الاقتصادية

كيف تؤثر التوترات الدولية على تكلفة الحياة في سلطنة عُمان؟

 


أثّرت التوترات الدولية التي شهدتها المنطقة مؤخرا على الأسواق العالمية، حيث سجلت أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد ارتفاعات ملحوظة، انعكست بشكل مباشر على تكلفة المعيشة في مختلف دول العالم، بما في ذلك سلطنة عُمان التي تعتمد على الاستيراد في تأمين جزء كبير من احتياجاتها الاستهلاكية.
وامتدت تداعيات هذه الأزمات إلى أسواق التجزئة ورفوف المتاجر، مما جعل المستهلك يواجه زيادات متتالية في أسعار السلع والخدمات الأساسية، حيث سجل معدل التضخم في سلطنة عُمان نحو 3.6% خلال شهر مارس الماضي، حسب بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات.
وأكد تجار ورواد أعمال في قطاع بيع المواد الغذائية والإنشاءات أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة أثرت بشكل مباشر على أسعار المواد الغذائية الأساسية، ومنها الخضروات والفواكه والزيوت والحبوب والسكر والقهوة وبعض المنتجات المستوردة المرتبطة بالنقل البحري.
وقالوا في استطلاع لـ 'عمان 'إن متوسط الزيادة في أسعار مواد البناء تراوحت بين 15% و25% في السوق المحلي، مشيرين إلى أن الحصول على مواد البناء بات يستغرق وقتًا أطول خلال الفترة الحالية.
أبرز السلع المرتفعة
قال سالم الخصيبي الرئيس التنفيذي لمجموعة محلات 'ماكرو' المتخصصة في قطاع البيع بالتجزئة: إن التوترات الدولية أثرت بشكل مباشر على أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية، نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطرابات سلاسل التوريد العالمية، ومن أبرز السلع التي شهدت ارتفاعات ملحوظا الخضار والفواكه والزيوت والحبوب والسكر والقهوة، وبعض المنتجات المستوردة المرتبطة بالنقل البحري المباشر.
ويرى الخصيبي أن جزءًا كبيرًا من هذه الارتفاعات كان مبررًا بسبب الزيادة الفعلية في تكاليف التشغيل والتوريد عالميًا، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الوقود والشحن والتأمين. ومع ذلك، هناك بعض الزيادات التي تجاوزت الحدود المتوقعة في بعض الأسواق، مما دفعه إلى تكثيف التفاوض مع الموردين والبحث عن بدائل متنوعة للحفاظ على استقرار الأسعار قدر الإمكان.
سلوك المستهلك
و فيما يتعلق بسلوك المستهلك، أوضح الخصيبي أنه يوجد تغير في أنماط الشراء، حيث أصبح المستهلك أكثر وعيا بالأسعار وأكثر اهتماما بالعروض والمنتجات ذات القيمة العالية، وارتفع الإقبال على المنتجات المحلية باعتبارها خيارا أكثر استقرارا من ناحية التوفر والسعر، وهو ما يتماشى مع توجه مجموعة محلات 'ماكرو' في دعم المنتج الوطني وتعزيز الاستدامة الاقتصادية في سلطنة عُمان.
وفي سياق متصل، أوضح إسحاق بن راشد النهدي أن أسعار المنتجات الغذائية شهدت ارتفاعا ملحوظًا عقب الأوضاع الجيوسياسية التي مرت بها المنطقة، لاسيما أسعار الخضروات والفواكه، إضافة إلى السلع التي تصل إلى سلطنة عُمان من الدول المجاورة.
مراقبة الأسعار
وأشار إلى أن تداعيات التوترات انعكست بصورة مباشرة على الأسواق، مقترحًا أن تقوم هيئة حماية المستهلك بمراقبة الأسعار بدءًا من بلد المنشأ وحتى وصول المنتج إلى السوق المحلي، لمعرفة التكلفة الحقيقية للسلع وهوامش الربح في مختلف مراحل النقل والتوزيع.
وأضاف النهدي أن بعض التجار استغلوا الظروف الراهنة، وأن أسعار بعض المنتجات، مثل الطماطم، قفزت بشكل كبير.
وأعرب عن أمله في عودة الأوضاع إلى طبيعتها وانفراج التوترات التي تشهدها المنطقة، مؤكدا في الوقت ذاته حرصه على مراعاة المستهلكين من خلال الاكتفاء بهوامش ربح بسيطة عند البيع.
أسعار البناء
من جهته، قال المهندس هاشم بن مبارك الراشدي: إن التوترات في مضيق هرمز والمنطقة انعكس أثرها بشكل واضح على مختلف القطاعات، سواء اللوجستية أو الغذائية أو قطاع الإنشاءات، موضحًا أن قطاع البناء شهد ارتفاعات ملحوظة في أسعار الحديد والأسمنت والخرسانة، إلى جانب مواد الكهرباء المرتبطة بأسعار النحاس، وكذلك الألومنيوم والزجاج.
وأضاف الراشدي أن القطاع تأثر بصورة مباشرة نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن، مشيرًا إلى أن متوسط الزيادة في أسعار مواد البناء تراوح بين 15% و25%، وفقًا لما وصفه بـ'تجربة واقعية' في السوق المحلي.
وأوضح الراشدي أن الحصول على مواد البناء بات يستغرق وقتًا أطول خلال الفترة الحالية نتيجة التوترات في مضيق هرمز، مقارنة بالفترات الماضية التي اتسمت فيها الأوضاع بالاستقرار، الأمر الذي فرض تحديات إضافية على شركات الإنشاء والتطوير العقاري.
الاعتماد على الاستيراد
وأوضح رائد الأعمال سعيد بيت سعيد أن التوترات في مضيق هرمز تمثل خطرًا على الاقتصاد العالمي، باعتباره أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط والغاز، موضحا أن أي اضطراب أو تعطّل في حركة الملاحة ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة عالميًا، مما يقود إلى ما يُعرف بـ'التضخم المدفوع بالتكلفة'، حيث ترتفع أسعار السلع والخدمات نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج والنقل.
وأشار إلى أن تداعيات الأزمة لا تقتصر فقط على قطاع الطاقة، إنما تمتد إلى الشحن البحري الذي يشهد ارتفاعا ملحوظا في التكاليف بسبب زيادة أسعار الوقود ورسوم التأمين وتحويل مسارات السفن إلى طرق أطول وأكثر كلفة، ما يؤدي إلى إطالة زمن وصول البضائع وارتفاع أسعارها في الأسواق العالمية.
وبيّن بيت سعيد أن النتيجة المباشرة لهذه التطورات تتمثل في ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية كالقمح والزيوت واللحوم، نتيجة زيادة تكاليف النقل والطاقة والأسمدة، لافتا إلى أن الدول الأكثر تأثرا بهذه الأزمات هي الاقتصادات الناشئة والدول المعتمدة على استيراد الغذاء.
وأضاف أن استمرار التوترات لفترات طويلة قد يقود إلى موجة تضخم عالمي مرتفعة، تتزامن مع تباطؤ اقتصادي وربما ركود تضخمي، في ظل ترابط الاقتصاد العالمي وتشابك سلاسل الإمداد، مشيرا إلى أن اضطراب مضيق هرمز يخلق سلسلة من التداعيات تمتد من الطاقة والنقل إلى الغذاء، وتنتهي بارتفاع تكلفة المعيشة على المستهلكين .
مبالغة في الأسعار
من جهة أخرى، عبّر مستهلكون مواطنون عن تأثرهم المباشر بارتفاع تكاليف المعيشة، مشيرين إلى أن التوترات الجيوسياسية وانعكاساتها على أسعار الطاقة والشحن أسهمت في زيادة أسعار السلع الأساسية، لا سيما الخضروات والفواكه واللحوم والدواجن، مما فرض ضغوطًا إضافية على الميزانية الشهرية للأسر.
وأشاروا إلى أن جزءا من هذه الزيادات يبدو مبررا نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن عالميًا، إلا أنهم أكدوا في الوقت ذاته وجود مبالغة واستغلال من بعض التجار في رفع الأسعار بصورة سريعة وغير مبررة، خاصة مع بداية الأزمة.
وأوضحوا أنهم اضطروا خلال الأشهر الماضية إلى تغيير أنماطهم الاستهلاكية عبر تقليص الإنفاق على الكماليات، والتركيز على شراء الاحتياجات الأساسية فقط، إلى جانب البحث عن العروض والخصومات والاعتماد على البدائل المحلية للتخفيف من أعباء المصروفات الشهرية.
ولفتوا إلى أن التأثير الأكبر لارتفاع الأسعار يقع على ذوي الدخل المحدود والمسرحين عن العمل، في ظل صعوبة مواكبة أي زيادات مفاجئة في تكاليف المعيشة، مؤكدين أهمية تشديد الرقابة على الأسواق لضمان استقرار الأسعار وحماية المستهلكين.
وقال هلال بن حمود بن هلال الحبسي: فرضت التوترات الجيوسياسية ضغوطاً ملموسة على الميزانية الشهرية، حيث استنزفت تكاليف المعيشة الأساسية جزءا أكبر من الدخل وأبرز الزيادات كانت تتضمن السلع الأساسية وارتفاع أسعار الخضروات في الأسواق، بالإضافة إلى ارتفاع ملحوظ في تكلفة الخدمات اللوجستية والشحن، مما انعكس بشكل تراكمي على أسعار السلع الاستهلاكية المستوردة.
ويرى الحبسي أن هناك جزءا مبررا يرتبط طرديا بارتفاع مؤشرات الطاقة العالمية وتكاليف التأمين على الشحن البحري، وهي عوامل خارجة عن السيطرة المحلية.
وتابع قائلا : 'نجد في بعض القطاعات مبالغة غير مبررة واستغلالاً لهذه الظروف لرفع هوامش الربح؛ لذا نحتاج إلى موازنة دقيقة بين التحديات العالمية وتشديد الرقابة لضمان استقرار الأسواق'.
العادات الشرائية
وتحدث الحبسي عن كيفية تعامله مع ارتفاعات الأسعار قائلا : ' اتبعت استراتيجية إعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية بدلاً من الاستهلاك العشوائي، حيث ركزت على تحويل المصروفات نحو الأصول ذات القيمة المضافة، وغيّرت بعض العادات الشرائية عبر الاعتماد على البدائل المحلية وتقليل الإنفاق على الكماليات، مع التركيز على الكفاءة في إدارة الموارد اليومية لضمان استدامة التخطيط المالي طويل الأمد'.
من ناحيتها، قالت كريمة بنت عبدالله الهنداسي: إن مصروفها الشهري تأثر بشكل ملحوظ، خاصة عند شراء المواد الغذائية الأساسية، مشيرة إلى ارتفاع أسعار الفواكه والخضروات واللحوم والدجاج والأرز، مما زاد من الأعباء المالية والتكاليف على مصروفها الشهري مقارنة بالفترة الماضية.
وترى أن جزءا من هذه الزيادات قد يكون مبررا نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن وأسعار الطاقة، إلا أنها أشارت في الوقت ذاته إلى وجود مبالغة واستغلال في بعض الأسعار، لافتة إلى أن وتيرة الارتفاع كانت سريعة وكبيرة فور اندلاع الحرب والتوترات في المنطقة.
⁠وأوضحت بقولها: 'الأشهر الثلاثة الماضية قمت بشراء الاحتياجات الأساسية فقط، وبدأت أبحث عن العروض والخصومات التي تعلن عنها المحال التجارية لكي أخفف من الضغط على المصروف الشهري المعتاد'.
الأكثر تضررا
من جانبه، قال أحمد بن محمد اليحيائي: إن الارتفاع في الأسعار بدأ مع اندلاع التوترات السياسية، مشيرا إلى أن بعض التجار في الداخل والخارج استغلوا الأوضاع، سواء في عمليات الاستيراد أو التصدير، ما أسهم في زيادة الأسعار خلال الفترة الأولى من الأزمة.
وأوضح أن التأثير الأبرز كان في أسعار الخضروات والفواكه، إضافة إلى الدواجن، إلا أن الأسعار بدأت بحسب وصفه بالعودة تدريجيا إلى مستوياتها الطبيعية بعد مرور نحو شهر على بداية الأزمة.
وأضاف اليحيائي أن المشكلة كانت مرتبطة ببعض التجار في السوق المحلي أكثر من ارتباطها بنقص فعلي في السلع، مؤكدًا أن الأسعار حاليا تبدو مستقرة وطبيعية إلى حد كبير.
وأشار إلى أن تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة يختلف من شخص إلى آخر، لافتًا إلى أن الفئات الأكثر تضررا هم المسرّحون عن العمل وذوو الدخل المحدود، خصوصًا من لا تتجاوز رواتبهم 300 ريال شهريًا، في ظل صعوبة التكيف مع أي ارتفاعات مفاجئة في الأسعار.