أعمدة

الإعلام في زمن الحرب

الإعلام والحرب متلازمان لا ينفصلان؛ فبينما يستخدم المتحاربون على الأرض السلاح والعتاد العسكري، يمتلك الإعلاميون سلاحا لا يقل تأثيرا يتمثل في الكلمة والصوت والصورة، بل إن هذا السلاح الأخير قد يتفوق أحيانا في حسم كثير من المعارك؛ لما يحدثه من أثر نفسي ومعنوي عميق على الجماهير التي تتابع مجريات الحرب، بل وعلى المقاتلين أنفسهم في ساحات المواجهة، فالإعلام ينقل أخبار المعارك ويعيد تشكيلها وتفسيرها وفق الأجندات المرسومة له بما يسهم في توجيه الرأي العام والجماهير في صناعة النصر أو الهزيمة حتى قبل أن تحسم نتيجة المعركة على الأرض.

وقد تناولت الأدبيات الإعلامية والعسكرية هذه العلاقة بإسهاب، حيث تعددت مقاربات المهنيين والأكاديميين والعسكريين والإعلاميين في تفسير طبيعة التفاعل بين الإعلاميين وتغطيتهم للحرب وأخبارها، فكل طرف ينظر إلى هذه العلاقة من زاويته الخاصة، فالعسكريون يرون أنها أداة لتعبئة وتوجيه الجماهير وفق ما يرونه أنه يخدم مصالحهم العسكرية في ساحات المعارك، وبين الإعلامي الذي يرى حتمية نقل الحقائق كما تجري على الأرض من دون تدليس أو إخفاء للحقائق. وتبقى هذه العلاقة متأرجحة بين التأثير الإيجابي والسلبي، وفقا لقدرة كل طرف على استثمار مجريات المعركة في صياغة خطاب إعلامي موجه، يسعى إلى تمجيد الانتصارات، ورفع الروح المعنوية داخليا، وكسب التعاطف والتأييد خارجيا. وهنا يتجلى الإعلام ليس بصفته ناقلا للحدث فحسب، بل هو فاعل رئيسي في تشكيل نتائجه وتداعياته.

في السابق، وكما هو حال كثير من الأشياء، كان نقل وقائع الحرب إعلاميا يتم بقدر أكبر من الانضباط، وليس بالضرورة بأكبر قدر من الدقة والمصداقية، ولكن بحكم سيطرة الأطراف المتحاربة على مجريات الميدان عسكريا، وعلى المنصات الإعلامية القليلة والبسيطة التي تنقل مجريات الحرب. فقد كانت وسائل الإعلام، في الغالب، واقعة تحت نفوذ مباشر أو غير مباشر من أحد طرفي المعركة، ما كان يسهل من مهمة توجيه الرسائل، وانتقاء الروايات، وبث سرديات تمجيد النصر أو تبرير الخسائر.

غير أن هذا المشهد، إن صح أن نقول - على بساطته - في نقل وقائع الحرب، إلا أنه لم يعد بتلك البساطة كما كان، إذ دخل على خط الإعلام لاعبون جدد، من مؤسسات مستقلة، ومنصات رقمية، بل وحتى أفراد يمتلكون أدوات النشر والتأثير، كلهم يتصارعون على محاولة استغلال حدث الحرب وفق ما يرونه مناسبا لهم ويخدم مصالحهم العامة والشخصية. ومع هذه الكثرة الفضائية، لم تعد الرواية واحدة، بل تعددت بتعدد مصادرها ومصالحها، وأصبح كل طرف يسعى إلى إقناع جمهوره وفق زاويته الخاصة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فان هذا المشهد بات من الصعب ملاحقة تدفقاته الإعلامية المتسارعة، وتتبع ما ينشر من أخبار وتحليلات وصور ومقاطع فيديو، في ظل تداخل ما هو حقيقي بما هو غير حقيقي ويفتقر إلى الدقة والمصداقية.

ومن هنا، تتجدد المقولة بأن «الحقيقة هي الضحية الأولى للحرب» باتساع أفقها مع تراجع لافت لحضور وسائل الإعلام التقليدية التي كانت، إلى وقت قريب، تحاول الالتزام بحد أدنى من القيم المهنية والأخلاقية الصحفية والإعلامية المستندة إلى مبادئ إنسانية راسخة. ومع تصاعد ما يمكن تسميته بحروب الذكاء الاصطناعي، بدا الخطاب الإعلامي في كثير من الأحيان باهتا ضبابيا ومضطربا، نتيجة افتقار بعض من يتصدرون عملية الإرسال إلى الأسس المهنية وأخلاقيات العمل الإعلامي التي يفترض أن تضبط هذا المجال وتمنحه مصداقيته خصوصا في أوقات الحروب والأزمات.

يبرز ضمن هذا المشهد ما يمكن تسميته بمراسلي الحروب، وهم فئة قليلة بحكم طبيعة هذا العمل وخطورته، إذ يتعرض العاملون فيه لمضايقات جسيمة، بل وللاستهداف المباشر أحيانا في مناطق الصراع. وتشير تقارير (مراسلون بلا حدود) إلى أن عدد الصحفيين الذين قتلوا خلال عام 2025 بلغ 67 صحفيا، قُتل ما يقرب من نصفهم في غزة، أثناء تأديتهم لمهامهم الميدانية. ومثل هؤلاء الصحفيين كانوا، في الحد الأدنى، شهود عيان ينقلون ما يجري على الأرض من حروب ودمار، بما يمنح الرواية في ميدان الحرب قدرا من المصداقية.

غير أن تراجع هذا الدور، مقابل اتساع الاكتفاء بالعمل من خلف المكاتب أو إعادة تدوير ما يُنشر دون تحقق، أسهم في إرباك مشهد الإعلام والحرب، وفتح المجال أمام تضخم القصص الموجهة. وهذا بدوره أثر إلى حد كبير في الحلقة الأخيرة من العملية الاتصالية وهي المتلقي الذي بقي هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، حيث أصبح عاجزا عن التمييز بين الحقيقة والتضليل. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى دور أكثر صرامة من الجهات المنظمة للإعلام، عبر تأهيل الممارسين، وتكثيف التدريب، وفرض أطر مهنية وقانونية واضحة، بما يضمن ألا يترك هذا المجال الحساس لمن لا يمتلك أدواته ومعاييره.