُهم على الكتب التي تقرؤها ابنتها، حتى أصابتها -على حدّ وصفها- بمسٍّ من الجنون! الأمر الذي أثار استغرابي حقًّا هو تفضيل الأبوين تحميل الكتب مسؤولية ما آلت إليه سلوكيات ابنتهما المُكتئبة والغاضبة والمُنعزلة.

سألتها سؤالين ظننتُ أنّهما ضروريّان آنذاك. الأوّل: عن أيّ نوعٍ من الكتب تتحدثين؟ فردّت الأمّ بشيءٍ من الصلف: تلك التي تُغيّر التفكير وتُفسد الحياة. تداركتُ الأمر وسألتها: إن كانت لدى ابنتها نزعة سابقة لهذا الميل الذي تصفه بالمُضطرب، فأكّدت أنّه موجود على نحوٍ مُبكّر، لكنّ القراءة أشعلت فتيله!

وجدتُ نفسي مُتحفزة لسؤالها: عندما قلتِ بأنّكِ ووالدها بذلتما قصارى جهدكما، هل قصدتِ أنّها خضعت لتشخيصٍ نفسيٍّ مثلًا؟ آنذاك شعرتُ بتغيّر في ملامحها الودودة ونبرة صوتها، رغم أنّها -كما يبدو- أمٌّ متعلّمة، ففهمتُ أنّهم مضوا في الطريق المُعاكس تمامًا!

وآنذاك أردتُ حقًّا أن أقول لها ما قاله مُنظر علم النفس التحليلي كارل يونج، «ما لا نُدخله إلى حيز الوعي يعود إلينا كقدر»، وهذا ما أراد الوالدان تصديقه كقدرٍ لابنتهما المسكينة.

ما زلتُ أشعر بشيءٍ من التعجّب من بعض الفئات المتعلّمة التي تميلُ لمن يُخبرها بمن يضرّها وينفعها ومن يصيبها بالعين ويعمل لها «الأعمال»، على أن تقصد طبيبا نفسيّا.

وكأنّهم يميلون دائما إلى التصديق بوجود قوّة خارقة لا قدرة لهم على ردّها، بدل الاعتراف بوجود عطبٍ داخليٍّ، وكأنّ في ذلك نقيصةً أو عيبًا!

على الضفّة الأخرى، نجد وسائل التواصل الاجتماعي، تتدفق علينا يوميًا بمقاطع قصيرة في كبسولات مُكثّفة، تجعلنا نُعيد تفسير ذواتنا من خلال سلسلة متناسلة من التشخيصات التي تتجاوز تعقيدنا البشري، إذ تُفرط في تحويل كل اختلافٍ إنساني وكل انفعالٍ عابر وكل قلقٍ طبيعي إلى اضطرابٍ مُحتمل! فهم بدرجةٍ أو بأخرى -وعلى نحو استهلاكي- يحوّلوننا جميعًا إلى مرضى! ويلمسون العصب الأكثر حساسية فينا: أعني تصوّرنا عن أنفسنا. والأشدّ خطورة أنّ القُصَّر والمراهقين هم الفئة الأكثر تعرّضًا لهذا الخطاب في مرحلة تشكّل ملامح شخصيّاتهم، فيغدو التشخيص الذي يُعرض في أقلّ من دقيقة، جزءًا من هويّة أحدهم، فيصدق مثلا بأنّه مصاب بمتلازمة الشخصية الحدّية أو ثنائيّ القطب، بقدر ما قد يصدق أنّه مصاب بـ«العين» أو السحر.

فينظر إلى ذاته كشيءٍ مُختلّ، دون أن يُخبَر بأنّه تجربة إنسانيّة قابلة للنموّ والتجاوز والتبدّل!

لا أكتبُ عن حالةٍ فرديّة؛ فهناك معاناة خفية تُغلق عليها الأبواب وتُحبس بعيدًا عن الأنظار، معاناةٌ تصيب الشباب وكبار السن، لكنها تُحاصر بالتكتّم الاجتماعي والتحفّظ المبالغ فيه.

وبين عالمين متناقضين متطرّفين: إمّا إلقاء اللوم على مؤثّر خارجي كالسحر والحسد والكتب، وإمّا مبالغة في تعرية النفس إلى الحدّ الذي يجعل الإنسان يشكّ في كلّ تفصيلٍ من ذاته، أسأل: إلى أيّ درجة يهتم قطاع الصحّة في عُمان بالطبّ النفسي السلوكي؟ وقبل هذا: بتثقيف المجتمع حول هذه الأعراض؟ لا سيّما في المناطق الأبعد عن مراكز المدن؟ فالعالم الحديث، بكلّ ما يفرضه من عزلةٍ وضغوطٍ اقتصاديّة وتحولاتٍ اجتماعية وتسارعٍ رقمي، لم يعد يُنتج تغيّرات في أنماط العيش فحسب، وإنّما يُغيّرنا نحن أيضًا نفسيًّا وعاطفيًّا.

يشير الفيلسوف ميشيل فوكو في كتابه «تاريخ الجنون» إلى مفارقةٍ لافتة؛ فالجنون والأمراض النفسية، وإن لم تكن شبيهةً بالجذام، فإنّها تُشغل الحيّز نفسه داخل البنية الاجتماعية، كفضاء معد للإقصاء والعزل. ولذا يتبدّى لنا أنّ معالجة التصوّرات الاجتماعية لا تقلّ أهميةً عن معالجة الأمراض ذاتها.

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»