استعادة «ليل الضفة الطويل» لعادل الأسطة
تحسين يقين
الخميس / 19 / ذو القعدة / 1447 هـ - 22:27 - الخميس 7 مايو 2026 22:27
تأخّر مقالي هذا 33 عاما؛ فما علمته عن الكتاب مضمونا أنه وجد مشكلة في طباعته ونشره، وأمّا شكلا، فقد علمت أنه نصّ سرديّ مفتوح على أكثر من جنس أدبي، ما بين القصة والسيرة والرواية.
تُرى لو كتب الدكتور عادل الكاتب والأكاديمي والناقد هذا النصّ الآن مثلا، أو بعد زمن كتابته بعشر سنين، أو عشرين، كيف كان سيكون شكلا ومضمونا؟ إنه التساؤل الأول، أمّا الثاني فهو يتعلق بتغيّر الوجوه؛ فما بدا ممنوعا في عهد ما، يصبح مسموحا في عهود جديدة، بل ومطلوب، ولعلّ تجارب الكتاب في الدول الشقيقة ماثلة للعيان في ظل التحولات.
السرد، قصة كانت أو رواية، يحتاج الرويّة، لا الانفعال الذي يجد متنفسا له في عالم الشعر. لذلك، فإن الكتابة عن الحاضر قد تعاني من تحديّات، لكنها ممكنة، وعلى ذلك، نجد «ليل الضفة الطويل» مثلا على الكتابة الأدبية المتضمّنة النقد السياسي الحادّ.
لقد نبع اهتمامي المبكّر بالأكاديميّ والكاتب الدكتور عادل الأسطة، حين نشر اتحاد الكتاب الفلسطينيين كتابه «اليهود في الأدب الفلسطيني بين 1913- 1987» عام 1992، والذي هو رسالة الدكتوراة التي حصل عليها الأسطة من إحدى الجامعات الألمانية. وحين تم الإعلان عن ندوة للحديث عن الكتاب في مقرّ الاتحاد ببلدة الرام اللصيقة لمدينة القدس، توجهت مدفوعا باهتمامي بالأدب المقارن، والذي كان أحد مساقات السنة النهائية في كلية الآداب؛ فقد كانت المادة التطبيقية مقتبسة من رسالة دكتوراة لمدرسنا الدكتور محمد جلاء إدريس أستاذ الأدب المقارَن، والتي كانت بعنوان «إشكالية هويّة الكتاب اليهود العراقيين الذين هاجروا (أو بالأحرى تم تهجيرهم إلى فلسطين المحتلة)». عرض الدكتور عادل لدراسته التي لاقت ترحيبا من مجموعة من الكتاب والأكاديميين. ومنذ ذلك الوقت صرت قارئا لكل ما ينشره الأسطة من مقالات نقديّة بشكل خاصّ؛ فكان أحد أساتذتي الذين تتلمذت على كتابتهم عن بعد، وما زلت. ثمّ لأبدأ تجريب حظي في المجال النقديّ، بعد إقبالي على قراءة الأدب الفلسطيني بعد التخرّج، لأنني كنت أعاني نقصا في معرفته، كوني لم أتخرج من الجامعات الفلسطينية، لأتفاجأ ليس بقلّة الكتب النقديّة، بل لضعف الكتابات المنشورة، رغم حداثة سني التي لا تمنحني حقّ النقد في تلك الفترة.
ثم لأعلم عن كتاب الدكتور الأسطة الذي لم أحظ بنسخة منه، لتمرّ سنوات كثيرة وأنا أتساءل إن كان هذا الكتاب قد صدر فعلا، بل إن تعرضه للمنع، ونصح الكاتب بعدم نشره، أغراني للبحث عنه، متسائلا دوما بيني وبين نفسي عن هذا الكتاب وكاتبه الأكاديمي المعروف الذي أصبح أستاذا للأدب الفلسطينيّ الحديث، بعد بضع سنوات من معرفتنا به، والذي يعدّ أحد أهم النقّاد الفلسطينيين.
لقد عثر آخرون على الكتاب، وكتبوا عنه، وربما قد لا نضيف الكثير لنقوله، ولكن الفرق الآن، بعد 33 عاما على صدوره، ومنعه، هو أننا أمام مفارقة؛ فالكتاب الممنوع عام 1993، لم يعد كذلك، بعد أن أصبحت الثلاثة عقود، هي عقود التحولات الفلسطينية ما بعد اتفاق أوسلو 1993، والذي كان سنة الأساس لكتابة الدكتور عادل الأسطة «ليل الضفة الطويل»، الذي كما قيل عنه أنه نصّ سرديّ مفتوح على أكثر من جنس أدبيّ. لكن بعد قراءته تبيّن أنه نصّ سرديّ، يجمع فيه الكاتب يوميات متنوعة في نابلس، واستعادات من ماضيه، ومنها بشكل خاص فترة الدراسة في ألمانيا، بل واستعادات لماضي أهله في يافا، الجد تحديدا. وما يميّز النصّ أنّ الناظم فيه هو السارد الذي تتجمّّع فيه الحكايات، وبشكل أساسيّ يوميات عام 1993 وهو العام الإشكالي نتيجة اختلافات النظرة تجاه الاتفاق السياسي الجديد.
لعلّ أهم ما في الكتاب هو أنّ كاتبه بدأ يتلمس العهد السياسي القادم، وما سيرتبط به من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، ومنها حالة الحريّات السياسية والإعلامية، التي توقع الكاتب أنّها ستُصاب.
ولعلّ الكتاب، كوثيقة تاريخية أيضا، صوّر لنا، ما كان سائدا من تطورات تمسّ أفكار الناس وتطلعاتهم، المنطلقة من أمل التحرر الوطني من جهة، وبين مواءمة معتقداتهم مع النظام السياسي الذي سيتأسس هنا في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبالطبع ترتبط المواءمة والتغيرات الفكرية مع الطموحات المرتبطة بالخلاصين الفئويّ (الفصائليّ) والشخصيّ، علما أن ما يتم تحليله من الاتفاق يظهر أن الخلاص من الاحتلال أمر فيه لبس. يعود عدم تقبّل عدد من الذين تناولهم الكاتب رمزا، والذين سعوا لمنع نشر النصّ، لوصف الكاتب وسخريته ونقده الحادّ لما يراه من تغيرات في المواقف، لدى منتسبي الفصائل التي بدت عشائرية حزبية، والأفراد، جريا وراء المصالح، كذلك نقده الاجتماعي لفوضى الشارع، ونقده لمواقف تنظيمات الإسلام السياسيّ، كذلك نقد حالة الانفصام لدى الأكاديميين والنخب المثقفة التي تركض وراء القنصليات والمشاركات خارج الوطن، وانتقاد لما يراه من التناقض الواضح لدى قوى اليسار، في الوقت الذي يستمرّ الاستيطان المستمرّ للأرض.
ولعلّ تلك هي المُفارقة المبكّرة التي ذكرها الكاتب والتقطها الناقد الدكتور أفنان القاسم في تقديمه للكتاب، والتي نشرها عام 1994: «قمع الفرد للفرد والتنظيم للتنظيم.. ويصف بمرارة كيف يقف جندي الاحتلال الإسرائيلي هانئ البال على أرصفة شوارع نابلس القديمة.. دخلت الضفة عصر الدولة البوليسية قبل أن تقام هذه الدولة».
أما «ليل الضفة الطويل»، فهو وإن قصد توقف الحياة عند الساعة الثالثة عصرا، أثناء الانتفاضة، ولجوء الأهالي إلى فضاء البيوت، فإن الدلالة الرمزية، ربما لها علاقة بما سوف يدخله الفلسطينيون من مرحلة ضبابية سياسيا ووجوديا.
بقي أن نقول إن هناك بعض الصفحات التي حضرت فيها المرأة، والتي لم تضف للنصّ، بل ظهرت كقصص منقطعة داخل النصّ، حتى ولو ربطها الكاتب بالصراع، لأن ذلك كان متكلفا، وكان بالإمكان تخصيصها في نصوص أخرى.
وقع الكتاب في 90 صفحة، 60 صفحة في الجزء الأول، تلتها 30 صفحة عن إشكاليات النشر، ولو عدنا لقراءته ثانية وثالثة، سيجد القارئ أن النصّ جزء كبير منه ينتمي للنقد السياسيّ، لكن فضيلة الكتاب هو وصف حالة النُّخب عشيّة التحولات السياسية.