أفكار وآراء

الدبلوماسية العمانية: وضوح الرؤية وثبات المبادئ

في عام 1744 قبل حوالي 282 عاما أجمع أهل الحل والعقد والرأي في سلطنة عمان على اختيار السيد أحمد بن سعيد البوسعيدي ليكون حاكما وإماما للبلاد، وقد كان حينها واليا على مدينة صحار في دولة اليعاربة التي عانت في آخر عهدها من صراعات داخلية أضعفتها وجعلتها عرضة للأطماع الخارجية.

استقر الرأي في سلطنة عمان على السيد الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي مؤسس الدولة البوسعيدية الحالية ليتولى مقاليد الحكم في البلاد؛ نظرا لشجاعته وورعه وعدله وحكمته، وكان مدافعا صلبا عن سيادة عمان وحريتها واستقلالها، وتمكن من توحيدها ولم شمل العمانيين وطرد الغزاة والمعتدين من بعض الأجزاء التي احتلوها إبان ضعف وانقسام حكام اليعاربة في ذلك الوقت.

استطاع البوسعيديون إقامة إمبراطورية كبيرة في عمان امتدت إلى أجزاء من شرق افريقيا وآسيا، وإنشاء أسطول بحري عسكري وتجاري قوي ومنافس لتلك التي تمتلكها الدول الكبرى في ذلك الوقت.

وأقاموا علاقات دبلوماسية وقنصلية وتجارية مع دول كبرى عديدة في العالم، ومن بينها الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث بدأت الصلات معها منذ عام 1833 بعد عقد معاهدة صداقة وتعاون بين البلدين في ذلك العام، ومن ثم وصول السفينة العمانية السلطانة إلى نيويورك في عام 1840 وعلى متنها السفير أحمد بن نعمان الكعبي مبعوثا من قبل السيد السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي إلى الرئيس الأمريكي مارتن فان بيورين.

وكذلك وقعت سلطنة عمان معاهدة صداقة وتعاون وتبادل تجاري مع فرنسا عام 1840، وقبلها معاهدة مماثلة مع بريطانيا عام 1839.

ولا تقتصر العلاقات والتعاون العماني مع هذه الدول بل حرصت الدبلوماسية العمانية على إقامة الصلات والروابط الحسنة مع مختلف دول العالم منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.

وعندما تولى السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- الحكم عام 1970، كان الصراع محتدما وعلى أشدّه بين المعسكرين الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي والغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وكان التنافس بينهما على النفوذ في العالم حادا واستقطابيا، وكانت سلطنة عمان في قلب ذلك الصراع، وتعاني من حرب شرسة في جبال ظفار.

وقد استطاع السلطان قابوس -طيب الله ثراه- بحكمته وبصيرته أن يحول تلك المحنة إلى منحة حقيقية، ويجمع شمل العمانيين كافة حوله، وينهض بعمان وشعبها مجددا، محققا نهضة تنموية شاملة وغير مسبوقة في التاريخ العماني الحديث، وهي موضع فخر واعتزاز لنا جميعا.

وأرسى جلالته -رحمه الله- دولة مؤسسات وحكما عادلا رشيدا، وسلك نهجا سياسيا ودبلوماسيا حكيما ومتوازنا، أشاد الجميع بنزاهته ومصداقيته؛ فقد كانت ومازالت المبادئ والقيم العمانية الراسخة عبر الأجيال تسبق السعي وراء المصالح والمنافع على أهميتها، والدفع بالسلام عن طريق حل المشاكل والخلافات بالحوار والطرق السلمية تعلو وتسمو في نهج سلطنة عمان السياسي والدبلوماسي على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير ورفض تدخل الآخرين في شؤوننا الداخلية.

لقد كان السلطان قابوس -طيب الله ثراه- يحمل رسالة خير وتنمية وسلام ورخاء وعدل لسلطنة عمان وشعبها وللإقليم المحيط والعالم أجمع، ولا يتسع المجال لسرد الأحداث والمواقف التاريخية لجلالته -رحمه الله- وهي كثيرة ومتعددة ومشهود لها.

وسلطنة عمان اليوم وفي عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- وفي ظل نهضتها المتجددة لا تزال محافظة على قيمها ومبادئها الأصيلة بحكمة واقتدار ووعي بخطورة المرحلة الحالية التي تشهدها منطقتنا بشكل خاص والعالم عموما.

وعملت الدبلوماسية العمانية دون كلل ومن خلال دورها كوسيط موثوق بين الجانبين الأمريكي والإيراني على تجنيب المنطقة الصدام المسلح.

وعندما وقعت الحرب بذلت جهودا أخرى إلى جانب دول عديدة في المنطقة والعالم لإيقافها ومنع التصعيد المدمر.

وحاليا تواصل سلطنة مساعيها الجادة والنزيهة إلى جانب الجهود الأخرى الإقليمية والدولية للتوصل إلى اتفاق عادل وشامل ينهي الحرب ويحقق السلام المستدام.

إنَّ مبدأ الحياد الإيجابي الذي تتبعه سلطنة عمان كخيار استراتيجي وأساسي في سياستها الخارجية، يعني بأنها ستظل تعمل من أجل السلام والخير والرخاء والعدل للجميع في هذه المنطقة والعالم، وتؤكد على إيمانها بالحوار واحترام سيادة الدول والمبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة؛ ولكنها في الوقت نفسه لن تتردد في حماية أمنها واستقرارها وسيادتها الوطنية.

ستظل السياسة الخارجية العمانية تحرص على حسن الجوار ونبذ الفرقة والخلافات والفتن لما فيه مصلحة هذه المنطقة وشعوبها وستبقى قيم السلام والعدالة وحقوق الانسان راسخة في السياسة الداخلية والخارجية العمانية؛ وهي في سلوكها هذا متصالحة مع نفسها والآخرين، وهو نهج ممتد عبر مراحل تاريخية وزمنية طويلة من عمر الدولة العمانية المديد.