رأي عُمان

الأمن الاجتماعي بوصفه عمارة الثقة

 

يُعامَل الأمن الاجتماعي أحيانا كأداة من أدوات السياسة العامة؛ لغة للحماية والرعاية وإدارة المخاطر والاستجابة المؤسسية. وهذا الفهم يضيّق المفهوم في لحظة تحتاج فيها المجتمعات إلى استعادة معناه الأعمق. فهو العمارة الاجتماعية التي تجعل الأفراد يؤمنون بأن العالم المحيط بهم ما زال صالحا للعيش؛ مؤسساته تستحق الثقة، وقواعده مفهومة وكرامة أهله مصانة ومستقبله قابل للتصور.

من هنا ينتمي سؤال الأمن الاجتماعي إلى قلب التحولات التي تعيشها المجتمعات الحديثة. فالتهديدات التي تواجهها تجاوزت الفوضى المرئية والمخاطر المباشرة. ثمة تآكل هادئ في الروابط، وتراجع في الثقة، واتساع في الفجوات وخشونة متزايدة في الفضاء الرقمي وشعور لدى بعض الأفراد بأن المجال العام لم يعد يعترف بهم بالقدر الكافي.

القضية الحاسمة، إذن، تتعلق بقدرة المجتمع على صون تماسكه حين يصبح الاضطراب جزءا من الحياة اليومية. فالصدمات الاقتصادية والتسارع التقني والتحولات الديموغرافية والقلق الجيوسياسي والتشظي الخوارزمي؛ كلها تعيد تشكيل توقعات الناس قبل أن تكتمل قدرة المؤسسات على فهم آثارها. في هذا الشرط الجديد، يغدو الأمن الاجتماعي مقياسا للصمود الجماعي، وسؤالا عن الموارد الأخلاقية والمؤسسية والثقافية التي تمكّن المجتمع من امتصاص اللايقين من دون أن ينقلب على ذاته.

وقد كان هذا الموضوع، أمس، محل دراسة ونقاش علمي في أكاديمية الدراسات الاستراتيجية والدفاعية، ضمن جهد معرفي يسعى إلى فهم التغيرات التي يشهدها المجتمع ووضعها في سياقها العلمي الأوسع. وتبدو أهمية هذا النقاش في أنه يخرج الأمن الاجتماعي من المعالجة السطحية، ويضعه في موقعه الصحيح بوصفه شرطا من شروط استقرار الدولة الحديثة وقدرتها على التفاعل مع المحيط العالمي.

الثقة هي المورد الأول في هذه العمارة. تتشكل عبر تماس الناس اليومي بمؤسساتهم. وتكتسب المؤسسات صدقيتها من التجارب العادية التي يعيشها الناس مع المدرسة والمستشفى والمؤسسات الخدمية والمسؤول القادر على الشرح والإنصات. وتفقد المؤسسات صدقيتها بالطريقة ذاتها؛ من تفصيل صغير يتكرر، ومن إحساس بأن المواطن لا يُرى أو لا يُسمع. لذلك يتعلق الأمن الاجتماعي بما تقدمه الدولة، وبالطريقة التي تقدمه بها، وبالمعنى الذي يصل إلى المواطن من تلك الطريقة.

وتأتي العدالة في قلب هذه المعادلة، فالمجتمع يحتاج إلى شعور واضح بأن القانون لا ينتقي، وأن التنمية لا تترك بعض الجغرافيا على الهامش، وأن المستقبل متاح للجميع.

أما الهوية، فهي المورد الأكثر حساسية. تحتاج المجتمعات إلى سرديات جامعة، ورموز مشتركة، وذاكرة تمنح الأفراد القدرة على قول «نحن» من دون إكراه. وتمنح الهوية الأمن حين تتسع للاختلاف وتحمي الاستمرارية وتسمح للتغير بأن يُفهم بدل أن يُخشى.

وقد ضاعف الفضاء الرقمي هذا التحدي. فالحياة العامة صارت تتشكل عبر منصات تكافئ السرعة والغضب والانفعال. وتتحرك الشائعة اليوم داخل أنظمة تضخم الاستجابة العاطفية وتمنحها انتشارا واسعا. من هنا يصبح الإعلام جزءا أصيلا من بنية الأمن الاجتماعي، حين يحمي المعرفة المشتركة ويمنح الخلاف لغة عاقلة ويقاوم تحويل المجال العام إلى سوق للاتهام وسوء الظن.

وفي عُمان يحمل هذا الإطار أهمية خاصة. فقد استند الاستقرار العُماني طويلا إلى الاعتدال وإدارة الاختلاف والاستمرارية الاجتماعية وثقافة سياسية تقدر التدرج وضبط النفس. وهذه ذخيرة اجتماعية ذات قيمة استراتيجية. لكنها تحتاج اليوم إلى صيانة متجددة؛ فالأجيال الجديدة تعيش تحت ضغوط المقارنة الرقمية والطموح الاقتصادي وتحولات سوق العمل وتوقعات أوسع للمشاركة والاعتراف.

لذلك ينبغي أن يكون الأمن الاجتماعي في قلب التخطيط التنموي. ويمكن قراءة رؤية عُمان 2040 كسؤال اجتماعي أيضا: كيف يمكن للتنويع والرقمنة وإصلاح التعليم والتنمية المتوازنة وسياسات التشغيل أن تعمّق ثقة المواطنين في المستقبل؟ ينجح المشروع التنموي حين يوسّع شعور الناس بالقدرة والفعل وتخسر التنمية معناها حين يراها المواطنون بعيدة عن حياتهم اليومية. الغاية الأعمق للأمن الاجتماعي هي منع الفجوات من التحول إلى شروخ. وهذه مهمة لا تنهض بها مؤسسة واحدة، إنها تحتاج إلى فلسفة اجتماعية كاملة للدولة، تؤمن بأن الاستقرار يشتد حين يشعر المواطنون أنهم شركاء في صنع الحياة المشتركة. فالمجتمعات التي ستصمد في العقود المقبلة هي التي تحفظ العلاقة الدقيقة بين الثقة والتغير؛ تحدّث اقتصادها من دون هجران اجتماعي، وتصون هويتها من دون تضييق الأفق الإنساني، وتدخل العصر الرقمي من دون التفريط بالحقيقة.