صـــيـــن إيــران وروســيــاهــا
الأربعاء / 18 / ذو القعدة / 1447 هـ - 21:52 - الأربعاء 6 مايو 2026 21:52
إذا صـح مـا قـيـل وراج طـويـلا عـن عـلاقـات الـصـيـن وروسـيـا بـإيـران الـمـوصـوفـة بـكـونـهـا عـلاقـات عـمـيـقـة ووثـيـقـة فـي لـسـان بـعـض، واسـتـراتـيـجـيـة بـعـيـدة الـمـدى فـي تـعـريـف بـعـض آخـر؛ فـالـسـؤال الـذي يـسـتـتـبـع هـذا الإقـرار هـو: كـيـف إذن تـتـرك الـصـيـن وروسـيـا حـلـيـفـتـهـمـا إيـران لـقـدرهـا تـواجـه مـنـفـردة عـدوانـا ثـنـائـيـا مـن أقـوى دولـة فـي الـعـالـم ومـن أقـوى دولـة فـي الإقـلـيـم، إن كـانـتـا حـلـيـفـتـيـن لـهـا حـقـا؟ وأي مـصـلـحـة لـهـمـا يـا تـرى فـي الـنـأي بـنـفـسـيـهـمـا عـنـهـا وعـن الحـرب الـتـي خـيـضـت عـلـيـهـا مـن قـوى الـعـدوان؟
قـد يـصـيـر الـسـؤال هـذا عـلـى وجـه مـن الـدقـة أكـبـر إن جـنـح بـه إلـى الـتـخـصـيـص ودار عـلـى الـصـيـن تـحـديـدا؛ فـلـقـد يـقـال - والـقـول صـحـيـح - إنـه لا يـسـع روسـيـا أن تـشـارك إيـران ردهـا الـعـدوان الـثـنـائـي عـلـيـهـا؛ لانـغـمـاس قـواتـهـا فـي الحـرب مـع أوكـرانـيـا ومـن ورائـهـا مـع حـلـف شـمـال الأطـلـسـي إلـى حـدود تـخـلـت فـيـهـا عـن نـظـام الـرئـيـس بـشـار الأسـد.
فـي الـمـقـابـل لا يـسـع إيـران أن تـتـقـدم مـنـهـا بـمـثـل هـذا الـطـلـب مـع عـلـمـهـا بـمـا تـمـر بـه روسـيـا مـن أوضـاع خـاصـة.
ولـكـن مـاذا عـن الـصـيـن التـي تـعـيـش حـربـا كـالـتـي تـعـيـشـهـا روسـيـا؟ ألـيـسـت إيـران فـي قـلـب اسـتـراتـيـجـيـتـهـا الـدولـيـة وفـي قـلـب مـشـروع طـريـق الحـريـر؟ ألـيـس مـا يـصـيـب إيـران مـن ضـر وبـلاء يـأتـي عـلـى الـصـيـن حـكـمـا بـوخـيـم الـعـقـابـيـل؟ مـاذا تـكـون الـمـحـالـفـة بـيـن طـرفـيـن أو أكـثـر غـيـر الـتـنـاصـر والـتـسـانـد فـي الـشـدائـد نـظـيـر مـا كـانـتـه مـحـالـفـة الـشـريـكـيـن الأمـريـكـي والـصـهـيـونـي فـي عـدوانـهمـا الـثـنـائـي عـلـى إيـران؟
يـولـد مـثـل هـذا الـنـوع مـن الأسـئـلـة يـقـيـنـا لـدى كـثـيـريـن بـأن ادعـاء روسـيـا والـصـيـن شـراكـة فـي الـمـصـالـح مـع إيـران ادعـاء زائـف مـغـشـوش ثـبـت بـطـلانـه، ويـعـنـي لـدى هـؤلاء أن إيـران خـدعـت مـن «حـلـيـفـيـهـا»، ودفـعـت دفـعـا إلـى الـتـشـدد فـي مـطـالـبـهـا وهـي مـطـمـئـنـة إلـى دعـمـهـمـا فـي أي مـواجـهـة قـبـل أن تـسـتـفـرد مـن الـعـدو، وتـتـلـقـى مـن صـنـوف الـعـدوان مـا تـلـقـت لأربـعـيـن يـومـا. لـكـن هـذه الأسـئـلـة تـبـدو عـنـد قـسـم آخـر غـيـر ذات مـوضـوع ولاغـيـة؛ لأن مـبـنـاهـا عـلـى الافـتـراض لا عـلـى واقـع الـحـال. إن هـذه الأسـئـلـة فـي حـسـبـان أصـحـاب الـرأي الـثـانـي تـنـتـحـل مـسـلـمـات، وتـنـطـلـق مـنـهـا بـافـتـراض أنـهـا حـقـائـق، وهـي لـيـسـت مـن الـحـقـائـق فـي شـيء، وإنـمـا سـيـقـت مـن أجـل «اسـتـنـتـاج» مـا افـتـرض قـبـلا مـن بـاب الـتـسـلـيـم بـه! والأهـم فـي مـا يـفـيـدنـا بـه الـرأي الـثـانـي دعـوتـه إيـانـا إلـى إعـادة فـحـص مـفـاهـيـم الـتـحـالـف والـشـراكـة والـتـعـاون الاسـتـراتـيـجـي، ومـدى مـا تـفـتـحـه هـذه الـمـفـاهـيـم/الـعـلاقـات مـن مـمـكـنـات بـيـن قـواه.
مـا قـالـت إيـران يـومـا إنـهـا سـتـدافـع عـن نـفـسـهـا بـمسـاعـدة مـن الـصـيـن وروسـيـا - إذا اعـتـدي عـلـيـهـا - عـلـى مثـال مـا تـقـول الـدولـة الـصـهـيـونـيـة عـن أمـريـكـا ودعـمـهـا، أو مـا تـقـولـه أوكـرانـيـا عـن حـلـف شـمـال الأطـلـسـي وعـونـه الـعـسـكـري لـهـا.
ومـا سـمـع أحـد يـومـا الـصـيـن أو روسـيـا تـقـولان بـلـسـان أي مـسـتـوى سـيـاسـي فـيـهـمـا بـأنـهـمـا سـتـسـاعـدان إيـران فـي أي حـرب تـخـوضـهـا الـولايـات الـمـتـحـدة ضـدهـا، خـاصـة بـالـنـظـر إلـى أنـه مـا مـن مـعـاهـدة دفـاع مـشـتـرك تـربـط إيـران بـأي مـن الـدولـتـيـن. وهـكـذا؛ إذا كـان إمـسـاك إيـران عـن الـحـديـث عـن أي إسـنـاد لـهـا مـن الـصـيـن وروسـيـا يـنـتـمـي إلـى حـرص سـيـاسـي عـلـى الـبـدو فـي صـورة الـدولـة الـتـي تـعـتـمـد فـي صـون أمـنـهـا الـقـومـي والاسـتـراتيـجـي عـلـى الإمكـانـيـات والـمـوارد الـدفـاعـيـة الـذاتـيـة، فـلا يـخـتـلـف شـأن الإحـجـام الـصـيـنـي والـروسـي عـن الإمـسـاك الإيـرانـي فـحـوى ومـعـنـى: إنـه تـأكـيـد مـن الـدولـتـيـن الـكـبـيـرتـيـن بـأن إيـران قـوة إقـلـيـمـيـة كـبـرى تـسـتـطـيـع أن تـواجـه بـمـفـردهـا أعـتـى قـوة عـسـكـريـة فـي الـعـالـم؛ وفـي ذلـك تـسـلـيـم بـاسـتـقـلالـيـة الـقـرار الاسـتـراتـيـجـي الإيـرانـي وثـقـة إيـران بـنـفـسـهـا (خـلافـا لـحالـة «إسـرائـيل» الـمـحـتـاجـة دومـا إلـى الأود الأمـريـكـي!).
ثـمـة فـارق يـحـسـن بـنـا إدراكـه بـيـن وقـوف الـصـيـن وروسـيـا مـع إيـران وتـقـديـمـهـمـا الـدعـم والإسـنـاد لـهـا و(بـيـن) مـشـاركـتـهـمـا مـعـهـا حـربـهـا دفـاعـا عـن نـفـسـهـا. حـصـل ذلـك الـوقـوف والـدعـم قـبـل الحـرب وأثـنـاءهـا وبـعـدهـا، وهـو جـزء مـن تـعـاون عـسـكـري دائـم بـيـنـهـمـا وإيـران، وقـد يـكـون أظـهــر مـظـاهـره فـي عـدوان الأربـعـيـن يـومـا الأخـيـر تـزويـد الجـيـش الإيـرانـي بـالـمـعـلـومـات الاسـتـخـبـاريـة عـن قـوى الـعـدوان الـثـنـائـي، وتـزويـده بـالـذخـائـر وبـوقـود الـصـواريـخ.
هـذا - عـلـى الأقـل - مـا عـرف وراج عـن ذلـك الـتـعـاون أثـنـاء المـواجـهـات الـعـسـكـريـة، وقـد تـكـون وجـوهـه ومـسـتـويـاتـه أكـثـر مـن ذلـك، بـل هـي - قـطـعـا- أكـثـر مـن ذلـك لـكـنـهـا غـيـر مـعـلـومـة لـدواعـي الـسـريـة فـي مـثـل هـذه الأحـوال الـتـي تـفـرض الـتـحـسـب لـكـل احـتـمـال وإحـسـان الانـتـبـاه إلـى أي تـفـصـيـل صـغـيـر يـتـعـلـق بـالأمـن.
أمـا أن تـشـارك الـدولـتـان - أو إحـداهـمـا عـلـى الأقـل - إيـران حـربـهـا مـع الـولايـات الـمـتـحـدة فـذلـك شـأن كـبـيـر يـقـع فـي حـكـم الـقـرار الاسـتـراتـيـجـي الـذي لا يـمـكـن أن تـسـاق إلـيـه دول عـظـمـى مـن دون حـسـبـان نـتـائـجـه الـبـعـيـدة عـلـيـهـا، ومـن دون أن يـكـون أمـنـهـا الـقـومـي مـعـرضـا للـتـهـديـد الـمـبـاشـر؛ كـأن يـدخـل الـنـاتـو مـثـلا فـي مـواجـهـات مـع روسـيـا فـي الـمـيـدان الأوكـرانـي بـدعـم صـريـح مـن إدارة تـرامـب، وهـو أمـر صـعـب الـحـدوث، أو كـأن تـعـزز واشـنـطـن الـسـيـاسـات الانـفـصـالـيـة فـي تـايـوان أو تـتـدخـل عـسـكـريـا فـي بـحـر الـصـيـن الجـنـوبـي، وهـو فـي حـكـم الـمـسـتـبـعـد مـن الاحـتـمـالات: عـلى الأقـل فـي الـفـتـرة الحـالـيـة. فـي الأحـوال جـمـيـعـهـا لا مـصـلـحـة للـدولـتـيـن الـكـبـيـرتـيـن - خـاصـة الـصـيـن - فـي أن تـسـتـعـجـل مـواجـهـة عـسـكـريـة مـع الـولايـات الـمـتـحـدة بـعـد عـقـود طـويـلـة مـن سـيـاسـات تـفـادي الـمـواجـهـات؛ ذلـك أنـهـا تـعـرف - مـثـل روسـيـا - أن مـشـاركـتـهـا إيـران فـي الـمـواجـهـة هـي بـمـثـابـة إعـلان حـرب عـلى الـولايـات المـتـحـدة الأمـريـكـيـة، أو هـكـذا سـتـفـهـمـهـا الأخـيـرة.
لـيـس يـخـامـرنـا شـك فـي أن إيـران اسـتـفـادت مـن دعـم الـصـيـن وروسـيـا فـي الـصـمـود فـي وجـه الـعـدوان وإلـحـاق كـبـيـر الـضـربـات بـقـواه، ولـكـن لا يـخـامـرنـا شـك - فـي الـوقـت عـيـنـه - فـي أن الـصـيـن وروسـيـا كـانـتـا أكـبـر الـرابـحـيـن فـي حـرب الأربـعـيـن يـومـا. ربـحـتـا مـن تـورط أمـريـكـا فـي الحـرب؛ وربـحـتـا مـن حـصـادهـا الـهـزيـل مـنـهـا، مـثـلـمـا ربـحـتـا مـن فـشـل أهـدافـهـا ومـن حـال الإنـهـاك الـعـسـكـري الـتـي حـلـت بـهـا.. هـذا دون حـسـاب خـسـاراتـهـا السـيـاسـيـة فـي الـعـالـم وفـي الـداخـل الأمـريـكـي.