بريد القراء

أفلا يشكرون !

 

في البدء نقول: 'الحمدلله على أدق النعم التي لا يفيها ثناء ولا يوفيها حمد'، ثم نقول مرة أخرى إن نعم الله على الإنسان لا تُحصى، ولو تأمل كل منا ما لديه، وما أنعم الله تعالى عليه من خيرات، وما صرف عنه من أذى وبلاء، لسجدنا جميعًا له شكرًا وحمدًا لا يوازيه شيء. ولأدركنا أن الله سبحانه قد أحاطنا بنعم عظيمة لا تعد ولا تحصى، وأن الابتلاءات ما هي إلا تكفير لذنوب سابقة، وتخفيف لآثام تُمحى بحمده وشكره وطاعته.


وردت عبارة 'أَفَلَا يَشْكُرُونَ' في القرآن الكريم مرتين، وكلتاهما في سورة يس؛ الأولى في الآية (35): 'لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ'، والثانية في الآية (73): 'وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ'.
وبحسب آراء الفقهاء، فإن قوله تعالى: 'أفلا يشكرون' جاء بصيغة استفهام إنكاري توبيخي، يحث الله سبحانه فيه عباده على شكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وخاصة نعمة الأنعام والنبات والثمار وتسخيرها لهم، داعيًا إياهم إلى تذكره وتوحيده بدلًا من الشرك أو كفران النعم.


الإنسان غالبًا لا يشعر بقيمة ما لديه من خير إلا عندما يفقده، وهذه حقيقة لا جدال فيها، فلا الصحة تدوم، ولا المال والولد يبقيان على حالهما، ولا المكانة العالية بين الناس تظل ثابتة، فكل شيء في هذه الحياة زائل، ومآله إلى الفناء.


إذا كنت تريد أن ترى نعم الله عليك، فابدأ بزيارة المستشفيات، فهناك سترى عالمًا آخر تتضاءل أمامه ملذات الحياة. ففي أجنحة التنويم تشاهد حكايات من الألم والمعاناة، وترى أرواحًا تتقلب بين الرجاء والوجع، وتدرك حينها أن نعمة الصحة لا تساويها كنوز الدنيا. وعندما تغادر، احمد الله على ما أنت فيه من عافية وسلامة، فلحظة ألم واحدة قد تجعل الإنسان ينسى الدنيا وما فيها، ويكفي أن تسمع أنين المرضى لتوقن أن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء.


اذهب إلى المقابر، فهناك ستجد درسًا آخر تمنحه لك الحياة بصمت مهيب، فمن كان قوي البنيان، عالي الصوت، نافذ الحضور، لم يبقَ منه سوى أثر اختلط بتراب الأرض. تأمل حال أولئك الذين خدعتهم الدنيا بزخرفها، ثم مضت أيامهم سريعًا وانتهت حكاياتهم بالرحيل.


تذكر أنك تنام دون وجع، وتقضي معظم أوقاتك بين الضحك والطمأنينة دون هموم تثقل قلبك أو أفكار ترهق روحك، وذلك بحد ذاته نعمة عظيمة. انظر إلى من حولك من البؤساء والمكلومين، وتأمل حال من يحترق قلبه بالفقد ومرارة الفراق والحنين إلى الأحبة، عندها ستدرك حجم النعمة التي تعيشها، وأن راحة البال من أعظم عطايا الله للإنسان.
تأمل حال من ينام قرير العين، لا يخشى على نفسه ولا على أهله، واعلم أن الأمن والطمأنينة نعم عظيمة لا يشعر بقيمتها إلا من فقدها. فهي ليست أمرًا عاديًا أو متاحًا للجميع، فالله سبحانه يقسم الأرزاق ويهب كل إنسان ما يميزه عن غيره، ولذلك وجب علينا شكره وحسن عبادته.


إذن، وبعد كل ذلك، أفلا نكون عبادًا شاكرين لله؟!
الإنسان بطبعه كثير التذمر والجحود تجاه النعم التي أنعم الله بها عليه، فهو دائم النظر إلى ما في أيدي الآخرين، وقد يحسدهم عليه، بينما يغفل عن الخيرات الكثيرة التي بين يديه. وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: 'وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ' الآية (7) من سورة إبراهيم.


ويقول الكاتب الراحل أحمد خالد توفيق: 'ولو أنك دنوت من لوحة زيتية جميلة لرأيت شقوق الزيت وتجعدات القماش، القبح الذي لا تراه حين تبتعد عن اللوحة، هكذا هم البشر'. وهذه إشارة عميقة إلى أن الإنسان قد يبدو من بعيد غارقًا في النعم والخير، لكنك ما إن تقترب منه حتى تسمع شكواه وتذمره، وكأن الله لم يمنحه ما يكفي ليكون سعيدًا وراضيًا بما لديه!.