الإسلام .. أسس قويمة (2)
الخميس / 19 / ذو القعدة / 1447 هـ - 19:58 - الخميس 7 مايو 2026 19:58
إن الشروط التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم مهمة لبقاء الحكم في قريش؛ كما بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في حديثه الشريف السابق. هذا، ومن تلك الشروط ما وضحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: 'ما حَكَموا فعَدَلوا'. هذا، وقد جاء في خطبة الصديق رضي الله عنه بعد أن بويع للخلافة قوله: 'أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم'. (البداية والنهاية لابن كثير؛ ج٥؛ فصل خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه).
إن ما جاء في خطبة الصديق رضي الله عنه ترجمة فعلية لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف السابق بقوله: 'ما حَكَموا فعَدَلوا'. لذا حرص أبوبكر الصديق رضي الله عنه على بيان هذا الأمر العظيم؛ ذلك لأن العدل أساس كل شيء، وهو أساس الملك؛ فإذا انعدم العدل انخرم الملك واضمحل، والعدل هو ميزان الله في الأرض؛ إذا ذهب العدل فلترقب الأمة غضب الله، والعياذ بالله.
كل شيء في الأرض مرهون بإقامة العدل فيها؛ فإن لم يُقم فيها العدل فلترقب عذاب الله إن آجلا أو عاجلا، والعدل مفهومه واسع جدا كما هو جلي عند أهل العلم والتحقيق؛ فكفى بالآية الكريمة، وهي قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (سورة النحل 90)؛ كفى بهذه الآية الكريمة إرشادا عظيما منه سبحانه وتعالى لعباده بالعمل بما جاء فيها، وأول ما أمر جل شأنه عباده فيها - كما هو واضح - هو أمره لهم سبحانه وتعالى بالعدل، ومن ذلك أن يكون الإنسان عادلا مع الله الذي خلقه، وذلك بأن يعبده ولا يشرك به شيئا، وأن يعمل بما أمر وينتهي عما نهى سبحانه وتعالى، وأن يكون مسارعا إلى رضى الله سبحانه وتعالى الذي خلقه؛ فإن أذنب سارع إلى التوبة حينها يتوب الله عليه؛ فقد قال جل شأنه: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (سورة آل عمران 135-136)، وقال الله سبحانه وتعالى أيضا: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا) (سورة النساء 110). إلى آخر ما جاء في ذلك من آيات الله الكريم.
إن أمر الله جل شأنه بالعدل أمر عظيم؛ لأن بالعدل يصلح الناس وتصلح البلاد ويعم الخير؛ أما إذا فشا الظلم والعياذ بالله؛ فقد حل بالناس الفساد وكثر الطغيان في البلاد وحل في الأرض الخراب، والعياذ بالله. لذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشرط الكبير والعظيم للحكام. من هنا وجب على الحكام أن يكونوا عادلين في حكمهم؛ مؤتمرين بما أمر الله؛ منتهين عما نهى الله عنه؛ فهم أولى الناس بفعل ذلك؛ فإن استقام الراعي استقامت الرعية.
هذا، والوفاء بالوعود من أعظم ما يسأل به العبد عند ربه عز وجل؛ قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (سورة الإسراء 34). لذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشرط الكبير والعظيم للحاكم؛ فعلى الحاكم أن يكون وفيا بوعده؛ ذاكرا ربه في كل آنٍ وحين؛ راجيا إليه سبحانه وتعالى؛ فيرعى حق الرعية، ويعمل ويفي بما وعدهم إياه؛ فإذا وفى الحاكم بما وعد نال عند الله ما وعد.
كما إن الرحمة بالرعية من أعظم السمات التي ينبغي أن يتصف بها الحاكم والقائم بأمر الناس. لذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم في بيان هذه الصفة العظيمة للحاكم المسلم في حديثه السابق بقوله: 'إذا استُرْحِموا رَحِموا'؛
فإذا كانت صفة الرحمة ينبغي أن يتصف بها كل مسلم؛ فاتصاف الحاكم المسلم بها أولى وأوكد. والله ولي التوفيق.
إن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديثيه السابقين يعدّ من أعظم الأمور التي ينبغي أن يعيها الناس ويفهمونها؛ لأن فيها صلاحي الدنيا والدين.