ترجمة

ماجا عبر الأطلسي: قراءة ترامب الخاطئة لأوروبا

ليانا فيكس ـ مايكل كيميج - ترجمة - نهى مصطفى

 

حاول الرئيس دونالد ترامب، الذي لم يثق بالعلاقات عبر الأطلسي في ولايته الأولى، إعادة تشكيلها خلال ولايته الثانية. مارس ضغوطا شديدة على الدول الأوروبية، كان أبرزها تهديده بضم جرينلاند بالقوة، وهي منطقة تابعة للدنمارك. كما تبنى سياسات اقتصادية أضرت بأوروبا من خلال فرض تعريفات جمركية واسعة النطاق. تدخلت إدارته في الشؤون الداخلية للقارة، منتقدة الاتحاد الأوروبي والأحزاب الأوروبية الرئيسية، وفي الوقت نفسه وعدت بإقامة علاقات صداقة مع أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا.

قد يتماشى اتخاذ موقف عدائي تجاه أوروبا مع حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددا» (Make America Great Again) ويؤكد المسؤولون في إدارة ترامب باستمرار أن المشكلات الأساسية في أوروبا تتمثل في الهجرة، وفقدان السيادة الوطنية لصالح الاتحاد الأوروبي، ووجود مجال عام غير محافظ. عبر نائب الرئيس جيه دي فانس عن ذلك بوضوح تام خلال مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2025، قال: «أخشى أن حرية التعبير تتراجع في بريطانيا وعبر أوروبا»، واصفا «الهجرة الجماعية» بأنها التحدي الأكثر إلحاحا الذي يواجه أوروبا.

بعد أكثر من عام من المحاولات، لم تقترب إدارة ترامب من تشكيل ائتلاف يضم أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، كما لم تستفد من علاقاتها مع هذه الأحزاب لتعزيز مصالح الولايات المتحدة في القارة. وحتى بالنسبة للأحزاب المتوافقة أيديولوجيا، يصعب تقبل تعريفات ترامب التعسفية وهجماته اللفظية وتهديداته الإقليمية. كما أن معظم الأحزاب القومية المتطرفة في أوروبا تحمل إرثًا من العداء لأمريكا، وكما أظهرت هزيمة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في المجر، فإن دعم إدارة ترامب بات يشكل عبئا متزايدا على اليمين المتطرف في أوروبا.

كشفت الحرب الأمريكية على إيران، التي بدأت في فبراير، عن حقيقتين تتعلقان بالعلاقات عبر الأطلسي المعاصرة. الأولى أن أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية لم تكن حليفًا لترامب في زمن الحرب في أوروبا، بل سارعت إلى النأي بنفسها عنها، وهو ما يدل على أن التوافق الأيديولوجي لا يترجم تلقائيًا إلى ولاء سياسي. أما الحقيقة الثانية، فتتمثل في أن الدعم العلني من الإدارة الأمريكية للأحزاب والمرشحين اليمينيين الأوروبيين أضر بعلاقة واشنطن مع القادة الأوروبيين غير المنتمين إلى اليمين المتطرف. ولو كانت واشنطن أكثر حرصًا على احترام هذه العلاقات والحفاظ عليها، لكان كثير من القادة الأوروبيين قدموا دعمًا رمزيًا للحرب على إيران، أو على الأقل خففوا من حدة انتقاداتهم العلنية. ومع ذلك، يسود انعدام الثقة بواشنطن الآن في مختلف أنحاء أوروبا.

سيكون من الحكمة أن تعيد الولايات المتحدة النظر في نهجها تجاه أوروبا، خاصة في ضوء نتائج الانتخابات المجرية. فبدلا من مواصلة تأجيج الصراع، ينبغي لإدارة ترامب أن تنأى بنفسها عن السياسة الداخلية الأوروبية، وأن تنهي حملتها غير الليبرالية، وتتعامل بحكمة مع القادة الأوروبيين من مختلف الأطياف السياسية. ربما لا تميل هذه الإدارة بطبيعتها إلى تغيير نهجها، لكن مع تزايد تكاليف الحرب الإيرانية، قد يصبح من مصلحة الولايات المتحدة البحث عن نقاط تعاون مع أوروبا ككل.

منذ نشأتها في أواخر أربعينيات القرن العشرين، مرت العلاقات عبر الأطلسي بمحطات عديدة اتسمت بالتوتر. فخلال أزمة السويس عام 1956، أمرت الولايات المتحدة فرنسا وإسرائيل والمملكة المتحدة بالانسحاب وترك قناة السويس في يد مصر. كما أدت حرب فيتنام إلى نفور أوروبي واسع من الولايات المتحدة، إذ نظر إليها كثيرون باعتبارها مغامرة استعمارية جديدة ذات طابع وحشي. وفي أوائل ثمانينيات القرن العشرين، اعترض بعض الأوروبيين على نشر الصواريخ الأمريكية في أوروبا، معتبرين ذلك استفزازًا مفرطًا للاتحاد السوفييتي. وخلال حرب العراق، قسمت إدارة بوش القارة إلى «أوروبا القديمة» مثل فرنسا التي عارضت الحرب، و«أوروبا الجديدة» مثل بولندا التي شاركت في «تحالف الراغبين» الذي قادته واشنطن. كما ظلت هناك اختلافات في الدين وحقوق حمل السلاح والسياسة البيئية، وهو ما جعل أوروبا والولايات المتحدة تبدوان أقرب إلى كيانين منفصلين منهما إلى شريكين طبيعيين. وبذلك، فإن تاريخ العلاقات عبر الأطلسي حافل بالتوترات.

ولم تستمر العلاقات الأمريكية الأوروبية رغم هذه التوترات صدفة، بل بفضل المصالح المشتركة، ومنها احتواء الاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، والازدهار الذي أتاحته علاقات التعاون الوثيقة. ومن أجل الحفاظ على هذه المصالح، اختار القادة عبر الأطلسي التعامل بحذر مع السياسات الداخلية لبعضهم البعض، دون اشتراط توافق أيديولوجي. ومع تولي جورج دبليو بوش الرئاسة، بدأ كثير من الأوروبيين يشعرون بنفور من الحزب الجمهوري، في حين كان تفضيل الرئيسين الديمقراطيين باراك أوباما وجو بايدن واضحًا في أوروبا، ومع ذلك، خلال الولاية الأولى لترامب، لم تؤد هذه الاختلافات الأيديولوجية إلى تعطيل علاقات العمل بين أوروبا والولايات المتحدة.

أما الرؤساء الأمريكيون، فلم يكونوا غير مبالين بالسياسة الداخلية الأوروبية، لكنهم حرصوا على إبقاء مسافة بينها وبينهم. ففي عام 1963، وخلال زيارة الرئيس جون إف كينيدي لألمانيا الغربية، حرص على الظهور إلى جانب كونراد أديناور، مستشار ألمانيا الغربية الديمقراطي المسيحي، وويلي برانت، عمدة برلين الغربية الديمقراطي الاجتماعي. وربطت الرئيس رونالد ريجان علاقة وثيقة برئيسة الوزراء البريطانية المحافظة مارجريت تاتشر، لكنه تعاون أيضا مع قادة أوروبيين من اتجاهات سياسية مختلفة. وكانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، المنتمية إلى الحزب الديمقراطي المسيحي، أقرب حلفاء أوباما في أوروبا، في حين كان أولاف شولتز، الديمقراطي الاجتماعي الألماني، أقرب حلفاء بايدن. وأسهم إبقاء السياسة الحزبية في الخلفية في تعزيز استقرار العلاقات عبر الأطلسي، وتوجيه الاهتمام نحو القضايا الاقتصادية والأمنية الأساسية، مما دعم مصالح الولايات المتحدة في أوروبا وعلى مستوى العالم.

أدى سعي إدارة ترامب إلى تشكيل شبكة من أحزاب اليمين المتطرف إلى إضعاف النفوذ الأمريكي في أوروبا، ولم يكن هذا المسعى واقعيا منذ البداية، إذ تنأى أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية بنفسها حاليًا عن حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا»، كما تراجعت شعبية ترامب، المتدنية أصلا في معظم الدول الأوروبية، بدرجة أكبر منذ شن الحرب على إيران.

وبحسب استطلاع رأي أجرته بوليتيكو في ديسمبر 2025، لا يحظى ترامب بشعبية بين الناخبين الأوروبيين، بمن فيهم ناخبو اليمين المتطرف. ففي فرنسا، لم تتجاوز نسبة المؤيدين له بين أنصار حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف 25%. أما في ألمانيا والمملكة المتحدة، فقد بلغت النسبة 32% و48% على التوالي. ويرى قادة مثل جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي، أن تأييد واشنطن قد يضر بمستقبلهم السياسي. وصرح بارديلا لصحيفة التلجراف في ديسمبر قائلا: «أنا فرنسي، لذلك لا أقبل بالتبعية، ولا أحتاج إلى دولة مثل ترامب للتدخل في مصير بلادي». فالأوروبيون، حتى من يميلون إلى ترامب، لا يرغبون في أن تملي عليهم الولايات المتحدة خياراتهم الانتخابية.

تنظر أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية إلى الولايات المتحدة بوصفها تهديدًا لسيادتها وهويتها الثقافية. يرى حزب البديل من أجل ألمانيا الدور الأمريكي في أوروبا باعتباره ما وصفه الفيلسوف السياسي كارل شميت بمصطلح «فرومفرمده»، أي قوة أجنبية لا ينبغي أن يكون لها رأي في الشؤون الأوروبية. وعلى الجانب الآخر، يرى الحزب روسيا قوة أوروبية حقيقية. ويتعارض هذا الطرح مع استراتيجية الأمن القومي التي تبناها ترامب عام 2025، والتي دعمت فكرة أوروبا متحررة من هيمنة أي خصم للولايات المتحدة.

لم تكن الانتخابات البرلمانية في المجر هذا الشهر استفتاء على ترامب، إذ تعود هزيمة أوربان إلى مخاوف المجريين من فساد الحكومة والأوضاع الاقتصادية، وإلى رغبتهم في علاقة أقل توترا مع الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن الدعم العلني الذي قدمته إدارة ترامب لأوربان، ولا سيما من جانب فانس الذي سافر إلى المجر للمشاركة في حملته الانتخابية، لم يسهم في تحسين وضعه، بل ربما أضر بفرصته، فقد افترضت واشنطن خطأ أن أوربان يمثل مستقبل السياسة، وأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأوربان، وحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» جميعها تقع ضمن مسار واحد من الشعبية والنجاح.

يتعين على واشنطن تقبل الواقع، ففي غياب تحول كبير نحو اليمين في أوروبا، ستضطر الولايات المتحدة إلى التعامل مع القارة كما هي. وحتى في حال تحقق هذا التحول، فلن يكون ذا قيمة كبيرة لإدارة ترامب، إذ قد تعارض أحزاب اليمين المتطرف، إذا وصلت إلى السلطة، بسط النفوذ الأمريكي عالميًا، وربما تمنع الولايات المتحدة من استخدام المجال الجوي الأوروبي أو تقلص حقوق التمركز العسكري الواسعة التي تتمتع بها واشنطن حاليًا في أوروبا.

لو ركزت إدارة ترامب الثانية على إنهاء الحرب في أوكرانيا، وتعزيز السيادة الوطنية على حساب التضامن مع الاتحاد الأوروبي، ومعالجة قضايا الهجرة، لربما تمكنت أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا من تجاوز شكوكها التقليدية والالتفاف حول الولايات المتحدة، غير أن التدخلات الأمريكية في فنزويلا وإيران أدت إلى اتساع الفجوة بين واشنطن ونظرائها المفترضين في أوروبا. ففي يناير الماضي، في اليوم التالي لاعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كتب زعيم حزب التجمع الوطني الفرنسي بقيادة مارين لوبان أن هناك «سببًا جوهريًا واحدًا» لمعارضة سياسة تغيير النظام الأمريكية، وهو أن «سيادة الدول غير قابلة للتفاوض أبدا». وفي وقت لاحق من الشهر نفسه، وصف نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح البريطاني، تهديدات ترامب تجاه جرينلاند بأنها «عمل عدائي». وفي مارس، انتقدت أليس فايدل، زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا، الولايات المتحدة بسبب «مغامراتها» في إيران، ودعت إلى الحد من الزيارات رفيعة المستوى مع الجمهوريين المؤيدين لترامب.

أثارت سياسات إدارة ترامب استياء الحكومات الأوروبية الوسطية في وقت كان فيه دعمها للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط ذا أهمية كبيرة. وفي الوقت الراهن، لا تزال الدول الأوروبية قادرة على استخدام لغة الشراكة، إذ تبقى الولايات المتحدة المزود الأمني الذي لا غنى عنه لأوروبا، وتواصل تقديم معلومات استخباراتية قيمة ودعم في تحديد الأهداف لأوكرانيا. إلا أن تقارب واشنطن مع أحزاب اليمين المتطرف، إلى جانب ضغوط ترامب بشأن الرسوم الجمركية وجرينلاند والإنفاق الدفاعي، أدى إلى تآكل الثقة وإضعاف العلاقة.

لا تزال الولايات المتحدة وأوروبا تتشاركان مصالح حقيقية، من بينها إعادة فتح مضيق هرمز، ويمكنهما الاستفادة من التعاون في هذا المجال. ومع ذلك، من غير المرجح أن تسهم أوروبا بمواردها في أي هجمات أمريكية وإسرائيلية أخرى على إيران، أو أن تتحمل مسؤولية مراقبة مضيق هرمز بعد انتهاء الحرب. ولو انتهجت إدارة ترامب خلال الأشهر الأربعة عشر الماضية سياسة أكثر اعتدالا وأقل تسييسا تجاه أوروبا، لكان القادة الأوروبيون أكثر استعدادا للاستجابة للمطالب الأمريكية.

ينبغي للولايات المتحدة، في ظل الضغوط التي تواجهها وانخراطها في حرب طويلة مع إيران، أن تعمل على تقليص خسائرها في أوروبا، فالتوافق الأيديولوجي يظل عنصرًا ثانويًا، لا شرطًا أساسيًا، في التحالفات التي تقوم على مصالح راسخة، وعلى إدارة ترامب أن تدرك أن إقامة نظام غير ليبرالي عبر الأطلسي ليست خيارًا مطروحًا. ومن خلال ترك الشأن السياسي الأوروبي للأوروبيين، يتعين على واشنطن أن تركز على مجموعة محدودة من المصالح الأمنية بالتعاون مع أبرز الشركاء الأوروبيين. قد يبدو هذا التحول المفاجئ محرجًا لواشنطن، في ضوء مواقفها وتصريحاتها خلال العام الماضي، إلا أن ترامب أظهر من قبل استعدادًا عمليًا لتغيير مساره عندما يصبح موقف معين غير قابل للدفاع، فقد فعل ذلك فيما يتعلق بالرسوم الجمركية وتهديداته بضم جرينلاند، حتى وإن كانت هذه التهديدات قد تعود للظهور. كما أن مشروعه الأوروبي غير الليبرالي يستدعي تراجعًا مماثلًا.

اعتاد الأوروبيون إعلان نهاية العلاقات عبر الأطلسي، وبعد أكثر من عام من التوتر بين واشنطن وشركائها الأوروبيين، تبدو هذه المخاوف مبررة إلى حد كبير، إذ تراجع هذا التحالف بشكل ملحوظ. ومع انحصار المصالح في إطارها الضيق، فقدت العلاقة بريق الصداقة الذي أظهره العديد من القادة الأوروبيين عقب إعادة انتخاب ترامب عام 2024. وفي ظل هذا التباعد، تبرز الحاجة إلى إعادة التركيز على المصالح المشتركة والابتعاد عن الاعتبارات الأيديولوجية، وربما يكون هذا التوجه هو ما تحتاجه العلاقات عبر الأطلسي للاستمرار.