أفكار وآراء

الصراعات العالمية وسؤال الهوية

منذ ربع قرن تلقيت دعوة كريمة من يحيى بن محفوظ المنذري - وزير التعليم العالي آنذاك- لإلقاء محاضرات ثقافية عامة شملت بعض كليات التربية بسلطنة عمان. وقد نشرت الوزارة هذه المحاضرات سنة 2001 في كتاب بعنوان «هويتنا في عالم متغير».

كان السؤال الذي شغلني في هذا الكتاب هو سؤال الهوية الذي تناولته من زوايا عديدة، أهمها: علاقة الهوية بالتراث، وقدرتها على التواصل في ظل تهديدات العصر، وعلى رأسها ظاهرة العولمة.

ولا شك في أن ظاهرة العولمة قد شكلت- ولا تزال تشكل- تهديدًا لهوية الدول والشعوب التي ليست لديها مناعة ضد طغيان العولمة في صورها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي الدول التي لا تشارك في صنع ظاهرة العولمة، وإنما تبقى خاضعة لتأثيراتها؛ حيث إنها لا تشكل قوى اقتصادية، ولا تسهم بقوة في إنتاج معرفةً أو ثقافةً؛ ومن ثم لا تشارك في صنع تطور التاريخ البشري.

غير أن طغيان أو هيمنة العولمة لم يَعد هو المصدر الوحيد أو الأهم لتهديد الهوية؛ لأنه في النهاية يبقى تهديدًا ناعمًا، ومن ثم يكون قابلًا للمواجهة من خلال دعم الحصانة الداخلية التي تتمثل في إنتاج القوى الاقتصادية والمعرفية والثقافية.

ذلك أن مصدر تهديد الهوية في عصرنا الراهن أصبح يتمثل في صورة مباشرة صريحة - بل فجة عنيفة - من خلال الحروب والصراعات العالمية التي يدعمها الغرب في كل مكان من العالم، خاصةً تلك التي تشعلها بشكل متواصل الإدارة الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط باستخدام إسرائيل كمخلب مسموم في هذا الصراع.

تَحدث الحروب الراهنة تحت مسميات عديدة تبرر وجودها: منها الادعاء بأن هذه الحروب تحدث باسم الحفاظ على الأمن القومي والسلام في الشرق الأوسط، بل السلام العالمي نفسه! ومنها الادعاء بأن هذه الحروب نفسها تَحدث باسم الدين والأخلاق، وهي دعاوى لا تتورع عن استخدام تأويلات زائفة لنصوص توراتية وإنجيلية. وفي هذه الحالة الأخيرة بوجه خاص نجد أن الغرب - على ما بينه من اختلافات عميقة الآن - قد اشترك في تبرير الحرب والعدوان في الشرق الأوسط من خلال خلق عدو يتمثل في الإسلام باعتباره مصدر كل حركات الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط وفي غيرها، وهي الحركات التي يُنظر إليها باعتبارها منظمات وجماعات إرهابية، حتى إن كانت حركات مقاومة؛ وهذا ما يجري في الحرب على فلسطين وغزة بوجه خاص، وفي الحرب الجارية على إيران.

موقف الغرب إذن هو ترويج لسردية عقائدية متوارثة تتبناها النُظم السياسية، وتقوم بتوظيفها لتسويغ الحرب والعدوان. لكن هذه السردية الرسمية تتداعى الآن أمام رفض الشعوب الغربية لها والتشكيك فيها بناءً على أسباب عديدة سبق أن تناولناها في غير مقال: ومنها وعي الشعوب من خلال وسائط التواصل الاجتماعي بما يجري فعليًّا على الأرض في فلسطين من مذابح وإبادة جماعية، خاصةً بعد أحداث السابع من أكتوبر سنة 2023 التي تبدو وكأنها قد كشفت المستور.

هذا الموقف الشعوبي لا بد أن ينعكس تأثيره على الموقف الرسمي بحيث يؤدي إلى تغير حقيقي فيه، ولكن هذا التأثير هو أشبه بنوع من المقاومة؛ ولذلك فإنه يحدث ببطء وبشكل تدريجي.

والحقيقة أننا يمكن أن ننظر إلى الحرب الدائرة الآن في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها ساحة لصراع الهويات، بل صراع وجود.

لقد زعم ترامب أن إيران تشكل تهديدًا للغرب الأوروبي وللولايات المتحدة نفسها! ولذلك زعم أيضًا أنه سوف يبيد الحضارة الإيرانية نفسها التي تمتد جذورها منذ آلاف السنين (وهو ما يعني إبادة هوية الأمة الإيرانية نفسها)!

وقد زعم نتنياهو أن إسرائيل تخوض حربًا وجودية ضد أعدائها، وهو يؤكد على ذلك دائمًا في خطابه إلى شعب إسرائيل كمسوغ ضروري للحرب.

وفي مقابل ذلك؛ فإن إيران- وهي الدولة المعتدى عليها- تؤكد أيضًا بأنها تخوض حربًا وجودية ضد الأعداء، وربما يفسر لنا هذا السبب في طيلة أمد التفاوض بين الخصمين؛ إذ إن إيران تأبى الخضوع والاستسلام لإرادة المعسكر الصهيوني الأمريكي، ولسان حال ساستها يقول: ما يمكن أن نخسره لن يفوق كثيرًا ما خسرناه من قبل! وهذا يعني أن إيران تدرك جيدًا أن الحفاظ على الوجود والهوية لا يكون فقط من خلال القوة العسكرية، وإنما أيضًا من خلال الإيمان العميق بعمق وجودها الحضاري، وبقدرتها على الصمود والمقاومة في مواجهة ما يتهدد وجودها.

في ظل مشاهد الحرب والغزو والعدوان على أمة أخرى ينشأ لدى هذه الأمة التساؤل عن وجودها وهويتها في سياق ما يطرأ على التاريخ من متغيرات؛ ولهذا فإن هيجل حينما رأى أقدام نابليون تطأ الأراضي الألمانية، قال قولته الشهيرة: «إن بومة منيرفا لا تحلق إلا عند الغسق»، وكان مقصوده أن الليالي الحالكة تستدعي الحكمة والنظر والتأمل التي ترمز لها الأسطورة اليونانية ببومة منيرفا. والحقيقة أن هذا القول لا يصدق فحسب على حياة الأمم والشعوب، وإنما يصدق أيضًا على حياة الأفراد؛ فهو يحدث في حياة المرء حينما يقع حدث جسيم في مسار حياته؛ بحيث يخلق أزمة وجودية تجعله يتوقف، ليتساءل عن ماضيه وحاضره ومستقبله؛ أي يتساءل عن معنى وجوده في هذا العالم، وعن الموقف الذي ينبغي أن يتخذه إزاء أزمته الوجودية.

غاية القول من مجمل ما تقدم هو أن السؤال عن الوجود هو أيضًا سؤال عن الهوية؛ فما لا يكون له هوية هو أيضًا بلا وجود حقيقي، وهو سؤال يفرض نفسه في أثناء الأزمات والصراعات والحروب.