أفكار وآراء

حالات حصار

في العصر الذي تندفع فيه حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة موضعة علاقاتها بالعالم، لا شك أنها تدرك أن العالم كذلك يعيد ترتيب علاقاته بها وببقية قواه.

ومن هذه الزاوية يمكننا، هنا في الشرق، تصوير علاقتنا بالحكومة الأمريكية، ما بعد الحرب العالمية الثانية، كأنها علاقة نمت تحت ظلال القنبلتين النوويتين اللتين ألقتهما على هيروشيما ونجازاكي، وتحت تأثيراتها الإشعاعية كذلك.

فلو عدنا إلى أبرز محطات هذه العلاقة لوجدناها حربية الطابع، إما عسكريًا وإما اقتصاديًا، والعسكرية منها أغلبها غير محسوم، وأقرب للفشل منها للنجاح؛ وكأن عصر الهيمنة الأمريكية عصر ولادة الصراعات المفتوحة، من شرق لغرب آسيا، من علاقة اليابان والصين المتوترة، وتايوان، والكوريتين، وصولًا إلى فلسطين وإسرائيل الإرهابية، مرورًا بأفغانستان والعراق؛ ولا أدل على ذلك من هذه اللحظة التي يستمر فيها الحصار الأمريكي على إيران.

يعد الحصار طوال التاريخ جزءًا من أفعال الحرب، لذلك لا يمكننا القول بأن الحرب انتهت، وها هي تتجدد بالاشتباكات والضربات؛ فلا حرب تنتهي بحصار إلا إذا شئنا التلاعب بالكلمات.

هكذا اتضح بالدليل العملي والنيران أن الحرب لم تتوقف، وما زالت فصولها مستمرة، وهذه الحالة من عدم الحسم يبدو أنها أحد ملامح عصر الهيمنة الأمريكية الذي يتنبأ كثيرون بأنه عصر قاربت شمسه على الأفول، كما كتب كثيرون منهم نسرين مالك في الجارديان وترجمت مقالتها في جريدة عمان مؤخرًا.

لكن قبل ذلك، ولتجنب خطابات الكراهية والعنصرية والعدوانية، أظن علينا التمييز بين السياسة الأمريكية وأدواتها وتاريخها وبين الثقافة الأمريكية بالمقابل، تلك الثقافة التي قدمت لعالمنا المعاصر أبرز تياراته ونجومه، منذ والت ويتمان وديفيد ثورو ومارتن لوثر كينج وآينشتاين وجبران إلى إدوارد سعيد ونعوم تشومسكي وجينسبيرغ، وأمثالهم في أغلب المجالات.

وهي الثقافة التي أثرت على العالم من أقصاه لأدناه، بما في ذلك حركات التحرر المختلفة؛ بل ومقاومة الاستعمار.

وهي الثقافة التي صنعها المهاجرون من دول مختلفة، وكأن أمريكا شكلت في لحظة ما فعلًا أرضًا جديدة، ألهمت الناس كي يذهبوا أبعد بخطوات أوسع في المستقبل الإنساني.

لكن كل ذلك التاريخ الإنساني الثقافي والفني الذي صنعه أولئك المهاجرون تجري محاربته اليوم من جذوره، عبر حركة مكافحة الهجرة التي تقودها حكومة الأفول الأمريكية الحالية، والتي تزعم أن الهجرة هي الخطر الذي يهدد بالانهيار.

لا شك أن الإدارة ومعها النخبة الأمريكية السياسية والمالية تستشعر مستقبلًا غامضًا، وهي تبحث عن أسبابه في الجهة الخطأ، كما لا شك أن الحالة الأمريكية حالة شغلتنا طويلًا في العالم العربي والشرق كله؛ وذلك ما أنتج أعمالاً فنية وأدبية كثيرة، فضلًا عن الدراسات.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، مسرحية زياد الرحباني «فيلم أمريكي طويل» الذي تدور أحداثه في مستشفى مجانين إبّان الحرب الأهلية اللبنانية، إلى رواية أمريكانلي لصنع الله ابراهيم، إلى ثلاثية الصهد للكويتي ناصر الظفيري، وغيرها كثر.

إن العصر الأمريكي له تجلياته التي لا تنتهي في كل مكان، ولا يُلام المبتعثون المصابون بالحنين إلى أمريكا، ولا المهاجرون الذين قرروا الإقامة ولم يعودوا، لكن كل تلك الأحلام والمشاعر مهددة اليوم، أو تقوم الإدارة الحالية بابتزاز العالم بسببها، وكأن كل ذلك الماضي الأمريكي القريب يبدو هو الآخر في حالة حصار الآن.

ولنا أن نستعيد صوت محمود درويش في حالة حصار: «هنا عند منحدرات التلال/ أمام الغروب وفوهة الوقت/ قرب بساتين مقطوعة الظل/ نفعل ما يفعل السجناء/ وما يفعل العاطلون عن العمل/ نربّي الأمل».لكننا نحن كذلك في جزيرتنا العربية وخليجنا نبدو في حالة حصار واضحة، مزدوجة، بين إغلاق المضيق بيد إيران، وبين حصار الولايات المتحدة الأمريكية على إيران، والذي يشملنا ويشمل دول الخليج والعراق، بل ويشمل العالم إذا احتسبنا الأسواق المعتمدة على استيراد الطاقة من هذه المنطقة الحيوية.

لكن هذه المنطقة الحيوية اليوم متروكة لمصيرها، أو لقواها الذاتية؛ «على دول الخليج أن تحمي ذاتها ومصالحها» تقول الاستراتيجية القومية الأمريكية المنشورة نهاية العام الماضي، فك ارتباط من جانب واحد، على الطريقة الأمريكية، بينما تبدو أنظمتنا كأنها ظلت تراهن على حصان بدأ يحصد الخسائر منذ عقد من الزمان على الأقل، ولم تراهن بما يكفي على أحصنتها التي تمتلكها، واليوم تبدو المنطقة برمتها من وراء هذا الخيار في مأزق علني، للداخل والخارج.

المأزق العلني هو باختصار أن يتم تقرير مستقبل مضيق هرمز دونها، وأن يترك المضيق غنيمة للأقوى ولمن ينتصر في الحرب الجارية، وكل ذلك دون أن يكون لدول المنطقة دور صريح واضح بما يكفي من القوة في مستقبل ممرها المائي الأهم والوحيد، فهل هذا موقف ضعف منا أم قوة؟

لست من دعاة الحرب والاضطرابات، ولا من قارعي طبول المعركة بكل تأكيد، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه علينا، رغمًا عنا، هو أين هي المنظومة الخليجية والثقل الجيوستراتيجي لدول المنطقة؟ وأين الوحدة الدفاعية المشتركة؟ وكيف تفككت كل هذه الدول، على قلتها، رغم تاريخها وحاضرها ومصيرها المشترك؟ ولماذا في هذا الوقت بالتحديد نشهد المزيد من التفكك والتخارج، أعني خروج دولة الإمارات الأخير من منظومة أوبك، وهل كان ذلك بالتنسيق مع السعودية أم لا؟ ولماذا يحدث ذلك الآن في الوقت الذي يصفه الخبراء بأسوأ أزمة طاقة منذ السبعينيات؟

كشفت الحرب أن مساحة الحركة الممكنة لدول الخليج ضيقة، لا تجاوز حالة الدفاع السلبي، والحراك الدبلوماسي، والعلاقات الدولية، والمال، لكن لماذا وجدنا أنفسنا في هذا الوضع؟ وكيف لم تفطن أنظمتنا لحالتها هذه من قبل؟ أو كيف لا تفطن لها الآن وهي في خضم الأزمة؟ ولماذا نجد أنفسنا معرضين لمزيد من التفكك، وأن حدود التضامن لا تتجاوز بيانات الإدانة والشجب؟

إن نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية انطلق بداية الثمانينات، وهو أقل عمرًا بكثير من كل أنظمة الخليج الحالية، لكنه كنظام استطاع أن يشكل حجر عثرة للحرب التي حاولت القضاء عليه وتصفيته، ورغم الخسائر المادية لكنه تمكن من التماسك حتى اللحظة، بل ومن قلب الطاولة، عبر فرض سيطرته الميدانية على مضيق هرمز، وعبر أسلحته الجوية التي استهدفت فيما استهدفت كل دول الخليج، بينما في المقابل وجد الخليج نفسه محاصرًا بين نارين، لذلك من الطبيعي إن لم يكن من الواجب أن يسأل الخليجي نفسه لماذا نحن في حالة حصار؟

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني