أعمدة

صراع التأثير بين الإعلام التقليدي والجديد

لم تعد الصحافة ذلك المتلقي الجامد الذي ينتظر الخبر من وكالات الأنباء، أو من مكاتب الإعلام والعلاقات العامة في الوزارات، بل أصبحت هي المبادِرة إلى صنع الأخبار، ومتابعة الأحداث، والغوص في أعماق المجتمع، والبحث في الشوارع الخلفية عن قضية تمس المواطن، والبحث عن الجديد الذي يترقبه الناس، أو الإتيان بذلك الحدث الذي لا يتوقعونه.

فهناك الكثير من الأمور التي لا يعلم الناس عنها شيئا، والتي تدور في المجتمعات، ولا تكشفها الصحافة، أو تسلط الضوء عليها. وقد تتفاقم بعض المشكلات التي تولد صغيرة، وفي بقعة محدودة يمكن السيطرة عليها، لتكبر في حالة التجاهل، ويتسع مداها، وتصبح قضية رأي عام، ويكون لها تداعيات، ونتائج لا يمكن تصوّرها.

وتعد الصحافة الرسمية الرصينة -في حال تفاعلها وتفعيلها-، سواء المكتوبة، أو المسموعة، أو المرئية هي الناقل الأكثر مصداقية، وموضوعية لقضايا المجتمع (النائمة)، والتي تحرك المسؤول من على كرسيّه، ليتابع ما غفل أو تغافل عنه، أو لم يعلم به، ليضع الحلول له.

وكم كانت هذه الصحافة قادرة على تحريك الراكد، وتغيير الواقع إلى الأفضل! وكان لجريدة (عمان) العديد من التحقيقات التي غيّرت بعض السلبيات في المجتمع، وهذا هو دور الصحافة الحقيقي في أي مكان.

غير أن الحال على مستوى الإعلام في العالم تغيّر خلال السنوات السابقة، وأصبح من يقود الرأي العام الصحافة الجديدة صحافة (الميديا) رغم كل سلبياتها، وهفواتها إلا أنها في الواقع هي من تشكّل المزاج المجتمعي، وتقود دفّة التغيير في هذا العصر؛ بسبب سرعة انتشارها، وتأثير الصورة، وعدم الرقابة عليها إلى جانب تراجع دور الإعلام الورقي والرسمي في الصحافة العالمية بشكل عام، لأسباب عديدة، منها: الرقابة الصارمة على المواد المنشورة، وعدم مواكبة تسارع الأحداث في المجتمع، وعدم وجود خارطة واضحة تقود الرأي العام، وتشكّل توجهاته، إضافة إلى تراجع الإيرادات نتيجة قلّة الإعلان، وهو ما يشكّل عبئا، ماليا، وإداريا على هذا الإعلام؛ ولذلك تحوّلت وسائل الإعلام التقليدية إلى ناقل للحدث، لا صانع له، ولا حتى مشارك في صناعته رغم كل المحاولات التي يبذلها في سبيل توصيل رسالته وفق الدور الرسمي المرسوم له.

ولذلك يجب أن تُعطى مساحة أكبر لصناعة الحدث، ومرونة أكثر لسياسات النشر، وأن يتحول الصحفي من ناقل للخبر إلى مشتغلِ عليه في العمق، وأن يتعاون مع أفراد الإعلام الجديد من خلال التقصي، والاستكشاف، والاستقصاء ليقدّم للمتابع الحدث الحقيقي، وينقل صورة الواقع من زواياه المختلفة، ويتناول القضايا بموضوعية، وجرأة أكبر؛ لأن التأثير السلبي لبعض المشتغلين في (صحافة الميديا) قد يمسّ ثوابت اجتماعية رصينة، وقد يأتي -بجهلٍ أو قصد- برؤى مختلفة، وغير متوافقة مع البنية المجتمعية المتعارف عليها، وقد يقود هذا الإعلام الجديد دفّة التغيير لدى الشباب، وبشكل قد لا يتفق والمبادئ والقيم التي ترسخت في أذهان الأجيال عبر التاريخ.

إنَّ الصراع بين الإعلام التقليدي، والإعلام الجديد يجب أن يتحول من حالة (إلغاء) كل طرف لدور الآخر إلى حالة (تكامل) مبني على رؤية واضحة، وأسس متينة، ومنافسة قائمة على نقل قضايا المجتمع بحيادية، وموضوعية، وعقلانية سعيا للحلول، وليس بحثا عن التهويل، والإثارة، ورسم دور البطولة التي يحاول البعض الظهور بها في وسائل التواصل الاجتماعي؛ حتى يظل للإعلام التقليدي قيمته، وقوته، وتأثيره.