شهادات تستعيد أثر الراحل أحمد درويش في التكوين المعرفي والحضور الثقافي والإعلامي
في جلسة ببيت الزبير بعنوان "حاضر في الزمن، باقٍ في الذاكرة"
الثلاثاء / 17 / ذو القعدة / 1447 هـ - 19:58 - الثلاثاء 5 مايو 2026 19:58
متابعة -فيصل بن سعيد العلوي
أقام بيت الزبير مساء أمس جلسة حوارية بعنوان ' أحمد درويش حاضر في الزمن، باقٍ في الذاكرة' بمشاركة الدكتور هلال الحجري، والدكتور محمد المعشني، وسليمان المعمري، حيث استحضرت الجلسة ملامح تجربة الراحل في سياقها الثقافي والنقدي كما توقفت عند أثره الممتد في الذاكرة الأدبية من خلال قراءة مساراته وما تركه من حضور لا ينفصل عن التحولات التي شهدها المشهد الثقافي العربي، كما شهدت الجلسة مداخلة مسجلة قدمتها الدكتورة رشا صالح زوجة الراحل من مصر واستعرضت فيها جانبا من سيرته وحضوره الإنساني.
واستهل سليمان المعمري الجلسة بكلمة أشار فيها إلى رمزية هذا اللقاء الذي يأتي قبيل الذكرى الثالثة والثمانين لميلاد أحمد درويش، مستحضرا مكانته ككاتب وناقد وعالم لغوي ارتبط اسمه بالمشهد الثقافي العربي، مؤكدا أن حضوره في هذه الأمسية يتجدد عبر أثره وما تركه من منجز، كما توقف عند علاقته بسلطنة عمان التي عمل فيها أستاذا وعميدا ومستشارا وأسهم خلالها في الكتابة عن الأدب العماني وبناء شبكة واسعة من الصداقات الثقافية إلى جانب حضوره في الحقلين العلمي والإعلامي، في تجربة امتدت لسنوات جعلت من عمان فضاء حاضرا في مسيرته.
شهادة من بيته
وفي المداخلة الأولى قدمت الدكتورة رشا صالح (زوجة أحمد درويش) شهادة مسجلة تناولت فيها جوانب من سيرته العلمية والإنسانية مشيرة إلى علاقته بسلطنة عمان التي وصفتها بأنها شكلت مساحة مركزية في تجربته وقد ارتبط بها عبر مرحلتين زمنيتين امتدتا من منتصف الثمانينيات حتى أوائل الألفية الثالثة مع استمرار التواصل والزيارة، مشيرة إلى انخراطه في الحياة الثقافية العمانية ومشاركته في حواراتها، إلى جانب إسهامه في التدريس بجامعة السلطان قابوس حيث وجد في طلابها نموذجا يجمع بين الجدية والرغبة في التعلم.
كما أشارت إلى دوره في نشر الثقافة خارج الإطار الأكاديمي من خلال البرامج الإذاعية والتلفزيونية، إضافة إلى مشاركته في تأسيس جماعة الخليل بن أحمد لاكتشاف المواهب الأدبية والفنية، وإسهامه في مشروعات ثقافية مثل 'موسوعة أسماء العرب' والموسوعة الميسرة للتراث العماني، مؤكدة أن تجربته اتسمت بالانفتاح على النصوص وقراءتها بعمق ورؤية نقدية، قبل أن تختتم مداخلتها باستحضار حضوره الإنساني وما ارتبط به من قيم العلم والعطاء والتواضع.
ذاكرة التلمذة
بعدها استهل الدكتور هلال الحجري مشاركته بقصيدة رثاء كتبها في الراحل، قبل أن يقدّم شهادته التي جاءت مزيجا من الذكريات الشخصية والانطباعات المرتبطة بتجربته معه منذ سنوات الدراسة الأولى حيث توقف 'الحجري' عند بدايات علاقته بأحمد درويش حين تتلمذ على يديه في جامعة السلطان قابوس وامتداد هذه العلاقة عبر مراحل لاحقة من حياته العلمية وما ارتبط بها من دعم أكاديمي مباشر، إلى جانب ما تركه من أثر في تكوينه المعرفي، لافتا إلى أن هذه العلاقة تحولت لاحقا إلى صداقة وزمالة ظلت حاضرة حتى بعد تباعد المسارات.
كما استعاد 'الحجري' حضور 'الراحل' داخل قاعات الدراسة متوقفا عند طريقته في تقديم المعرفة وقال: 'درويش' كان يعتمد على الشرح المباشر والتحليل المتعمق، مستحضرا مثالا من محاضراته في البلاغة حين تناول آية واحدة من القرآن الكريم، كاشفا من خلالها أبعادا لغوية ودلالية امتدت إلى ما هو أبعد من التفسير التقليدي، مؤكدا أن هذا الأسلوب ترك أثرا عميقا في وعيه المبكر ظل حاضرا معه حتى اليوم.
وأشار إلى أن أحمد درويش لم يكن حاضرا داخل الجامعة فحسب، بل امتد نشاطه إلى المشهد الثقافي العام من خلال علاقاته بالنخب الثقافية ومشاركاته في المؤسسات الثقافية، إضافة إلى إدراكه لدور المثقف ومسؤوليته خارج الإطار الأكاديمي من خلال اهتمامه برعاية المواهب الشابة وتوجيهها سواء في الشعر أو السرد.
وأشار 'الحجري' إلى أن كتاب 'مدخل إلى دراسة الأدب في عمان' قدم تصورا مختلفا لتاريخ الأدب، يقوم على ربطه بالسياق الاجتماعي والسياسي وتتبع تحولات أشكاله عبر الزمن من الشعر إلى النثر، في قراءة تنظر إلى الأدب كجزء من حركة الحياة مؤكدا أن هذا الطرح شكّل تحولا في فهم تاريخ الأدب العماني وأتاح مقاربة أكثر اتساعا لمساراته.
واختتم الدكتور هلال الحجري شهادته بالإشارة إلى ما اتسمت به شخصية أحمد درويش من انفتاح وابتعاد عن الأحكام المسبقة، مع قراءة عميقة لتاريخ عمان وحضور علمائها في السياق العربي، وهذا الوعي انعكس في كتاباته التي تعاملت مع هذا التاريخ من موقع معرفي وإنساني متصل تكونت من خلالها تجربته الشخصية والعلمية.
جدل الاستيعاب
بعد ذلك استحضر الدكتور محمد المعشني في شهادته ملامح متعددة من تجربة أحمد درويش مشيرا إلى أن هذه الشخصية لا يمكن الإحاطة بها في مداخلة واحدة نظرا لتعدد أدوارها بين العمل الأكاديمي والنقدي والإبداعي والإداري، متوقفا عند فكرتين رآهما مدخلا لفهم هذه التجربة هما الاستيعاب والتجاوز، موضحا أن الأولى تتصل بقدرة درويش على استيعاب تكوينه المعرفي منذ مراحله الأولى من حفظ القرآن وتلقي العلوم الأزهرية، وصولا إلى دراسته في جامعة السوربون، حيث تمكن من الجمع بين هذا التكوين التراثي العربي الإسلامي وبين ما تلقاه من نظريات نقدية حديثة دون أن يفقد توازنه بين الجانبين، و هذا الاستيعاب امتد إلى تعامله مع اللغة والنقد حيث لم يقف عند حدود القواعد التقليدية، بل انفتح على أبعاد جمالية تتجاوز سلامة العبارة إلى الكشف عن طاقات النص، مستحضرا اشتغاله على البلاغة العربية خاصة نظرية النظم، مع الإفادة من الطروحات الأسلوبية الحديثة في قراءة تجمع بين المرجعيتين وتعيد تقديم النص ضمن أفق أوسع.
وأضاف 'المعشني': عمل درويش على تطوير ما استوعبه مقدما قراءات تطبيقية تنفتح على مزج بين التراث والنظريات الحديثة دون الوقوع في النقل أو التكرار، لافتا إلى أن هذا التوجه انعكس في موقفه من الأجناس الأدبية حيث تعامل مع الإبداع باعتباره فعلا لا يتقيد بشكل محدد في سياق قراءة تتجاوز التصنيفات التقليدية، وان كل هذه الخصائص ظهرت بوضوح في تجربته في سلطنة عمان حيث تمكن خلال فترة وجيزة من استيعاب طبيعة المجتمع والثقافة والتفاعل مع مؤسساته المختلفة، مقدما أعمالا أسهمت في بناء تصور نقدي جديد في حينه من خلال قراءة المشهد الأدبي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية مؤكدا أن هذا الحضور كان على قراءة واعية توازن بين المعرفة والانفتاح.
مشروع المعرفة
كما قدّم سليمان المعمري 'مدير الجلسة' أيضا ورقة تناول فيها حضور أحمد درويش في المجال الإعلامي مشيرا إلى أن هذا الجانب يشكّل امتدادا موازيا لعمله العلمي من خلال اشتغاله على البرامج الثقافية في الإذاعة والتلفزيون، و هذه التجربة قامت على فكرة إخراج المعرفة من فضاء التخصص إلى جمهور أوسع عبر لغة تحافظ على قيمتها دون أن تنغلق على المتلقي.
وتوقف 'المعمري' عند رصيد الدكتور أحمد درويش في إذاعة سلطنة عمان والتي قدم فيها آلاف الحلقات في برامج متعددة تناولت الشعر والبلاغة والثقافة العربية، من بينها 'إن من الشعر لحكمة' و'إن من البيان لسحرا' و'من كنوز الثقافة الإسلامية'، إلى جانب برامج أخرى وحلقات متفرقة في مشروع إذاعي طويل امتد لسنوات اعتمد على قراءة التراث وإعادة تقديمه في صياغة قادرة على الوصول إلى المستمع دون أن تفقد عمقها، كما أن تجربة 'درويش' في التلفزيون من خلال برامج مثل 'شعاع الحضارة' و'في رحاب المكتبة' قدمت هذه الأعمال صورة واسعة للثقافة تجمع بين الأدب والتاريخ والعلوم والفنون، عبر حوارات مع أسماء فكرية ونقدية متعددة في طرح ينفتح على قضايا معرفية مختلفة ويعيد ربطها بسياقاتها الإنسانية والثقافية.
وأكد الكاتب سليمان المعمري أن هذه التجربة (تجربة الراحل أحمد درويش) تكشف عن وعي متصل بدور الإعلام في توسيع دائرة الثقافة حيث تحولت البرامج إلى مساحة لنقل المعرفة ومساءلتها مع حضور واضح لعمان داخل هذا المسار، سواء كبيئة للعمل أو كجزء من التكوين المعرفي في تجربة امتدت آثارها إلى جمهور واسع وأسهمت في ترسيخ حضور الصوت الثقافي في الذاكرة العامة.
مداخلات تستحضر التجربة
وفي ختام الجلسة فُتح باب المداخلات التي تنوعت بين شهادات شخصية وتساؤلات نقدية استحضرت أثر أحمد درويش في المشهد الثقافي حيث استعاد عدد من المتحدثين تجربتهم معه في الجامعة وخارجها، مشيرين إلى حضوره كأستاذ وعميد وما اتسم به من قرب إنساني وتفاعل مباشر مع طلبته وزملائه إلى جانب إسهامه في تشكيل بيئة أكاديمية وثقافية نشطة داخل كلية الآداب، كما طُرحت أسئلة انشغلت بطبيعة الإضافة التي قدّمها للمشهد الثقافي العماني وما إذا كانت هذه الإضافة ترتبط بجهد فردي أو بسياق أوسع إلى جانب تساؤلات حول حضور النقد آنذاك ودور المؤسسات الثقافية والإعلامية في إبراز بعض الأسماء دون غيرها، في محاولة لفهم طبيعة المرحلة وتحولاتها، وشهدت المداخلات أيضا شهادات أكاديمية استحضرت تكوينه العلمي القائم على الجمع بين المعرفة التراثية والانفتاح على النظريات الحديثة مع الإشارة إلى حضوره المتجدد في مختلف البيئات التي عمل فيها، وقدرته على التأثير في طلبته وزملائه عبر منهج يقوم على التحفيز والعمل المتدرج والاشتغال على التفاصيل الصغيرة وصولا إلى بناء منجز أوسع، واستعرضت بعض المداخلات أثره في توجيه قراءات نقدية لاحقة من خلال ما طرحه من إشارات وأفكار فتحت مجالات بحث متعددة، إلى جانب الإشارة إلى علاقته بالمشهد الثقافي في سلطنة عمان، وما اتسمت به من انخراط مباشر في مؤسساته وفعالياته، مع حضور واضح لدوره في إدخال مفاهيم نقدية حديثة والإسهام في توسيع أفق القراءة لدى جيل من الكتّاب والباحثين وهو الأثر الذي تركه أحمد درويش في الذاكرة الثقافية.