الحياد النشط في مواجهة الانقسامات الخليجية: دروس من سويسرا
الثلاثاء / 17 / ذو القعدة / 1447 هـ - 22:13 - الثلاثاء 5 مايو 2026 22:13
أين نحن الآن؟
تواجه دول الخليج في المرحلة الراهنة ضغوطًا تتجاوز حدودها الجغرافية، وتحديات سياسية تعد الأخطر منذ الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وحرب الخليج الثانية (1990-1991)، التي قادتها الولايات المتحدة لتحرير الكويت.
أدت الحرب الأولى إلى إنشاء منظومة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في عام 1981، بينما أسهمت الثانية في اختبار تلك المنظومة، وترسيخ العمل الخليجي، وتوطيد السياسات والأدوات؛ خاصة الأمنية والدفاعية منها.
ومع أن تلك الحروب شكّلت حينها حالة استقطاب، واتجاهات تعددت فيها الرؤى، وتأثر بتداعياتها اقتصاد المنطقة بشكل حاد. كان هناك في المقابل صمامات أمان يتم اللجوء إليها عند الحاجة، وتكمن في قناعات وإيمان بوحدة الهدف والمصير، وثوابت ورغبة صادقة بأهمية الحوار للوصول إلى توافقات جماعية تسهم في ديمومة العمل الخليجي المشترك.
بالحرب الحالية التي تتواجه بها قوى إقليمية ودولية من خلفيات ومصالح مختلفة، وتحالفات تتقاطع مع مصالح وطنية، وتوازنات إقليمية ودولية تتبدل بسرعة، لابد من الاعتراف أن ثمة ضغوطًا تواجه صمام الأمان الذي طالما اعتمدنا عليه، وثغرات تعترض المسلّمات نحو مسيرة كانت محل ثقة وإشادة الجميع.
ومع أن الاختلافات ليست جديدة؛ فثمة بقايا جمر تحت الرماد، إلا أنه من الواضح أن الأحداث الأخيرة بدأت تقدم مؤشرات مقلقة، وأضحت حالة عدم اليقين تغذّي الاختلافات الصغيرة وتدفعها نحو تصعيد ملحوظ، وبشكل أدى إلى تلميح بعض الأطراف بقرارات صعبة، وإجراءات سيادية، منشأها الحاجة إلى حماية المصلحة الوطنية.
في مثل هذه الظروف لا بد من العودة إلى الجذور، وإلى فكرة المصير المشترك، وجوهر العمل الجماعي، وتبنّي سياسات جديدة ومبتكرة.
ومع أن البعض يرى أن العدوان كسر المحرمات، وتجاوز الخطوط الحمر، وأن الرد بات ضروريًا، والانحياز أضحى خيارا لا مفر منه، لكن التاريخ يقدم لنا نموذجاً مركزيًا يمكن الاستفادة منه، ويستخرج دروسًا قابلة للنقل إلى واقع دول الخليج.
لقد اختار السويسريون خلال فترتي الحرب العالميتين سياسة الحياد النشط، وهي سياسة أثبتت، ولا تزال، نجاحها. إنها لا تعني بالضرورة البقاء خارج الرؤية، بل العمل ضمن إطار مستقل يحافظ على استقلال القرار، ويتيح مساحة للمناورة أمام عواصف الصراع.
هل علينا أن نختار؟
في مقال له بصحيفة الشرق الأوسط أوضح الصحفي السعودي البارز عبد الرحمن الراشد أنه في المنطقة تدور «حرب بين مشروعين: إسرائيل الكبرى في مواجهة إيران الكبرى»، وأنهما يتسابقان على تشكيل الساحات الإقليمية والدولية مستلهمين كل ذلك من أسباب تاريخية وعقائدية، ومعززة بأيديولوجيا تسعى لإعادة إنتاج لمرحلة تاريخية ما، وتشجع على التوسع والهيمنة مدعومة برغبة أكيدة في القضاء على الأخر وتدميره. ومع أن المقال سالف الذكر تبعه نقاش مثير حول مدى تأثير هذا الصراع على دول المجلس، وأيهما بات الأخطر، والأقوى، والأقرب لتحقيق مشروعه؟ ولمن ستكون الغلبة؟ وكيف نعطي اعتبارًا للجغرافيا، والثقافة، والتاريخ؟ وأين يكمن الحق؟ وكيف نحدد المصلحة؟ ومع أن هذه الأسئلة مشروعة، إلا أنها نوعا ما مضللة ومربكة، وربما تكون خاطئة، فليس لدينا ترف الوقت للنقاش، كما أنها في الوقت نفسه مضرة بالوعي بخطورة كليهما.
إن من يقرأ بعقل وتمعن سيدرك أننا غير مجبرين على أن نختار؟ فالحرب ليست في الأساس حربنا.
إن أعظم قيمة لدينا هي اتحادنا، وأبرز أوراق قوتنا كدول خليج، هو تماسكنا وتوافقنا، فلا مجال للمساومة على ذلك إطلاقًا، وعلينا التعامل مع أي حوار يتعارض مع هذا المبدأ كنشاز يجب الابتعاد عنه. نعم، علينا قبول وجود تعدد الرؤى، لكن يتطلب التعامل معه كإثراء لا كتهديد، وكقيمة لا كعائق.
علينا أن ننظر إلى الأشياء التي تجمع، لا التي تفرق. كما لا جدوى من أن نكرر روايات الآخرين أو ننتصر لشعاراتهم.
في حالة عدم تغيير الاتجاه لا شك أن دول الخليج مرشّحة للخسارة بغض النظر عن أي مشروع سيكسب وينتصر، ومن هو مرشح للخسارة! مع الوقت تتعزز القناعات بأنه لا نصر يبدو في الأفق القريب، والواقع يقول: إن الحديث عن السيناريو المفضّل مجرد وهم، وأقرب إلى التمني منه إلى الواقع، وأن الرهان على القوة الحاسمة غير عملي وربما سوء تقدير.
إن رهان الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على أن الحصار البحري والضغوط الاقتصادية، والتهديد بالقصف والدمار، ستطيح بإيران، وستجبرها على تقديم تنازلات، يصطدم، بقدرة إيران على الصمود والتكيّف، وتحمل الألم، وفي أحيان كثيرة، استرداد زمام المبادرة، وربما النجاح في إعادة بناء ميزان «الردع والتوازن» في علاقتها مع المنافسين.
وفي الوقت الذي تزداد فيه كلفة الصراع على دولنا، من الواضح أن احتمال التصعيد العسكري بات واقعيًا، والسيناريو الأسواء ليس مستبعدًا؛ نظرًا لتلويح إيران بخيارات تصعيدية وانتحارية، نجد أنفسنا الآن أمام اختبارات صعبة، ومفترق طرق بين البحث عن حلول مبتكرة، أو تعميق أكبر للاختلافات، والانزلاق نحو المجهول.
في خلفية هذا المشهد، يعد الحياد النشط هو المسار الأكثر أمانًا، والاستفادة من التجربة السويسرية، طريقًا لتعزيز الوحدة والخروج بأقل الخسائر الممكنة.
ماذا يمكن أن نستفيد من تجربة سويسرا؟
خلال فترة الحربين العالميتين، وجدت، هذه الدولة المحورية في قلب أوروبا، نفسها في وسط ساحة صراعات عميقة.
كان من السهل على هذه الدولة الفيدرالية الانزلاق نحو الحرب، فالمعطيات كثيرة، والخطاب حاد، والتاريخ يبرر ركوب موجة الحرب.
ومع ذلك، لم تختَر سويسرا طريق الانخراط في تحالفات تقودها قوى كبرى، مهما كان الحوافز، كما لم تقرر الانحياز إلى محور معادٍ لأي جهة.
بدلًا من ذلك اعتمدت على سياسة حياد بنّاء: حياد ينطلق لا يعني الضعف، بل يستند على قوة الاستقلال والرغبة في حماية المصالح الوطنية، وبما يتيح لها التفاعل والتأثير بحد أدنى من الاضطراب.
تمثلت عناصر الحياد السويسري النشط في المحافظة على قنوات التواصل الدبلوماسي، والإبقاء على قنوات حوار مفتوحة، والسعي لبناء جسور ثقة مع جميع الأطراف، وتجنب الدخول في صراعات مباشرة، مع ضمان بناء واستدامة شبكة مصالح اقتصادية مفتوحة مع الجميع.
لقد أثبت النموذج السويسري نجاعته، وتمكنت سويسرا من تحقيق المنعة العسكرية والرخاء والازدهار، والاستدامة الاقتصادية، والأهم الحفاظ على التماسك الاجتماعي بدولة فيدرالية، وتعزيز قدرة الدولة على المناورة السياسية في بيئة تشهد تقلبات حادة. بطبيعة الحال، لم تكن التجربة السويسرية نوعًا من الاستسلام، بل خيارًا عقلانيا واستراتيجية توازن مبتكرة، أسهمت في دعم مكانة سويسرا، ومكّنتها من حماية مصالحها بأقل التكاليف.
كيف نسير للأمام؟
الجغرافيا حاكمة، ولعبة الوقت قاتلة، ومن الواضح أن هناك حسابات غير دقيقة للصراع بالمنطقة، وتمنيات فيما بين الدول الأعضاء، لم يتم تلبيتها، وتوقعات أدت إلى سوء فهم وقد تكون هناك مسوغات لكل ذلك، لكن الحقيقة المرة أننا ساحة حرب لم تكن باختيارنا! أطراف الحرب لديها مشاريع توسّع طموحة، تنشد الهيمنة، وتحقيق أيديولوجيات لا تتعاطى مع المستقبل، ودولنا تسعى لتحقيق تنمية استثنائية لا حياد عنها لأمننا واستقرارنا.
في مثل هذه الظروف يجب أن تكون خياراتنا واضحة، ورهاننا على الاتحاد أكبر وأقوى من أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه لا يجب أن تشعر أي دولة أنها وحيدة في مواجهة الأخطار، وأن التزام الآخرين تجاه قلق تلك الدولة محل شك، وأن الدعم يأتي لها ممن نتصورهم الأعداء.
وفي المقابل لابد من الدول مراعاة التوافق، وتغليب المصلحة الجماعية على حساب الفردية، والتيقن من نوايا من يدّعي انه يساعدنا.
في الرواية الشهيرة للكاتب الفرنسي المعروف ألكسندر دوما «الفرسان الثلاثة» (The Three Musketeer) تعهد الفرسان بالبقاء مخلصين لبعضهم البعض مهما كانت الظروف. كان شعارهم لمواجهة الأخطار «الكل للواحد والواحد للكل».
المعادلة الصعبة الآن هي كيف نحول إمكاناتنا كورقة ضغط مؤثرة، وكيف لنا البقاء أقوياء وتفادي دفع ثمن باهظ لهذه الجولة من دوري التنافس الإقليمي. التاريخ خير معلم، والتجربة السويسرية تقول: إن ثمة خيارًا ثالثًا يمكن أن يكون مربحًا، واتضح أنه خيار الأقوياء، خيار نشط؛ به أنياب ومخالب وأدوات عسكرية واقتصادية ومالية فعالة.