أفكار وآراء

حرية الصحافة.. تراجع عالمي وتحسن عربي

في منتصف الشهر الماضي، شاركتُ بورقة بحثية بعنوان «تنظيم التراخيص والأنشطة الإعلامية في قانون الإعلام العماني» ضمن أعمال الندوة التوعوية التي نظمها قسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس بالتعاون مع جمعية الصحفيين العمانية، واستهدفت توعية طلبة الإعلام والصحفيين بقانون الإعلام العماني الصادر في عام 2024 ولائحته التنفيذية.

في عرضي لهذه الورقة، أكدت أن هذا القانون سوف ينعكس إيجابًا على ترتيب سلطنة عُمان في مؤشر حرية الصحافة السنوي الذي تصدره منظمة «مراسلون بلا حدود». لم يمضِ سوى أسبوعين حتى جاء تقرير عام 2026 الذي تم إعلانه الأحد الماضي بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، ليحقق توقعاتي، حيث تقدمت عُمان سبعة مراكز لتصل إلى المرتبة 127 من بين 180 دولة، واحتلت المركز الخامس بين الدول العربية، وهو أفضل ترتيب تحققه منذ بدء إصدار هذا المؤشر العالمي في العام 2002.

هذا التحسن في الترتيب العالمي والإقليمي الذي تفوقت فيه عُمان على اثنتي عشرة دولة عربية، على أهميته، لا يمكن فصله عن السياق العالمي والإقليمي الأوسع، الذي يشهد، وفقا للتقرير، تراجعًا غير مسبوق في حرية الصحافة، وهو ما جعل هذه الحرية تسجل أدنى مستوياتها في العالم في الخمس والعشرين عامًا الماضية، وجعل الصحافة تواجه في أكثر من نصف دول العالم أوضاعًا «صعبة» أو «خطيرة للغاية».

في ضوء خبرتي الأكاديمية، واشتغالي البحثي على قوانين وأخلاقيات العمل الإعلامي، يمكن أن أقول إن طبيعة القيود المفروضة على الصحافة قد تغيّرت بشكل كبير.

ففي مراحل سابقة، كان التقييد يتخذ أشكالًا مباشرة يسهل رصدها وتتبعها، مثل المنع والحجب والمصادرة والرقابة المباشرة وغير المباشرة.

ومع تطور البيئة الإعلامية، أصبحت القيود أكثر تعقيدًا، وتخضع لاعتبارات سياسية، وقانونية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وتكنولوجية.

ورغم أهمية الإطار القانوني في تقييم حرية الصحافة، فإنه في تقديري لا يمثل سوى أحد عناصر معادلة الحرية. فهناك ضغوط اقتصادية تمارسها مؤسسات التمويل والإعلان، ومنصات رقمية تتحكم في توزيع المحتوى وتوجيهه، وسياقات اجتماعية وثقافية قد تدفع نحو الرقابة الذاتية. هذا التداخل يدفعنا إلى النظر إلى حرية الصحافة بوصفها محصلة لعدد كبير ومتشابك من القيود.

من المهم التأكيد هنا على أن التصنيفات الدولية، رغم أهميتها، لا ينبغي التعامل معها باعتبارها غاية في حد ذاتها؛ فالتصنيف العالمي لحرية الصحافة يقوم على خمسة مؤشرات متساوية الوزن تشمل السياق السياسي، والإطار القانوني، والبيئة الاقتصادية، والسياق الاجتماعي، ومستوى الأمان. وهذا يعني أن أي تحسن في الترتيب قد يكون نتيجة تغير في أحد هذه المؤشرات دون غيره، وهو ما يفرض قراءة تحليلية متأنية تتجاوز المقارنة الرقمية المباشرة.

ويزداد هذا التعقيد في ظل التحولات الرقمية، التي أعادت تعريف أدوار الفاعلين في المجال الإعلامي؛ فالمنصات الرقمية أصبحت لاعبًا رئيسيًا في تحديد ما يظهر وما لا يظهر، من خلال خوارزميات تتحكم في الانتشار والوصول، وتخضع بدورها لاعتبارات تجارية وسياسية معقدة.

وفي مثل هذه البيئة، يجد الصحفي نفسه محكومًا بقواعد المنصات وشروطها، وهو ما يضيف طبقة جديدة من القيود غير التقليدية على العمل الصحفي، ويستدعي قراءة أعمق تتجاوز الأرقام إلى فهم طبيعة هذه التحولات.

وإذا كان قانون الإعلام العُماني المحرك الرئيس في تحسين ترتيب الدولة في حرية الصحافة، فإن المؤشر القانوني، كما يقول التقرير، كان الأكثر تراجعًا في غالبية دول العالم هذا العام. وهو ما يؤكد أن الاتجاه نحو تجريم العمل الصحفي أصبح اتجاها عالميا، خاصة عندما لا يقف الأمر عند حد قوانين الإعلام ويمتد إلى الاستخدام الواسع لقوانين الأمن الوطني، ومكافحة الإرهاب، وتنظيم الفضاء الرقمي، للحد من قدرة الصحفيين على الوصول إلى المعلومات أو نشرها، أو ملاحقتهم بالقتل والاعتقال والمحاكمات.

وتتمثل خطورة هذا الاستخدام في أنه يمنح من يريد أن يكمم الصحافة غطاءً تشريعيًا، ويحوّل القيود من إجراءات استثنائية إلى قواعد ثابتة ومستقرة.

إذا سلمنا بأن الاتجاه نحو فرض مزيد من القيود على حرية الصحافة قد ترسخ عالميا، فإن علينا أن نعترف أنه يظهر في المنطقة العربية بصورة أكثر وضوحا.

هنا يضع التقرير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن المناطق الأكثر خطورة على حرية الصحافة. ويمكن رد ذلك إلى أسباب كثيرة منها أن عددا من الدول العربية تعاني من نزاعات مسلحة، وتتعرض فيها الصحافة لقيود تشريعية كثيرة، بالإضافة إلى الضغوط الاقتصادية والسياسية. لذلك لم تظهر سوى دولتين عربيتين ضمن قائمة المائة دولة الأولى واحتلت ثلاث دول مواقع في آخر عشر دول في القائمة،

ورغم الصورة القاتمة التي قدمها التقرير، فإن عددا من الدول العربية نجحت في تحسين مواقعها بدرجات متفاوتة وبصورة مقبولة إلى حد ما، وهي سلطنة عُمان، وسوريا، وقطر، ولبنان، وفلسطين، والإمارات العربية المتحدة، والأردن.

هذا التحسن، الذي تراوح بين تقدم محدود وبين قفزات كبيرة كما في الحالة السورية، يعكس وجود تباينات لم تكن موجودة من قبل داخل البيئة الإعلامية العربية، وهي تباينات ترتبط بعوامل سياسية أو تنظيمية مرحلية، ولا تعني بالضرورة حدوث تحول جذري في حرية الإعلام العربي.

في إطار هذه التباينات، يمكن قراءة حالة حرية الصحافة في سلطنة عُمان بوصفها مؤشرًا مهمًا على إمكانية تحقيق تقدم نسبي في ظل بيئة إقليمية معقدة، بفضل وجود إطار قانوني جديد لتنظيم العمل الإعلامي. ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذا التقدم إلى مسار مستدام يعزز من استقلالية العمل الصحفي، ويوسّع مساحات الوصول إلى المعلومات، ويضمن توازنًا دقيقًا بين التنظيم والحرية.

إن الحديث عن تحسين ترتيب دولة ما في مؤشرات حرية الصحافة يجب أن يُقاس بمدى انعكاس ذلك على الممارسة اليومية الفعلية: هل أصبح الوصول إلى المعلومات أكثر يُسرًا؟ هل اتسعت مساحة النقد المسؤول؟ هل تراجعت الضغوط القانونية وغير القانونية على الصحفيين؟ هذه الأسئلة، في تقديري، أكثر أهمية من الرقم ذاته، لأنها تمس جوهر العملية الإعلامية.

في هذا الإطار، لا يمكن إغفال أن جزءًا من أزمة حرية الصحافة اليوم يرتبط بطبيعة العلاقة بين الصحفي ومؤسسته، وبين المؤسسة وبيئتها التنظيمية. فكلما اتسعت مساحة الاستقلال المهني داخل المؤسسات الإعلامية، وتوفرت ضمانات واضحة لحماية الصحفيين، انعكس ذلك إيجابًا على جودة الممارسة الصحفية، حتى في ظل وجود قيود خارجية. أما في البيئات التي تتسم بهشاشة هذه العلاقة، فإن القيود القانونية أو الاقتصادية سرعان ما تتحول إلى رقابة ذاتية ممتدة، تُضعف الدور الرقابي للصحافة وتحد من قدرتها على القيام بوظيفتها الأساسية.

لقد كشف تقرير «مراسلون بلا حدود» عن مفارقة لافتة. ففي الوقت الذي تتسع فيه إمكانيات إنتاج ونشر المعلومات، تتراجع الحرية التي تتيح ممارسة الصحافة. وهذه المفارقة تعكس تحوّلًا في طبيعة السيطرة على المجال الإعلامي، من السيطرة المباشرة إلى الضبط القانوني والمؤسسي، ومن الرقابة الظاهرة إلى غير المرئية.

إن الدفاع عن حرية الصحافة لم يعد مسألة مهنية تخص الصحفيين وحدهم، كونها تتعلق بجوهر الحق في المعرفة، وحق المواطن في الوصول إلى معلومات موثوقة ومتنوعة.

وإذا كان هناك بعض التحسن في مراكز بعض دول العالم، ومنها حالة عُمان، تمنح قدرًا من التفاؤل الحذر، فإن الاتجاه العام يظل مقلقًا، لأن العدد الأكبر من الدول العربية شهد تراجعا في نفس المقياس عن العام السابق، وهو ما يستدعي مراجعة جادة وعميقة لأوضاع حرية الصحافة في العالم العربي، تمتد إلى القوانين والممارسة والبيئة المهنية في آن واحد.