أعمدة

دروس المسرح والحياة

يدين الكثير من المسرحيين العرب بالفضل للمسرح المدرسي؛ فعلى خشبته الصغيرة، المتواضعة، كما تبدو لنا اليوم عندما نستعيد تفاصيلها من الذاكرة، خرجت معظم التجارب، وتفتّحت براعم مواهبهم، وعليها نبتت أولى بذور حب المسرح.

وأذكر حماسة المعلمين الذين كانوا يشرفون على مثل هذه الأنشطة التي تقدّم في المناسبات والأعياد الوطنيّة، وكيف كانت تتحوّل الصفوف إلى ورش عمل مسرحية، ويقومون بكل العمليات من تأليف وإخراج، وتدريب، ومتابعة، يدفعهم حبّهم للمسرح، وشغفهم به، ولا يجدون متنفّسا لهذا الشغف إلّا من خلال طلبتهم الذين يحثّونهم على المشاركة في العروض المدرسيّة التي غالبا ما تحمل رسائل تعليمية، وتربوية، وتتغذى على الخيال، وتكون مغلّفة بطابع كوميدي يجمع بين المتعة والرسالة والهدف التعليمي، واضعين نصب أعينهم أن المسرح ليس وسيلة ترفيه، كما يظن البعض، بل هو وسيلة لبناء جيل سليم متسلّح بالمعرفة منطلقين من أن المجتمعات السليمة والمتحضّرة تبدأ بالطفل الذي هو « أب الرجل» كما يقول الشاعر الإنجليزي ويليام وردزورث، فتجارب الطفولة هي التي تصنع الرجل، وتشكل هويته.

تلك التجارب تبقى رواسب تتجمّع وتبقى ملتصقة بذاكرته، فتمثل السنوات الأولى من حياة الإنسان الحجر الأساس في بناء شخصيته، وتدخل تفاعلاته مع المحيط طرفا في المعادلة التربوية، والنفسية، فكانت الأنشطة المدرسية دروسا تضاف لدروس المناهج المقرّرة، وتسهم في تعليم الصغار وغرس القيم الصحيحة فيه منذ سن مبكرة في مسرح الطفل، وهذا ما جعل الكاتب الأمريكي مارك توين ينظر لهذا المسرح بإجلال كونه «أعظم الاختراعات في القرن العشرين؛ فهو أقوى معلّم للأخلاق، وخير دافع للسلوك».

حول هذا الدور جرى حديث بيني وبين سعادة الإعلامي علي بن خلفان بن سعيد الحسني عضو مجلس الشورى خلال حضورنا فعاليات مهرجان المسرح المدرسي 2026م الذي أقامته المديرية العامة للتعليم بمسقط الذي انطلقت فعالياته صباح الأحد الماضي الموافق 3 مايو على قاعة المسرح المدرسي في المديرية العامة للتعليم بمحافظة مسقط (دوحة الأدب)، وكان حفل الافتتاح قد أقيم برعاية سعادته.

وجاءت دورة المهرجان لتعزيز مكانة المسرح المدرسي في سلطنة عمان الذي تعود بداياته في السلطنة إلى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي عندما كان معلّمو المدارس السعيدية الثلاث في مسقط ومطرح وصلالة يدرّبون طلبتهم على (اسكتشات) ومسرحيّات قصيرة مقرّرة ضمن المناهج المدرسيّة ذات دروس تعليمية وتربوية، لا عن طريق التلقين، بل عن طريق اللعب الأدائي منطلقين من مقولات تؤكّد أن الطفل يفضّل التعليّم من خلال الحركة، واللعب.

وكان الفيلسوف جان جاك روسو يؤكّد على ذلك؛ فاللعب أقرب للطفل من الكتب التي تعطي الدروس والمفاهيم على شكل تلقين، كما أنّ التجارب الحيّة لا تفارق ذاكرة الطفل الذي يميل للمسرح فطريّا، ويعبّر عن ذلك باللعب، وبهذا الخصوص تقول الدكتورة كاملة بنت الوليد الهنائي «إنّ الأطفال منذ مراحلهم العمريّة المبكّرة يلعبون ألعابًا ذات طابع درامي ومسرحي فيها محاكاة، وتقليد، وحوارات، وحركة، وأصوات وانفعالات.

وقد تكون هذه الألعاب فردية يلعبها الطفل منفردًا، أو مشتركة، أو جماعية مع طفل آخر، أو مجموعة أطفال؛ فمن خلال هذه الألعاب يعبّر الطفل عن نفسه، ويكتشف العالم من حوله، ويطوّر علاقاته الاجتماعية. فنجد مثلًا الطفلة تحاول من خلال اللعب أن تقلد أمها، فتمسك بدميتها، وتتحدّث إليها وتحركها، وتعتني بها في محاولة لتقليد مهام الأم».

وقد استمتعت بهذا اللعب المسرحي، والأداء الحركي لطلبتنا المشاركين في فعاليات مهرجان المسرح المدرسي 2026م، وهي: (الزهرة الحمراء)، و(المستطيل الأصفر)، و(حديث النوافذ) و(صراع في داخلي)، و(زهرة الشمس)، و(مدينة الأحلام)، و(سأصير حتى أصبح شجرة)، و(سندريلا العصر) إلى جانب الأنشطة الموسيقيّة والغنائيّة المصاحبة.

ومن الجميل أنّ هذا المهرجان جاء بعد أيام قليلة من اختتام مهرجان المسرح المدرسي الحادي عشر الذي أقامته المديرية العامة للكشافة والمرشدات والأنشطة الطلابية على نفس المسرح خلال الفترة من 19-23 أبريل الماضي، تحت شعار «قيمٌ راسخة.. جيل مبدع» لتتواصل هذه المهرجانات والفعاليات المدرسيّة، بفضل دعم القائمين على هذه الأنشطة.

وكم كانت حماسة الأطفال، وهم يقفون على خشبة المسرح، ليؤدّوا أدوارهم، بكلّ ثقة، بدعم من معلّميهم، وأسرهم، وزملائهم الذين كانوا يحضرون العروض لتشجيع زملائهم! ويقينا أنّ كلّ واحد منهم كان يتمنّى أن يقف على تلك الخشبة الساحرة.

فمثل هذه الوقفات ستبقى راسخة في أذهانهم، كما بقيت محفورة في أرواحنا ووجداننا؛ فهي دروس عمليّة، ومنها المبتدأ، والمنطلق، للحياة التي تبقى مسرحا كبيرا.