العرب والعالم

المخاطر الخفية لإعلان "النصر المبكر" على إيران

تحقيق

 

واشنطن 'د. ب. أ': امتدت المواجهة العسكرية في منطقة الخليج، بين أمريكا وإسرائيل، في مواجهة إيران، إلى أبعد بكثير من الأطراف المباشرة، حيث صار جوار إيران- دول الخليج والعراق والأردن- من أبرز ضحايا الصراع. ومع استهداف البنية التحتية للطاقة، وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، وتآكل الثقة الاقتصادية، وتراجع تدفقات الاستثمارات، وجد الخليج نفسه في موقع أول من تأثر بتداعيات صراع أهدافه ونهاياته محددة خارج حدوده تماما.


وفي تحليل نشرته مجلة ناشونال انتريست الأمريكية يقول الدكتور خالد الجابر مدير عام مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة إن هذه الحقيقة تفرض سؤالا استراتيجيا بالغ الحساسية، لا يمكن الإجابة عنه بعبارات دبلوماسية عامة، حيث إن دول الخليج ليست شريكا حقيقيا في المواجهة، 'وبذلت جهودا دبلوماسية لتحول دون اندلاعها، لكنها تتحمل اليوم تبعات حرب لا تتحكم في مسارها أو شروط إنهائها'.


لماذا تسعى إيران إلى تقويض اقتصاد الخليج؟
يقول الجابر إنه على مدى أربعة عقود، تعاملت دول الخليج العربية مع الحروب الإقليمية كداعم، أو ممول، أو طرف غير مباشر، لكنها نادرا ما كانت ساحة قتال مباشرة. وقد بقيت أراضي هذه الدول خارج نطاق الاستهداف المنهجي، إلى حد بعيد، خلال الحرب العراقية الإيرانية، وحرب تحرير الكويت (1991)، ولكن هذه مرحلة قد ولت، فخلال شهرين من عملية 'ملحمة الغضب'، الأمريكية، استهدفت الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات منشآت النفط والغاز، ومحطات الكهرباء وتحلية المياه، والمطارات، ومراكز الخدمات اللوجستية في دول مجلس التعاون الخليجي.


وقد يبدو استهداف إيران لدول الخليج، أمرا مستغربا، ولكن هذه الضربات تتجاوز مجرد رد رمزي، 'إذ تنتهج طهران استراتيجية محسوبة لتحويل الخليج إلى نقطة ضغط على الولايات المتحدة، بما يفرض عليها كلفة لا يمكنها تحملها إلى ما لا نهاية'.


ويرى الجابر، أن حرب إيران على الخليج تعد 'هجوما اقتصاديا محسوبا'، حيث إنه عبر هجمات استهدفت منشآت الطاقة وحقول نفط في دول الخليج، مع إغلاق مضيق هرمز، 'تسعى طهران، عن عمد، إلى شل العمود الفقري للطاقة في الخليج ودفع أسعار النفط العالمية إلى ارتفاعات حادة'، بل تطال هذه التداعيات أمريكا وحلفاءها وأنحاء شتى من العالم. وبالنسبة للجابر، فإن الأثر الأعمق على الخليج هيكلي، حيث إن دول الخليج تدرك مخاطر الاعتماد المفرط على النفط، ولذلك فقد أطلقت خططا طموحة للتنويع الاقتصادي، مثل رؤية السعودية 2030 ومشروع 'نيوم'، وتحول الإمارات نحو الخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي، وخطط قطر لما بعد كأس العالم 2022، 'غير أن هذا التحول يعتمد على سمعة الخليج كبيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار. وكل شهر إضافي من الحرب يستنزف هذه السمعة وربما يقوضها بشكل دائم'.


النصر العسكري لا ينهي التهديد
ويقول الجابر إنه لا يمكن تجاهل التشبيه التاريخي في هذه الحالة، وأنه 'يتعارض مع موجة التفاؤل السائدة حاليا في واشنطن. ففي عام 1991، ألحق تحالف تقوده أمريكا هزيمة عسكرية ساحقة بالعراق، ورغم تدمير الجيش العراقي، والانهيار الاقتصادي الداخلي، واندلاع انتفاضتين متزامنتين في شمال العراق وجنوبه، توقع كثير من المحللين سقوط نظام البعث خلال أشهر. لكن ذلك لم يحدث'.


ولم يغلق هذا الملف بشكل نهائي إلا مع الغزو الأمريكي عام 2003، الذي أنهى النظام، 'لكنه في المقابل خلق فراغا استراتيجيا واسعا في المنطقة، وهو ما أتاح صعود قوى جديدة، وعلى رأسها إيران وشبكاتها الإقليمية وهو ما ساهم في إنتاج التحديات التي تواجهها المنطقة اليوم.


ويرى الجابر أن الدرس الأساسي من هذه التجربة واضح: إلحاق الهزيمة العسكرية بنظام ما لا يعني بالضرورة إنهاء قدرته على تهديد جيرانه'. ويؤكد الجابر أن إيران أقوى من حزب البعث، كما أن الحرس الثوري الإيراني أكثر خطورة من الحرس الجمهوري العراقي، أو غيره من التشكيلات شبه العسكرية التابعة للجيش آنذاك. كما يقود الحرس الثوري شبكة من الوكلاء في المنطقة - ويدير منظومة صاروخية وطائرات مسيرة أكثر تطورا بكثير مما كان لدى بغداد في عام .1991 ويظهر ذلك جليا في واقع الخليج اليوم، فحتى بعد حملة جوية مكثفة استمرت شهرين ضد إيران، لم تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من الحد من قدرة طهران على بسط نفوذها في المنطقة، بشكل ملموس.


والاعتقاد بأن الضربات الجوية وحدها يمكن أن تنهي تهديد الحرس الثوري الإيراني على المستوى الإقليمي 'يبدو طرحا غير واقعي'. ولكن 'لا يعني ذلك أن الحل الوحيد هو تصعيد الحرب حتى إسقاط الجمهورية الإسلامية-وهو سيناريو قد يؤدي، إذا اقترن بانهيار أوسع للدولة، إلى فوضى عارمة في المنطقة.


وكما كتب هنري كيسنجر، 'فإن الهدف الحقيقي للحرب ليس القضاء على الأعداء بشكل نهائي، بل بناء سلام دائم'. ويستشهد الجابر في هذا الصدد بحروب نابليون، حيث تمكن التحالف المنتصر من إقامة توازن قوى إقليمي جديد في أوروبا.


ومن خلال دمج فرنسا كطرف متساو، واحترام مصالحها بدلا من من عزلها، تمكن التحالف من تحقيق قرن من السلام والازدهار في القارة.
وعلى النقيض من ذلك، 'عقب الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الأولى، فرض الحلفاء الغربيون شروطا عقابية على ألمانيا وهو ما أدى في النهاية إلى اندلاع حرب جديدة بعد عقدين فقط'.
وقد يكون من قبيل الصواب القول إن 'إيران غير قابلة للإصلاح سياسيا، وربما لن توافق أبدا على المشاركة المتكافئة في نظام إقليمي سلمي ومستقر.


ومع ذلك، يتعين أن يظل هذا النظام هو الهدف الاستراتيجي الأعلى لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وأن توجه تعاملاتها مع إيران-سواء عبر الحرب أو السلام نحو تحقيقه'.
وفي الواقع، لا يكمن السيناريو الأخطر الذي يواجهه الخليج في التصعيد، بل في الإنهاء المبكر للصراع، 'فعلى مدى نصف القرن الماضي، من فيتنام إلى أفغانستان، دأبت واشنطن على إعلان النصر وإنهاء عملياتها العسكرية سياسيا قبل حسمها استراتيجيا بشكل كامل. وتعد إدارة الرئيس ترامب، بحكم نهجها وتوجهاتها، مرشحة قوية لتكرار هذا النمط: عبر إعلان 'تدمير' البرنامج النووي الإيراني، والادعاء بـ 'تحييد' الحرس الثوري الإيراني، ثم التحول بالخطاب صوب نهج 'أمريكا أولا'، والانكفاء ( على الداخل).


وفي مثل هذا السيناريو، تحصد إسرائيل مكاسبها التكتيكية، بينما تسوف واشنطن هذا الإنجاز سياسيا على المستوى الداخلي. أما الخليج، فسوف يجد نفسه في مرمى النيران-مواجها إيران مجروحة تسعى للانتقام.


والسؤال الحاسم الذي يشغل دول الخليج العربية ليس متى تنتهي الحرب الحالية، بل: ماذا سوف يحدث بعد أن تعلن واشنطن النصر؟ 'فإذا كانت تجربة الفترة ما بين 1991 و2003 قد علمت دول الخليج درسا، فهو أن نهاية العمليات العسكرية التقليدية غالبا ما تمثل بداية مرحلة أطول وأكثر خفاء- مرحلة تتم الحرب فيها 'عبر الاستنزاف، والوكلاء، والإكراه الاقتصادي، وذلك بعد وقت طويل من إعلان القوى الكبرى إغلاق الملف'.


وفي ختام التحليل، يقول الدكتور الجابر، إن 'واشنطن سوف تكتب رواية النصر، بينما يترك الخليج ليصوغ شروط البقاء. وإذا أخطأت عواصمه في قراءة الدرس العراقي-باعتبار توقف الضربات نهاية للخطر- فقد تكتشف، بعد سنوات، أنها لا تزال تدفع ثمن حرب أعلن مهندسوها عن انتهائها ومضوا قدما.